المقالات
السياسة
أيدلوجيا الدين والأخلاق
أيدلوجيا الدين والأخلاق
12-25-2018 10:09 PM



صَدَى عصور الظلام وتجارة صُكوك العفو والغفران
قبل حوالي قرن من تاريخ إنهيار الإمبراطور الرومانية في عام 476 م، أعلن الإمبراطور قسطنطين الأكبر، أن المسيحية هي الدينُ الرسْمِيُّ والأوحد للدولة كجزء من الإصلاحات التي كان يقوم بها لمعالجة التصدع السياسي والترهل الإداري الذي بدأ يهدد بقاء إمبراطوريته الشاسعة الأرجاء. فقد كانت دولة الأقلية، الأُرستقراطية، المُتَسلِّطة، القائمة منذ خمسة قرون ونيف، تحسب أُخْريات خطو سيرها نحو نهايتها المحتومة. في تلك الأثناء، أخذت مؤسسات الكنسية الدينية والإدارية، الشابة والطموحة، تَحِلُ مَحلَّ الفراغ المتزايد الذي خلفته السلطة المدنية،المنهكة والشائخة. (1).
إعتمدت المؤسسات السياسية والدينية، لدول ما بعد عصر الإقطاع الروماني، علي مزيج من التَسبيب الديني والاقتصادي- الإجتماعي لتبرير سيطرتها المركزية، الأوتوقراطية، المتصاعدة. وفي ذلك إستغلت الكنيسة الحَوْجة الماسة للممالك والأمارات الضعيفة، المكشوفة الظهر، للشرعية الجماهيرية لتمرير رؤيتها الدينية في إدارة مؤسسات الدولة المدنية. ولذك، مثلت "عقيدة الحق الإلهي في السلطة" تبريراً مناسباً لتشكيل تحالف، غير مقدس، بين دول النظام القائم حين ذاك والكنيسة؛ كما كرَّس وشرَّع لذلك القديس-الرسول، بولس، بقولهِ "لِتَخضَعُ كُلُّ نَفْسٍ إِلى الْقُوَّةِ الْعَظِيمَةِ ، لأَنَّهُ لَيْسَ هناك قُوَّةٌ إِلاَّ قُوَّةٌ اللهِ؛ ربُّ السُموَّاتٌ وألأرضِ. فًإِنَّ كُلُ من يرفض مشيئة اللهِ فهو مَلعونٌ أثيمٌ"- (13،{KJV}). وإلي ذلك أضف تبرير الكاهن الإيطالي، توماس أكويناس، تدخل الكنيسة في الدولة العلمانية لمجرد التسليم بحكم صلاحها وورعها الديني. (2).
تَدَخُل رجال الدين المتزايد في الحياة السياسية والمدنية جعل من المستحيل التَمْيِيز بين الخطوط الفاصلة بين سلطة الدولة والدين. ففي خضم مزيج الدين والسياسة، كان بطريرك مدينة القسطنطينية هو نفس رئيس الدولة اليونانية. مالارياس الثالث، رئيس الدولة القبرصية، كان، أيضاً، كبير الأساقفة. أما البرلمان الإنكليزي، العريق، فقد كانت أكثر الفئات فيه تمثيلاً تتكون من رجال الدين، تليها فئة النبلاء، وفي الأخر تأتي فئة العموم التي تشمل ما تبقي من طبقات المجتمع. علاوة على ذلك، فإن لجنة الكنسية، في ذات البرلمان العريق، كانت تَبصمُ وهي مُغمِضة العينين علي المشاريع القانونية للمجلس الكنسي. ولاحرج، فقد أعتلي القساوسة منصات العدالة وفصلوا في القضايا الدنيوية من سرقات بسيطة إلي قضايا الإغتصاب والقتل وأصدروا أحكاماً تراوح بين الجلد والسجن وعقوبة الإعدام (2)..
علي الرغم من قلة عدد رجال الدين، المفعمة نفوسهم بحياة التأمل البساطة، فقد سيطروا علي مقاليد السلطتين، الأنيُّ منها والمؤجل. ففي ربوع الدولة الناشئة، الدينية، الشمولية، تربعت الصفوة من رجال دين علي قمة هرم التَسَلسُل الإجتماعي الذي كان يحتكره الملوك والأمراء. ففي مجتمع سيادة المال وهيبة الصولجان لم يدفع أثرياء الدين ونبلاء القوم أيَّة قدر من الإتاوات والضرائب، ولكن الكادحين والفقراء من من عامة الناس. أما عند سفح الهرم العريض فقد تناثرت حارات العمال والعاطلين عن العمل والعبيد السابقين وهي تنظر بعين الغبينة والحسد لطبقة النخبة المُترفة من رجال الدين والسياسية. فحتي هذا التباين الطبقي الصارخ، المعزول عن الواقع، وجد تبريره في مقولة مارتن لوثر، الإصلاحي، اللاهوتي، الثائر: "لا يمكن أن توجد مملكة دنيوية بدون عدم المساواة الإجتماعية. فالبعض يجب أن يكونوا أحراراً؛ والبعض أقناناً؛ والبعض حُكَّاماً من خلفهم أتباعاً (1)". ومن طبع الكلام يُفهم أن قِيَم العدل والإنصاف لا مكان لها إلا في سماء مملكة النقاء والطهر المؤبد.
بدأ الصراع يحتد داخل الكنيسة الكاثوليكية بتمرد فلاسفة اللاهوت: جون ويكليف، القس الإنجليزي؛ يان هوس، القس التشيكي، البوهيمي؛ جيرولامو سافونارولا، القس الإيطالي و ديزاديوس إيراسماس، القس الهولندي. في ذلك، أعترض الأستاذ بجامعة أكسفورد، جون ويكليف، علي ممارسات عقيدة الإنغماس والتَبَتُّلْ. أما الكاهن التشيكي، جان هوس، فقد أقتفي أثر خطى ويكليف في حياته وبعد مماته. وجميعهم، بخروجهم عن الصمت المألوف والسائد، عارضوا، وبشكل واضح وصريح، عقيدة "مزايا القديسين" وشعائر وممارسات بيع ‘صكوك العفو والغفران’ على أساس أنه ليس لها أي مرجع أو أساس في نصوص الكتاب المقدس. وبدلا عن ذلك، فقد جادلوا في صالح عقيدة "وحدة الإيمان" حيث يعفوا الله عن الخاطئ، مباشرة ، على أساس ورعه وإيمانه، لا غير. إستغرق الأمر ثلاث سنوات طويلة حتي أصدر المجلس الكنسي ل-‘كنستانس’ إدانتة للقس البوهيمي المتمرد، يان هوس، ومَنْحِهِ نهاية دنيوية، مأساوية، عن طريق حرقه، حيا، حتي الموت. وبعد ما يقارب عقد من الزمان تم نبش جُثّة معاصرهِ البريطاني، جون ويكليف، وحرقها بعد أن شبعت فناءً وموتاً لمجرد التأكد من عبورها لجحيم حياة - ثالثة، خاطئة - أثيمة. فمن خلال ذلك الفعل القاتم والظليم إعتزمت الكنيسة إعادة تأكيد سلطتها الدينية العضوضة وإحكام قبضتها على الأفق الاجتماعي والسياسي لأوروبا العصور الوسطي. (3).
تُمَيُّزُ تعاليم الديانات الإبراهيمية بين نوعين من الخطايا: ‘الفجور’ الذي لا يجوز فيه إلا العفو الإلهي في الحياة الآخرة، و‘الفسوق’ الذي يمكن فيه العفو الزماني، ولكن بعد الخضوع لشعيرة التَحَلُّل والتَطَهُّر. في الممارسات التقليدية للعقيدة المسيحية يتم الحصول علي العفو الزماني من خلال ممارسة شعائر عقيدة "سر التوبة والمصالحة" التي تقول: "أي شخص يتم إستبعاده من مجتمع الكنيسة سيكون مستبعداً كذلك من عبادة التقرب إلي الله. وأي شخص سيتم قبوله في مجتمع الكنيسة، فإن الله سوف يرحب به مرة أخرى"؛ (ملخص تعاليم الكتاب المقدس رقم 1445، ص744)؛(1). أما صكوك العفو والغفران، في علم اللاهوت الكاثوليكي-الروماني، فهي تَمثُّلُ إعادة تفسير عقيدة "سر التوبة والمصالحة" لتبرير القيمة المادية التي تتحصل عليها الكنيسة في مقابل التخلص من مسؤولية الذنب الزماني والحساب والعقاب الإلهي، النهائي. أما تقدير مقدار خطيئة طالب العفو والغفران فمن المفترض أن يكون جاهزاً في وصفته العقائدية، وذلك علي الرغم من إستحالة توصيف الأحكام في جوهر خواص الضمير والأخلاق. أضف إلي ذلك، أنه لم يكن في البال والحسبان أن يكون من إختصاص صكوك العفو الضمان المُقدَّم عن الخطايا التي لم تزل في علم الغيب أو أن يتم الخلاص فيها بالإنابة عن نفس أكملت عبورها إلي رحاب بارئها وغافُر فُجور ذنبها وأخطاءها.
بعد كل هذا التعقيد في فهم وتفسير "عقيدة التحلل"، فهي تمثل في جوهرها عملية تطهير الروح، الصاعدة إلى السماء، من ذنوبها الدنيوية، وذلك من خلال مرورها ب ‘المنزلة - بين - المنزلتين’ التي توجد بين لحظة الموت المباشرة والعبور النهائي إلى الحياة-الآخرة. فهكذا، في حالة الوجود الثالث - العابر، تتم عملية التطهير والتقديس الضرورية لحياة النعيم الأبدي التي تتطلب، ليس فقط التخلص من رِجْسِ عمل السوء والشيطان، ولكن، أيضا، من كل آثار فعله الضارّة بالضمير والأخلاق. أما عقيدة مزايا القديسين فهي عملية التبرير العقائدي والفعل الشعائري التي من خلالها يصير الشخص المُتَوَفى قديسا-أي الحالة التي تُخَول لروحه حق الإكرام والتبجيل وتضمن لها مكاناً مع الأنقياء والصالحين في ما بعد الحياة الدنيا. ففي الأصل والمبتدأ، كان يتم منح مرتبة القداسة لما عُرِّف بالشهيد، وفقط. والشهيد، في تعريفه اللاهوتي، هو الشخص الذي ضحي بروحه مقابل التمسك بدينة، أو رفضه التنازل عنه، تحت وطأة التهديد والإكراه. وهكذا، تمثل الشهادة أقصي درجات الإيمان والتفاني من أجل الدين والعقيدة والإستعداد اللامتناهي في التضحية بالنفس والنفيس.
مع تزايد إحكام قبضة الكنيسة علي شئون الدين والدنيا وتداخل المقدس بالزماني، ظهرت الحوجة لإعادة تعريف معايير عقيدة صكوك العفو والغفران حتي تكون أداة طيعة لتحقيق الثراء المادي ورافعة مؤثرة في تبرير الخطاب السُلطَوي، الديني والسياسي. فقد إتسع حق مزايا القديسين ليشمل إمتياز بيع صكوك الغفران لمن أناب عن من قضي نحبه من قبل أن يكمل تخليص روحه من شرور فعله ويضمن له مكانا في النعيم الخالد. فعلى طول مسار الإنحدار الأخلاقي والإجتماعي والإقتصادي في أوروبا القرون الوسطي، أستغل رجال الدين حوجة الناس للخلاص والغفران لتحقيق حاجاتهم ومصالحهم الأنية. فلم يكن كافياً للبابا سيكستوس الرابع أن يبيع صكوك العفو في الحياة الدنيا، وكفي، ولكنه قام بتمديد بيعها في ما بعد الممات لأولئك الذين يريدون أن يجتمعوا مع من يحبون في الحياة الأخرة. وأيضا، كانت هناك تذاكر العفو المفتوحة، الغير مشروطة، والقادرة على محو كل أنواع الخطايا. بالإضافة للتذاكر الجزئية، المشروطة، التي تغفر عن بعض الذنوب وتترك الباقي عبءً علي يسار كتف حاملها لمثواه الأخير. وكذلك تم تمديد صلاحية صكوك الغفران لآلاف السنين حتي تكون قادرة علي محو الذنوب والخطايا في الحياتين الأولي والأخرة، وعلي حد سواء. غزوات السبي والغنائم؛ حروب العقيدة والدين؛ الحملات الصليبية؛ مباني الكاتدرائيات البهية؛ حياة القساوسة والملوك والأمراء الباذخة، كلها، دفعت جُلِّ أو بعض تكاليفها الباهظة من الأموال التي جُمعت باسم رحمة وكرم عطاء الإله المسيح. وما إنشاء مكتب التحقيق المالي، الذي إشتهر بكنية ‘محامي الشيطان’، في حينها، إلا دليل وشهيد على تفشي ظاهرة الجشع والفساد في جنبات بيوت الله وفي جوانح نفوس حراس حرم طهره ونقاءه. (4).
علي كل حال أدت عوامل التحلل الداخلي للكنيسة، بالإضافة للعوامل الاجتماعية والسياسية الأوسع نطاقا، إلى الانشقاق الكاثوليكي الثاني وما تلا ذلك من صعود حركة الإصلاح البروتستانتي. فقد رفض مارتن لوثر في أطروحاته الخمسة والتسعين ممارسة بيع صكوك العفو والغفران بإعتبارها قيمة غير مسيحية. وذهب أبعد من ذلك ليتحدى الكنيسة في ممارستها لعقيدة التحلل ومزايا القديسين وليختتم في أطروحته الأخيرة بقوله، "الشيء الوحيد الذي يضمنه بيع صكوك الغفران، هو المزيد من التهافت والجشع لجمع المال، لأن عفو الكنيسة يكمن في قوة الله وحده"(1). في النهاية فشل نص الدين المتعالي، ليس فقط في تبرير أسباب صعوبة ومشاق الحياة، ولكن، أيضا، في بعث روح الأمل في الخلاص والعفو السَماويُّ. أضف إلي ذلك أن إحتكار الكنيسة لقيم الدين في العقاب والثواب مَهَّد لِحُراس فضيلتها طريق الثروة والسلطة في الوقت الذي ترك فيه رجل الشارع العادي يصارع من أجل البقاء، ناهيك دفع ثمن الفاتورة المكلفة لخلاص روحه المعذبة.
لم تكن ظروف انفجار قنبلة مزيج خليط السياسية والدين، المؤقتة، أكثر ملائمة. فعاجلاً؛ في خضم لامتناهية متناقضة الدين والدولة إنكشف الغطاء وتلاشئت هالة القداسة والورع من فوق سماء مَسَلّات الكنائس وأبراج قلاع الملوك والأمراء. الحروب الصليبية المدمرة؛ الصراع في شبه جزيرة أيبيريا، الحرب ضد العثمانيين؛ وباء الموت الأسود؛ المجاعة الكبرى، الإنشقاق البابوي والاضطرابات الاجتماعية الملتهبة، كلها تكالبت لتنزع ورقة التوت الأخيرة من فوق عورة دولة القداسة والفساد.
جروح للذاكرة الجمعية العميقة لم تندمل بعد. رائحة رماد جثة الكاهن الصربي، يان هوس، والإنكليزي، وجون ويكليف، لم تزل عالقة في في هواء الربيع الأوروبي البارد. فشلت وعود السياسة في تخفيف مشاق الحياة ومعاناتها وأماطت التحديات الفكرية لعصر النهضة والحداثة اللثام عن إفلاس الكنيسة الأخلاقي وغربتها عن حياة الناس العاديين. أسدل التدهور الإقتصادي والتفسخ السياسي والإجتماعي بستار كثيف من البؤس والمعاناة علي فضاء مجتمعات أوروبا القرون الوسطي. وفي غضون ذلك أخذت حركة المد القومي-الشعوبي في ملء الفراغ الناشئ عن غياب الإنسجام الديني والشعور بالوحدة الوطنية. وفي نهاية المطاف رجحت كفة توازن القوى لصالح العملية السياسية، المدنية، التي مهدت لفصل ما هو ديني، مقدس ومتناهي، وما هو سياسي، زماني ومتغير.
فِقْه التَحَلُّل وفساد الأخلاق في دولة الإسلام السياسي في السودان
تَقرأ المادة الثالثة عشر من قانون التحلّل، في جمهورية السودان، أن "يجوز لكل شخص أثرى ثراءً حراماً أو مشبوهاً أو ساعد في الحصول عليه أن يُحلِل نفسه أو زوجه أو أولاده القصّر، في أي مرحلة قبل فتح الدعوى الجنائية ضده (4)." وتجب الإشارة هنا لفقرة "…في أي مرحلة قبل فتح الدعوى الجنائية ضده"، ولذلك لتمثيلها لمغالطة الفهم والتبرير التي عاني منها النص القانوني، والتي نحن بصدد التعرض لها بالنقد والتحليل.
بمقاربة تحامل عقائدي لمفهوم النص أعلاه أعلاه، يكون التحلل من خطيئة (جريمة) سرقة المال العام يتم بالأصالة عن النفس أو بالإنابة عن الزوج والأولاد القصر ويقود، في النهاية، إلي أهلية الحصول علي غفران الأخرة وتفادي العقاب الأني، الدنيوي، المباشر. أما الأية القرانية: "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا؛ (المائدة؛ 38)"، فتشير بوضوح لوجوب قطع يد السارق والسارقة من دون التمييز بين ما هو مال عام أوخاص. وبهذا الفهم والتفسير، أيضا، يساوي المذهب المالكي بين سرقة المال الخاص والعام. ولكن، يَحْتَجُ أغلب الفقهاء علي عدم قطع يد سارق المال العام بالحديث النبوي "أدرؤوا الحدود بالشبهات". والشبهة في سرقة المال العام هو نصيب السارق، كفرد من عامة الناس، في المال المسروق.على كلٍ، في حكم التفسير والتأويل والإفتاء، يبقي فقه التحلل محل سوء فهم ومثار جدل كثيف ومعقد.
الملازم شرطة، غسان عبد الرحمن، الموظف بمكتب والي الخرطوم السابق، د. عبد الرحمن الخضر، القيادي الإسلامي المعروف، إستولي علي ما قيمته سبعة عشر مليون جنيه سوداني تحصل عليها من بيع أراضي الولاية بدون وجه حق (5). قضت لجنة التحقيق التي شكلت من أجل التحقيق في الجريمة بالعفو عنه عملا بمادة التحلل المذكورة أعلاه، علي الرغم من أن إعتراف الجاني لم يكن بحكم إخلاص إيمانه أوتحسبا من عقاب مؤجل - لاحق، ولكن، لقسر وخوف من عقاب ماثل - أني. فاِرْجاع المال المسروق، بعد التحقق من حتمية حدوث العقاب، لم يتم أصالة عن النفس الأمارة بالسوء أو لصحوة الضمير الغافي، وإنما حرصا علي قيمة الحرية وضرورتها للتمتع بنعيمٍ زائل.
في نفس سياق قضية الملازم شرطة، غسان عبد الرحمن، أفتى الشيخ عبد الحي يوسف بعدم جواز التحلل الذي نص عليه قانون الثراء الحرام والمشبوه وأعتبره مدعاةٌ تشجع علي سرقة المال العام. وقال في ذلك، "إن ما يشاع عن فقه التحلل إنما هو في حق من تاب من قبل أن يعرف ويقبض عليه فيرد المال من غير أن يفضح نفسه." وتابع ليقول: "أما من ثبتت عليه الجريمة فلا يوجد في حقه تحلل، والتحلل في حقه إنما هو إعانة لغيره على السرقة، فإن كُشِفَ تَحَلَّل وإن لم يعرف تمتع بماله وهو ما لا يقول به أحد من أهل العلم." وذهب الشيخ عبد الحي أبعد من ذلك ليقول، "أن التحلل لا أصل له في الدين…وأن تجد أحدهم يأكل المال العام ثم يحج ويتصدق ويتكبر عن النصيحة ويعتقد أنه يعمل صالحا". وأضاف، "وكأننا نقول للناس اسرقوا واختلسوا فإن لم يعلم بكم أحد فهو حلالا لكم وأن علم بكم وانكشفتم ردوا ما أخذتم وانتم أحرار في أمن وأمان حتى تتحينوا فرصة أخرى". إسْتَدل شيخ عبد الحي يوسف في حكمه الفقهي ذلك بالآية القرآنية التي تقول: "ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة" (6).
أما الأستاذ نبيل أديب، المحامي والخبير القانوني، الغني عن التعريف، فقد أقر في حديثه لـصحيفة "الصيحة" السودانية بجواز الاتفاق على حل في قضايا التعدِّ على المال العام، ولكنه شدّد علي تطبيق العقوبة كاملة حسب ما يترتب علي ذلك من توازن في الحق العام والخاص (6). فالتسوية، بتفسير أستاذ أديب لمفهوم التحلل، مقبولة، ولكن، بشرط عدم الإفلات من العقاب، بالإضافة لإرجاع المال، كاملا، في أصله، وما ترتب عليه من تكسب غير مشروع؛ لأن الجرائم المتعلقة بالحق العام لا تسقط بالعفو أوالتنازلً. وإذا أصاب فهمنا لقصد أستاذ نبيل، ينحصر مفهوم التحلل، الوارد في نص قانون الثراء الحرام، في قيمته الروحية اللاحقة، وليس كحيلة لتفادي الجزاء القانوني الأني. فالعقاب، هنا، ضروري لتشذيب وتهذيب أخلاق الضمير المجرد في الزمان والمكان. أما قرار الخضوع للضمير الشخصي والإعتراف بالخطيئة وإعادة المال الذي تم الحصول عليه بالسرقة أو النصب أو الإحتيال، فهو متروك لتقدير ضمير حكم أخلاق لمن يرغب في ذلك، ومن منطلق حرِ إرادتهِ.
بالرجوع للمقدمة أعلاه، قد يكون مقدار الإختلاف واضحا بين مفهوم التحلل في لاهوت الديانة المسيحية، الذي يوجد ما بين لحظة الموت المباشر والعبور النهائي للحياة الأخري، ومفهوم التحلل في عقل الإسلام السياسي التي يأخذ حيزه في الحياة الأولي، من غير الحوجة لحالة وجودية ثالثة-عابرة. أما إذا أخذنا في إعتبارنا أن إرجاع المال العام المسروق قد تم بِحُرِ إختيار وإرادة الجاني تفاديا للعقاب المباشر، يكون الفرق بين فقه التحلل في الإسلام وفقه صكوك العفو والغفران المسيحية، قد إنحصر في قيمته الزمانية المحددة والمباشرة. ففقه التحلل، في عقل الإسلام السياسي يتعامل مع فعل الأخلاق ونقيضه في زمانه الفعلي، ولكن بإنتقائية وإنتهازية الأحكام فيه، بخلاف فِقه التحلل في لاهوت المسيح الذي يحتاج لخلق حالة وجودية ثالثة؛ لاهي بحياة تنبض عروقها ولا موت محقق إنطفأ بريقُ عينيهِ، وذلك لمجرد تبرير التكالب علي الدنيا ومحاسن مزاياها.
ما سبق، يعبر عن فهمنا لحكم القانون الوضعي والتفسير الديني لجريمة سرقة المال العام، أما علي مستوي العلاقة بين الدين والأخلاق، يبدو لنا أن عقيدة التحلل، بمفهومها الأيديولوجي، تفترض أصل صَلاح ضمير المسلم، المؤمن. أي أن الإيمان، وحده، يكون شرطا كافيا لصلاح حكم ألأخلاق والضمير ووقتما شاء وقرر الشخص المعني بذلك. بهذا الإفتراض والمقدمة، ينتفي صلاح ضمير كل الأخرين، غير المسلمين، كُفُّاراً كانوا، لادينيون، أو أصاحب كتاب مؤلفة قلوبهم. ولاكن، في واقع الحياة وصيرورة المجتمعات والثقافات تنتفي أحادية المعتقد ومع ذلك يغيب شرط العدالة الذي لا يستوي بتجاهل تعدد إتجاهات الضمير والرأي والإيمان.
حري عن القول أن الإنابة في الأحكام تتعارض مع مبدأ المسؤولية الأخلاقية التي تؤسس علي مبدأ الضمير الشخصي. فلا علي مستوي الدين أو الأعراف تجوز الإنابة في جريرة الفعل المشين: "أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى؛ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى؛ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى؛ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى"، (النجم: 33 – 41). بهذاك إستشهاد، يكون التحلل من الخطيئة قيمة عقائدية يحكمها الضمير الفردي، ولذلك لا تستقيم فيها الإنابة عن ضمير الأخر، الراشد، بالضرورة والكفاية. أما تعريف القاصر، الذي تجب الإنابة عنه في مسؤولياته الأخلاقية، فهو تقدير ظرفي وعقلاني أكثر من كونه قيمة عقائدية زمنية، ثابتة، ناهيك عن تجاهل إفتراض براءة الإنسان في صغره وعِزِّ طفولته. فعلي سبيل المثال، مبدأ ’قليك‘ في القانون الإنكليزي يُحَدِد المسؤولية الأخلاقية للقاصر حسب نضوجه الذهني بدلا من تحديد ذلك من خلال عمره الزماني. المقاربة المنطقية لمفهوم مبدأ ’قليك‘ هي التي يكون فيها الفرد قادراً علي فهم وإستيعاب المعلومات وما يترتب علي ذلك من آثار علي شخصه وعلي أولئك الذين من حوله ثم القدرة علي إرجاعها لأصل عللها في الواقع المعاش، وذلك بغض النظر عن عمر أو جنس أو ودين الفرد المعني بذلك. فالنضوج الذهني ليس بالضرورة أن يكون علي حساب النوع أو النضوج الحيوي؛ ولكن تتفاوت درجاته بتفاوت درجات التعرض لعوامل المعرفة في المجتمع و البيئة والمحيطة.مشكلة تبرير وتأويل النصوص المقدسة تكمن في مفاهيم إطلاق خواص الإله ومسلمات عالم ما وراء الطبيعة التي تتعارض مع حقيقة القيم والمثل الإجتماعية المحملة بعدم اليقين وعوامل التغيير. ولهذا التعقيد المُتَجزِّر في بديهيات المنطق والتفكير، إنتهى بوب فرانسيس ليواجه مَجَاز الوجود العقائدي المسيحي، المُكبَّل بقيود التحريم والعقاب ونهاياته المأساوية في الجحيم والعذاب الأبدي، بمتناهية الرحمة والتسامح الرباني وزمانية الأحكام والأخلاق؛ وليقول في ذلك: "الكنيسة لم تَعدْ تؤمِنُ بالمعني الحرفي للجحيم حيث يُعاني ويُعذب الناس. هذا المذهب يتنافى مع مبدأ متناهية الحب أللإلهي. فالله ليس قاضيا، ولكنه صديق ومحب للإنسانية؛ يسعى لاحتضان ومعانقة البشرية وليس إتهامها أوتجريمها. فمثل أسطورة آدم وحواء، نحن نرى قصة الجحيم كأداة تأديب مجازية. فالجحيم هو مجرد كناية عن النفس المعذبة، المعزولة، التي في نهاية المطاف، ومثل جميع النفوس، سيتم توحيدها في الحب مع الله. وجميع الأديان صحيحة، لأنها كذلك في قلوب كل الذين يؤمنون بها. في الماضي، كانت الكنيسة قاسية على كل الذين إعتبرتهم مذنبون وخطاؤون من الناحية الأخلاقية. اليوم نحن، لا نطلق الأحكام جزافاً؛ لا ندين أطفالنا علي براءتهم؛ كنيستنا رحبة بما يكفي؛ للمثليين وللغير المثليين جنسيا؛ المؤيدون للحياة و لخيارات الأخرين الحرة؛ للمحافظين والليبراليين، وحتى الشيوعيين هم موضع ترحيب من قبل الكنيسة. نحن جميعا نحب ونعبد نفس الرب وا؟لإله." (7)؛ (8).

مصادر ومراجع @ https://www.facebook.com/notes/osman...6740272744178/

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 543

خدمات المحتوى


عثمان عابدين
عثمان عابدين

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة