المقالات
السياسة
في الخالدين يا استاذنا بولا
في الخالدين يا استاذنا بولا
12-18-2018 10:11 PM



آخر مرّة رأيتُ فيها عبد الله بولا - عياناً بياناً - كانت في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي . سبعة وثمانين فيما أظن . كان ذلك بقاعة البغدادي بكلية الطب جامعة الخرطوم في ندوةٍ ما زالت أصداءُ حواراتها ، في الذاكرة ، ترن، وما زال ما طُرح فيها من أفكار يلمعُ من الجِدة ، عنوانُ الندوة كان : الفن والتغيير الإجتماعي . تحاور بولا في تلك الندوة حواراً كثيفاً قويُّ العارضة مع إبراهم جعفر وبشرى الفاضل وآخرين، تحدثوا حديثاً مشيقاً و مفيداً . . تلكم كانت من أثرى الحوارات التى شهدتُ وطربتُ فيها لمقدرة المتحاورين وحرصهم على اختيار المفردة ؛ ضبط المفاهيم وصياغة الحُجة . طريقة بولا في الحوار – كما في الكتابة – أدهشتني وما زالت. طربتُ أنا الطالب الجامعي إذّاك حتى أنني ، في ختام الندوة ، مشيتُ راجلاً أُقلِّب الفِكَر ، من كلية الطب حتى الجناح الجنوبي بمعهد الكليات سابقاً .
قبل ذلك كانت صورة بولا : النحيف، الطويل ، ذو السمت المتأمل ؛ تثير فينا الإعجاب – والرهبة – ونحن نراه يترك مكتبه بكلية الفنون الجميلة ليققف متابعاً ومتفَّكراً في حواراتنا التي كانت تشتعل في أركان النقاش بالجناح الغربي؛ كأني أراهُ الآن : يقف ويده تعبث في لحيته متابعاً ومتفكِّراً فيما نقول؛ نراهُ فننشغل – أنا وصديقي ربيع السماني – بالنظر إليه ومتابعة وجهه المتأمل أكثر من متابعتنا لركن النقاش الذي علينا أن نفنِّد ونناقش ما يُقال فيه عن مواقف تنظيمنا : الجبهة الديمقراطية .
فيما بعد لم أرَ بولا . تبعثرنا في كل وادٍ .غير أني هاتفته ذات مرّة ، في هذه الألفينيات ، من منزل صديقه بشرى الفاضل بجدة وهو بباريس؛ فتذاكرنا تلك الندوة سوياً واغتبطنا .
عبد الله بولا المفكِّر والمثقَّف العضوي( نعم .. في رأيي أنَّ بولا يستحقّ أن يوصف- عن جدارة - بالمثقف العضوي بما يفوق مفهوم أنطونيو قرامشي) كان مؤسسة ثقافية معرفية فنية كاملة في بلدٍ لم تقدَّر- أبداً- نابغيها ؛ فلكم تمنيت أن يكمل مشروعه المعرفي ، الفكري والفني قبل ان يرحل .
لكنه اليوم رحل.
في الخالدين يا استاذنا بولا.





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 471

خدمات المحتوى


محمد عبدالملك
محمد عبدالملك

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة