المقالات
السياسة
الانتخابات ومآلات التحول الديموقراطي..!!
الانتخابات ومآلات التحول الديموقراطي..!!
12-17-2018 09:44 PM


يختلف الناس في تعريف الديمقراطية باختلاف مدارسهم الفكرية، وكمال قال رئيس وزراء بريطانيا في فترة الحرب العالمية الثانية ونستون تشرشل الديمقراطية هي «أفضل أسوأ النظم السياسية» وهي إنتاج الفكر الأوروبي في صراعه مع الكنيسة، واستطاعت نخبة الطبقة الوسطى في أوروبا أن تنتج هذا النظام و ثقافته الديمقراطية، و القوانين التي تحميها من السقوط، حيث كان التركيز على توعية الجماهير بحقوقها وواجباتها تجاه الدولة.

والديمقراطية نظام يتأسس و تترسخ قواعده في المجتمع بالتوافق الوطني و الرضي من كل القوى السياسية و القطاع الجماهيري الواعي، ويستمد قوته بإنه يمثل الحد الأدنى الذي يجمع عليه، وتصبح حمايته من قبل الجماهير لأنه يعبر عن آمالها. والقوى السياسية الأيديولوجية في الدول خارج المنظومة الأوروبية التي ترفض النظام الديمقراطية، واعتادت على تقديم تبريرات غير مقنعة، و في ذات الوقت لم تستطع أن تأتي ببديل للديمقراطية، ونظام حكم يتوافق عليه الناس، والنظم التي أقامها هؤلاء هي نظم شمولية تمارس أبشع انتهاكات حقوق الإنسان، وتحارب حرية الرأي، وتكريس السلطات في يد شخص واحد، عجزت أن تقدم بديلا.ً

ومعلوم أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم يعاني من صراع داخلي تتحكم فيه المصالح الذاتية، ولا يستطيع أن يتقدم خطوة واحدة تجاه عملية التحول الديمقراطية، لأن الأجندة التي تتحكم في هذا الصراع ليست أجندة وطنية يمكن أن تفتح باب الحوار الجاد لتحقيق الاستقرار السياسي، أنما تتقدم خطوة ثم تتراجع خطوات أخرى.

ودلالة على ذلك إن الحوار الوطني الذي صنعته بنفسها، هي التي تقوم بنسف مخرجاته، وتتجاوز ما اتفق على تنفيذ نصوصه بالتوافق الوطني، و درج الحزب الحاكم أن يوظف أحزاب التوالي التي صنعها لكي تنجز مثل هذه المهام، و هي أحزاب صنعت لكي تلعب أدواراً سالبة في عمليات التراجع عن أية خطوة تجاه عملية التحول الديمقراطي.

وفي تراجع جديد عن مخرجات الحوار الوطني، قال وزير الإعلام بشارة جمعة في تصريح له نقله «المركز السوداني للخدمات الصحفية» «إن اختيار رئيس وأعضاء مفوضية الانتخابات سيتم بالتشاور مع الأحزاب و القوى السياسية بحسب مخرجات الحوار الوطني» وأضاف قائلاً «إن الحكومة تلتزم بإقامة انتخابات حرة و نزيهة، و إن أكبر دليل على نزاهة الانتخابات هي المشاركة الدولية في رقابة كل أعمال و مراحل الانتخابات» هذا تناقض تدحضه التجارب السابقة. إذا كان الحزب الحاكم بالفعل يريد انتخابات حرة ونزيهة، كان عليه أن يقف مع متطلبات هذه الانتخابات النزيهة، أولها حرية العمل السياسي، و عدم منع القوى السياسية من إقامة نشاطها الذي يجمعها مع عضويتها والجماهير في إقامة ندوات في الهواء الطلق، أسوة بانشطة الحزب الحاكم، وثانياً أن يقبل التوافق الوطني في صناعة قانون الانتخابات، و لا ينفرد بصناعته معتمداً على أغلبيته في البرلمان، وثالثاً أن يتم تفكيك علاقة الحزب الحاكم بمؤسسات الدولة، وعدم استغلال ثروات البلاد في دعم أنشطة الحزب الحاكم. ورابعا عدم الاعتماد على أغلبيته الميكانيكية في البرلمان لإجازة القوانين دون التوافق مع القوى السياسية الأخرى.

فالتحول الديمقراطي ليس هو الانتخابات، ولكن تهيئة البيئة واللوائح و القوانين التي ترسخ قواعد الديمقراطية في المجتمع، وآخر مرحلة هي الانتخابات. وزير الإعلام يتحدث عن توافق وطني في عملية تكوين المفوضية، و لا يملك دليلاً واحداً أن هذا التوافق يمكن أن يحصل، بعد ما أنفرد الحزب الحاكم في صناعة قانون الانتخابات لوحده معتمداً على أغلبيته في البرلمان.

والسؤال الذي يطرح هل البرلمان القائم حالياً هو صالح أن يحقق عملية التحول الديمقراطي أو التوافق الوطني؟

القضية الأخرى حرية الانتخابات ونزاهتها و شفافيتها، إذا كان الحزب الحاكم يتطلع إلى انتخابات نزيهة، لماذا انفرد بصناعة قانون الانتخابات دون توافق مع القوى السياسية الأخرى، إن انفراد الحزب الحاكم بصناعة قانون الانتخابات تؤكد إنه يبيت شيئاً، وأول اتهام يدور بخلد المرء هو التلاعب في صناديق الاقتراع، والرقابة الدولية لا تمنع هذا التلاعب، إذا كانت الانتخابات مستمرة لثلاثة أيام و من هي الجهة التي تحرس هذه الصناديق، إذا كان الحزب الحاكم يتماهى في الدولة. فالسيد وزير الإعلام يتحدث عن هامش العملية الانتخابية، وهو قول تنفيه التجارب السابقة، حيث إن القوى السياسية فقدت الثقة في الحزب الحاكم، وكل العناصر التي يوظفها لكي تؤدي أدواراً مرسومة لها.

ودلالة على فقد هذه الثقة، قال السكرتير العام للحركة الشعبية شمال «جناح الحلو» «أن الحركة الشعبية متمسكة بموقفها المعلن من خارطة الطريق، باعتبارها ماتت و تجاوزها الزمن وحقائق الواقع على الأرض، وإن الحركة غير معنية بمخرجات الحوار الوطني، باعتباره حواراً أحادياً لم تكن الحركة طرفاً فيه».

وأضاف قائلاً «إن ما جرى بالبرلمان من سلوك واستراتيجية نهج يتبعه المؤتمر الوطني باستمرار بحشد أحزاب متوالية معه، وهي في الأساس نسخ مكررة منه، يؤكد بوضوح إلى ما سيحدث لاحقاً عند كتابة الدستور الدائم و كذلك الانتخابات»، هذا القول ليس فقط هو قناعة الحركة الشعبية بل قناعة كل القوى السياسية التي تتطلع لعملية التغيير الديمقراطي.

إن كان في الأحزاب المعارضة التي لم تشارك في الحوار الوطني، أو بعض القوى السياسية التي شاركت في الحوار الوطني وتبحث عن التغيير. حيث قال مبارك المهدي إن صناديق الاقتراع إذا باتت يوماً واحداً سوف يتم تزويرها، و أيضاً خروج ۷۱ عضواً من جلسة البرلمان التي تم فيها التصويت على قانون الانتخابات يؤكد ذلك و۷۱ عضواً يمثلون أحزاب مختلفة، كما هددت أحزاب مشاركة في الحكومة إنها لن تشارك في الانتخابات إذا وقع رئيس الجمهورية بالموافقة علي قانون الانتخابات، فالذي يصنع القانون لا يبالي في اختيار رئيس المفوضية وعضويتها، لأن ذهنية هؤلاء لا تتغير بين ليلة وضحاها.

وفي ذات السياق قال عبد الرحمن الخضر رئيس القطاع السياسي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، إن حزبه لن يتحالف مع أي قوى سياسية، ولن يستمر في توزيع كوتات الدوائر الانتخابية للقوي السياسية، وسيخوض الانتخابات لوحده.

هذا الحديث كان يكون له صدى و قوة إذا كان الحزب الحاكم أخضع تنفيذ مخرجات الحوار الوطني للتوافق مع القوى السياسية الأخرى، لكن الحزب طبخ كل شيء لوحده، وهيئت البيئة بما يتلاءم مع أهدافه هو، وليس أهداف العملية الديمقراطية، باعتبار إن الانتخابات إذا جرت بالقانون الذي تمت إجازته لن تكون نزيهة، الأمر الذي سوف يجعل القوى السياسية تقاطع الانتخابات، ولا يجد الحزب الحاكم غير أن يعود لتوزيع الكوتات لأحزاب هلامية لا وجود لها في الواقع الاجتماعي، إنما هي صالحة فقط أن تكون ديكوراً في ديمقراطية زائفة، وتصبح قيادتها على هامش الفعل السياسي، ليس لها دور في صناعة القرار أو حتى التعليق عليه.

إن التحدي الذي يحاول أن يشير إليه عبد الرحمن الخضر، اين يخوض حزبه الانتخابات دون تحالف مع قوى أخرى، هو تحدٍ ليس له مقومات، و ليس تأكيدا إن حزبه يملك قاعدة جماهيرية عريضة تحقق له النصر، إن الحزب يعتمد على الدولة ومؤسساتها في تغيير نتائج الاقتراع. وإلا كان الحزب أشد حرصاً على مخرجات الحوار الذي دعا إليه و تنفيذها بالصورة التي تم الاتفاق عليها. ولكن الحزب يعلم تماماً أن التحدي في انتخابات حرة ونزيهة في ظل فشل الحزب في تحقيق حياة كريمة للناس وسوء في كل الخدمات، وعاصمة تشتكي من الأوبئة بسبب الأوساخ و انتشار القمامة وسط الأحياء و في الأسواق، هذه لوحدها كفيلة أن تجعل الجماهير تدير ظهرها لحزب فشل في كل المشاريع التي كان ومايزال يبشر بها.

ونسأل الله حسن البصيرة

الجريدة





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 491

خدمات المحتوى


زين العابدين صالح عبد الرحمن
زين العابدين صالح عبد الرحمن

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة