المقالات
السياسة
بولا ... رحيل المثقف الممتاز
بولا ... رحيل المثقف الممتاز
12-22-2018 09:22 PM




كل إنسان فريد. إلا أن ثمة فرادة تستطيع الخروج من عالم فرديتها لتسطع وتضىء ما حولها من عالم فتفتح عيوننا — وهكذا كان عبد الله أحمدبشير (1943 – 2018)، المعروف باسم عبد الله بولا. سألته مرة عن أصل اسم بولا، وقال ضاحكا: اسم شخصية مغامرة من شخصيات مجلة الصبيان. وعندما تأملت الاسم وارتباطاته لخّص لي إلى حد كبير بولا الذي عرفناه — فحياته كانت حياة مغامرة فكرية كبيرة ظلّت تركب باستمرار مخاطر السؤال، مغامرة لم تتهيب أمواج السؤال المتلاطمة المتضاربة وتجفل منها بل ارتمت في لجّتها ودُوّامتها بلا خشية أو وجل.
وبولا، الذي عرفت منذ السبعينيات، ظلّ دائما مهموما بالفكر كوسيلة فعّالة لاستكشاف الذات ومواجهتها. ولقد انطلق هذا الهم الفكري واستند على أرضية نشاطه التشكيلي. لم تكن عينه كتشكيلي على الأشكال والخطوط والألوان فحسب، وإنما انفتحت أيضا على اللوحة الأكبر، لوحة الثقافة السودانية بكل مظاهر إبداعها وزخمها وثرائها وتنوعها. كان من الممكن لبولا الآتي من خلفية الثقافة الشمالية النيلية أن ينسحب لمألوفه الثقافي، وخاصة أنه يمثّل الوجه السائد والمهيمن للواقع الثقافي السوداني، إلا أنه حمل ومنذ بواكير حياته تمردا أصيلا على هذا المألوف تبلور فيما بعد في موقفه الفكري الذي فجّره في سلسلة مقالاته عن "مصرع الإنسان الممتاز" في منتصف السبعينيات، وهي سلسلة عكست حساسيته المتنامية ضد رؤية مدرسة الخرطوم التي رآها ممثلة لتيار الثقافة الإسلامية العربية السائدة من ناحية مع تمسكه من ناحية أخرى بمكتسبات الحداثة (ذلك الإنجاز الكبير الذي صنع عالمنا المعاصر والذي تندرج تحته إنجازات أخرى بدءا من انتصار الاستنارة) واحتفائه في نفس الوقت بالتنوع السوداني.
وفي حالة بولا يواجهك السؤال عن نقطة البداية لهذا التمرد والخروج: هل نشأ من بذرة بذرها انفتاحه على فكر اليسار، خاصة بتجليه الماركسي، أم هل كانت بذرته كامنة في عناصر ثقافته التي شكّلت وعيه منذ طفولته؟
وُلد بولا في بربر التي ظلّ يتحدّث عنها دائما بذاكرة حميمة تجمع الواقعي والسحري. ومنذ عمر مبكّر تنقّل في مناطق مختلفة من السودان مما فتح بصره وبصيرته على التنوع الثرّ للبلد الذي أصبح الدفاع عنه فيما بعد شاغلا من شواغله الفكرية الدائمة. ويقول عن تعليمه: "تعلمّت من رجال ونساء من عامة الناس، خاصة أساتذتي بالمدارس الأولية." ونمط التعليم هذا الذي وصفه بولا هو ما شكّل حساسيته وفيما بعد موقفه الفكري (والسياسي) إذ أنه فتح نفسه دوما على التعلّم من عامة الناس.
ولكن كان هناك تأثير آخر هام وحاسم في تعليم بولا وتشكيل حساسيته وهو ما جاء عبر قراءاته وانفتاحه على تراث الفكر الإنساني، وخاصة الماركسية التي أعطته مثلما أعطت الكثيرين من متمردي جيله أدوات الحفر والتنقيب ولغة التعبير. اسمعه يقول وهو يشرح فكرته عن مفهوم الإنسان الممتاز: "لماذا يرى كاتب المقال أن الامتياز الاجتماعي ليس أمرا طبيعيا؟ لست وحدي الذي يرى هذا الرأي، فهو مسألة دار ويدور حولها صراع طويل بين مختلف الاتجاهات الفلسفية. فمنها ما يرى ويجهد في إثبات أن الامتياز الطبقي جوهر خالد وثابت. بينما يرى الاتجاه الآخر في الامتياز الاجتماعي ظاهرة تاريخية نشأت لأسباب موضوعية كغيرها من الظواهر الطبيعية والاجتماعية. وهي، نظرا لطبيعتها بالذات، عُرْضة للتحوّل الدائم والحتمي بفعل نشاط البشر المقهورين، ثم بفضل نشاط البشر الخلاقين المدركين لضرورة وإمكانية تغيير شروط الحياة غير الإنسانية المترتبة على وجود الاضطهاد الاجتماعي ... ومن الرؤية الأخيرة تنطلق كتاباتنا." (بداية مشهد مصرع الإنسان الممتاز، 2016، ص 63).
هذه الفقرة تلخّص أين اختار بولا أن يقف. لا شك أن خطاب اليسار لعب دوره، وهذا ظاهر في لغته. إلا أن هذا لا يعني أن الاستعداد لاستقبال هذا الخطاب لم ينبذر وبولا يتعلم من "عامة الناس" — فخطاب اليسار هو في آخر الأمر تعبير عن طموحات عامة الناس هؤلاء وهم يعون قهرهم واستغلالهم وينشطون للقضاء عليه. وبولا، الفنان التشكيلي، وجد لنفسه ولنشاطه الإبداعي مكانا في ملحمة التغيير هذه، إذ أنه عندما يتحدّث عن "نشاط البشر الخلاقين المدركين لضرورة وإمكانية تغيير شروط الحياة غير الإنسانية" فإنه يتحدث عن نفسه والشريحة التي ينتمي لها كما يتحدّث عن مجموع قوى التغيير التي رأت في نفسها دائما "طليعة ثورية" وشرطا ذاتيا لازما للشروط الموضوعية للثورة والتغيير.
إلا أن بولا ما لبث أن تجاوز هذا الموقف بمعناه "اللينيني" الضيق، وهو تجاوز تحقّق عبر أعمق احتكاك فكري في حياته عندما ذهب إلى باريس في منتصف السبعينيات. فتح هذا الاحتكاك دروبا جديدة حقّقت ما وصفه بـ "قفزة تطورية" في مغامرته الفكرية جعلته يتحدّث بلغة "النزعة اللايقينية" ويجرّب وسائل "المنهج الإشكالي". إلا أن هذه القفزة لم تتحقّق بدورها في فراغ إذ استندت على حساسية بولا المبكّرة بالتنوع وبما تعلّمه من "عامة الناس". وهكذا أثرى هذا الوعي الأعمق بالتنوع وجدان بولا وموقفه الفكري وجعله يتحدّث بلغة أكثر نضجا وانفتاحا وهو يتحدّث عن انتمائه الاشتراكي مثلا: " ... وفكرة الاشتراكية نفسها لها تفرعات وانتماءات عديدة تصدر منها ... من خلال مفكرين وحكماء منذ أزمان سحيقة ... بحيث أن أجنة الفكر الاشتراكي كانت موجودة باستمرار ... " وهذا الابتعاد عما يطرحه خاصة يسار التجربة الشيوعية جعله يقول: "وعلى المستوى السياسي والاجتماعي، ممثلا في مؤسسات الثقافة وحقوق الإنسان وغيرها، انعكست الإشكالية المتولّدة لدينا في نظرة المؤسسة الحزبية لتطبيق المفهموم الاشتراكي في المجتمع، حيث اعتبرت هذه السلطة أو المؤسسة أن إقامة وتدعيم هذا المفهوم حريٌّ بها وحدها ويصب في خصوصيتها بعيدا عن مشاركة الآخرين ... " (حوارات، 2017، ص 101 – 102). وما يقوله بولا هنا يعكس بعدا ذا أهمية خاصة في قفزته وهو بعد التحوّل الديمقراطي المتمسك بمبدأ التعددية السياسية. وتلازم هذا التحوّل عنده باحتضان حقوق الإنسان والدفاع الناشط عنها لأنها في نهاية المطاف أنضج وأرقى ثمرة للديمقراطية.
وفي تقديرنا أن مساهمة بولا الفكرية الكبيرة كانت في مجال إعادة النظر في تعريف التشكيل وتوسيع مجاله ليشمل أنشطة لا نضعها عادة في مصاف الفن التشكيلي. وهكذا واستنادا على تعريفه للتشكيل بأنه "علم صياغة أشكال المرئيات" يقول: "التشكيلي في فهمنا هو كل من يعمل في مجال صياغة أشكال المرئيات، ابتداء من صانعي المراكيب (لن أقدم أي مؤاخذة)، وتتسع الكلمة لتشمل السمكري، مصمم الأزياء، النجار، المعماري، المشّاطة، الكوافير ... إلى آخر ما يمكن أن يتسع له خيال القارىء من العاملين في صياغة الأشكال المرئية أو أشكال المرئيات." ولكن ألا ينطوي ذلك على خلط بين الفنان التشكيلي والحِرَفي؟ يقول بولا في الردّ على هذا الاعتراض: "الفنان عموما، وحسب فهمنا، هو الخلّاق في أي مجال (أكرر في أي مجال). وهو بالنتيجة، الخلاق فيما يتعلق بالتشكيل. ولهذا السبب بالذات لزم التنويه والتمييز بين فنان تشكيلي وحرفي تشكيلي. فسواء كان التشكيلي ترزيا أو صانع سجاد أو بروش أو رسام، فإن حكم القيمة يتجه إلى قدرته على الخلق ... " (بداية مشهد مصرع الإنسان الممتاز، ص 26). وفي كل هذا ينطلق بولا من رفض فكرة "الامتياز الطبيعي" والدفاع عن قناعة أن "كل إنسان هو مشروع لمبدع كامن" والعمل على رد الاعتبار للفنون الشعبية ولمن يمارسونها. لا شك أن تعريف الفن التشكيلي سيظلّ مثار خلاف مثلما هو الحال في تعريف الكثير من المفاهيم الأخرى، وفضيلة ما فعله بولا هو أن طرح بتعريفه تحديا جديدا للمفاهيم السائدة المستقرّة وأسهم في إثراء النقاش وإمعان النظر في طبيعة الفن التشكيلي ودوره.
كان بولا يحلم بالتقاعد ليكمل وينجز الكثير من المشاريع المعلّقة والجديدة. كان دائم التفكير في مشاريعه المستقبلية على مستوى الإنتاج التشكيلي ومستوى البحث والكتابة ومهموما بها. لا تتحدّث معه إلا ويحدثك عنها ويسهب في الحديث. وشاء حظ بولا وهو على وشك التحرّر من أسر دُولاب عجلة العمل وطحنها أن ينطلق سهم المرض لينغرس في المخ فتبدأ الخلايا في الضمور وتبدأ الذاكرة في التراجع وتغرب شمس ذلك الغد الذي كان يرنو إليه لتختفي رويدا رويدا خلف أفق بعيد، ساحق البعد.
كان بولا ناقدا دائم التساؤل والنقد، لا يفتر من الفحص النقدي وتعقب خطوة النقد عنده خطوة نقد النقد. لم تكن تلك المسافة النقدية بينه وبين مواضيع نقده فحسب وإنما كانت أيضا بينه وبين نفسه، بينه وبين ما يكتب. ولهذا ظلّ حسب تعبيره على "سوء ظن مقيم بكتاباته". ولو امتدّ العمر به فإنه في الغالب الأعم كان سيفعل ما ظلّ يفعله طيلة حياته — كان سيبدع ثم ينتقد لأنه سيرى فيما أبدعه عيبا أو صدعا أو شرخا أو شائبة هنا أو هناك، ثم سيبدع ثم ينتقد لتتواصل عنده رحلة الصعود والهبوط والبسط والقبض. ولهذا السبب فإن وازع بولا الشخصي كان في الغالب يصدّه ويثنيه عن إعادة طباعة ما كتب لأن المسافة النقدية ربما تجعله غير راض عن شيء مما كتب. ولحسن حظ الحريصين منّا على تراث بولا منذ السبعينيات والذين يجدون فيه زادا ثريا لتحريض الفكر وتقليب المسائل سواء اتفقنا معه أو اختلفنا فإن رفيقة دربه الطويل نجاة محمد على، تلك المرأة الصلبة ذات العقل الراجح والحب الكبير والعزيمة والصبر، آلت على نفسها أن تقوم بتحرير كتاباته. وهكذا سيكون لصوت بولا في نجاةٍ نجاةٌ ليصبح حاضرا بيننا باستمرار.
لقد فقدنا برحيل بولا فنانا تشكيليا وضع لنفسه مقياسا سامقا لأنه آمن أن "الرسام الفنان هو الرسام الخلاق الذي يضيف لتاريخ الرسم إضافة خلاقة"، فقدنا أفضل ناقد للثقافة السودانية، وفقدنا مثقفا ممتازا — ليس "ممتازا" بذلك المعنى السلبي الذي كان بولا حربا عليه عندما يصبح تفجير قدرات وطاقات الخلق والإبداع وصناعة المعرفة وسيلة من وسائل التسيّد والقهر، وإنما بالمعنى الإيجابي الذي يجعل مثل هذا التفجير عملية تحرّر ذاتي ومساهمة فعّالة في تحرير الآخرين.

محمد محمود أستاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ومدير مركز الدراسات النقدية للأديان.
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 486

خدمات المحتوى


2
2

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة