المقالات
السياسة
والنهر يطفح بالضحايا بالدماء القانية
والنهر يطفح بالضحايا بالدماء القانية
12-30-2018 10:37 PM



ديسمبريات (1)
البشير إذا عَلِف
وفي الحديث عَرَضاً عن بعض فصائل الحيوانات العاشبة/العالِفة فإن فرس النهر أو القرنتية كما نعرفها تلتهم في كل ليلة نحو 150 رطلا من النباتات، وأنها قد تقتات أحيانا على الجيفة الملقاة على شاطئ النهر. وعلى غرارها يعلف الفيل ما يصل إلى 200 كيلوجرام من الأعشاب كل يوم. ما المناسبة؟
لا أشك في أن الكثيرين من قراء هذا التعليق قد هالهم ما رأوا في الشهية العارمة التي كان يعلف بها "رخامة الرئيس" الطعام في مقطع الفيديو ذاك الذي تداولته الأسافير في اليوم التالي لسقوط عدد من شهداء الانتفاضة البواسل، وفي مقدمتهم الطفل شوقي الصادق زهرة الجزيرة أبا ونوّارتها القانية. فلولا صخب الخلفية الموسيقية وصياح الفنان في ذلك الحفل بمقطع "الصيد... العوام يا ناس" لسمعنا الموسيقى التصويرية الصاخبة الصادرة عن فم الرئيس وهو يلوك الطعام بذلك النهم والهِمَّة والطريقة المقزّزة. لكنا سمعنا خرخشةً وقرقشةً وقرمشةً وربما تخللها أيضا ريحٌ وصفيرٌ بينَ بين. "الصيد العوام يا زول" والرئيس يكوضم وكأنه لم يذق الطعام من قبل، وشعبه جائع ودماء شهداء الأمس لم تزل حارة نازفة تحرق الحشا والقلوب. الحرائق، المدائن مقلوبةٌ عن بكرة أمها وأبيها رأسا على عقب، والشوارع تهدر بالهتاف وبالنشيد داعية إياك بالرحيل يا رخامة الرئيس .
التاتشرات، المواتر، وعربات الأمن تجوب شوارع المدن وأزقتها وحواريها تروّع السكان وتنزع الأمن والطمأنينة حتى عن أفئدة الأطفال الرُضَّع والعجزة من النساء والرجال. القنّاصة القتلة على رؤوس المباني فوق جموع المتظاهرين السلميين، وبنادق فُرق أفاعي الإسلاميين مصوّبة على رؤوس النساء والأطفال والشباب.
ويا ريّس المركب غرقان! قلت لنفسي إن كان مكانه قبطان سفينة غارقة -دعك عن كونه رئيسا لبلد بحاله- هل كان سيبذل كل ما بوسعه لإنقاذ زملائه وركابه من السفينة الغارقة أم أنه سيندفع مهرولاً في تلك الساعة الحاسمة إلى كابينة الطعام ليلتهم كل ما تبقّى فيها من زاد وشراب؟
وحين رأيت عين الرئيس زائغة في الفيديو وجسمه مائل بثقله كله من الصحن الذي أمامه وفمه ما زال يغُصُّ بالطعام، إلى طبق الحلويات الذي كان في طريقه إليه من يد المضيف، ردَّدتُ على لسان المجذوب قولته: فزماني ولِعٌ بالمنكر. وسهوت بعيدا بعيدا بخيالي عن ذلك الشريط وتراءت لي صور شتى متداخلة متزاحمة لعين الرئيس وهي زائغة بالطريقة ذاتها من شيك إيرادات النفط الملياري الذي سيورّده إلى حسابه الشخصي، إلى شيك إيرادات الذهب الممدود إليه بأرقامه التي لا تُعَد ولا تحصى، ومنه إلى شيكات إيرادات الماشية والضرائب والجبايات، وصولا إلى شيك رسوم النفايات المفروضة على مواطنيه الفقراء الجائعين. قلت يا لهوي... أيكون الرئيس قد علف البلد كله والتهم الأخضر واليابس من موارده الاقتصادية بذات الطريقة التي يعلف بها الطعام كما يبدو في هذا الحفل؟ الفيل مسكين والقرنتية مسكينة والله لأنهما لا يعلفان سوى الأعشاب والنباتات وإن ثقل وزنها. أما البشر من ذوي الجلد التخين وقساة القلوب الحجر فهؤلاء يعلفون دماء شعوبهم نفسها ثم لا يجدون حرجا من لوكها والتلذذ بها على خلفية موسيقى وأنغام "الصيد ... العوام يازول".
وعلى أمثال هؤلاء تدعو حبوباتنا العطوفات الحنونات بقولهن "تاكل الحِمِت رِمِت انشاء الله".
ويدعو عليهم شاعرنا محمد الحسن سالم حميد:
يا بلدي المُعمَّر بالعشَم من سفَّ خيرنا يكبُّو مِح
وإنشاء الله لا فاق لا نصِح
حَلَّة ميز الضباط
وتعود بي خاطرة من يأكل ويترك شعبه جائعاً لاهثاً وراء لقمة العيش، إلى باكر عهد الإنقاذ، يوم أن غيروا أسماء الشوارع والأزقة والمدارس في الأحياء فجأة إلى أسماء شخصيات من صحراء نجد، وفرضوا على أصحاب المحال التجارية طلاء اللونين الأبيض والأخضر لأن بضاعة طلاء أحد منسوبي حزبهم من هذين اللونين كانت قد كسدت في السوق. في أيام هياج يوسف عبد الفتاح تلك حكى لي أحد أقربائي في الجيش قصة عن البشير قبل أن يصبح رئيسا للمجلس العسكري للانقلاب.
وتتلخص القصة في أن عمر كان قد جاء ضيفا زائرا من إحدى الحاميات العسكرية في الجنوب إلى حامية في مدينة أخرى. وميز الضباط هو ميز الضباط كما في كل مكان حينها في ذلك الوقت. كان ساكنو البيت ساهرين يتآنسون ويحتسون عرقي البلح بينما يتابع أحدهم بين فينة وأخرى حلّتهم المشدودة على النار حتى لا يحترق ما بداخلها من لحم ضأن شهي ومرق. وفجأة نزل عليهم ضيفا عمر. كان منهكا وجائعا كما قيل. لم يتآنس معهم، لم يشاركهم شرب العرقي، وكان "شايلاه" نومة.
وفي غفلتهم تلك، ذهب إلى الحمّام ومنه يا للاكتشاف العظيم! لم يصدّق.
قيل إنه اختار صحنا كبيرا، مزق فيه العيش إربا إربا ثم "كفا" الحلة كلها فيه وهاك يا ضرب ورمرمة حتى أتى عليها كلها إلا من بقايا فتات وعظام تركها متناثرة هنا وهناك في صحراء ذلك الصحن الخالي. ثم ذهب إلى غرفة أخرى في الميز ونام.
شاكوش الطيب سيخة
وهذه أيضا تعود عهدتها إلى الراوي قريبي العسكري. قال إن الطيب ابراهيم محمد خير (سيخة) هو من قرر أصلا الزواج من وداد باكر بعد وفاة زوجها ابراهيم شمس الدين، وأنه توسّم خيرا في البشير ورأى أنه خير من يتقدم إلى أهلها عنه. فذهب البشير وفعل إلى أن جاءت اللحظة التي يُسمع فيها إلى رأي الخطيبة وموافقتها على الزوج. وما أن رأى البشير وداد، زاغت عينه عن صديقه وأخيه في الله والتنظيم والسلاح، فقرر أن يتقدم إليها بنفسه، فكان ما كان إلى يومنا نحن المؤمنين الزاهدين هذا.
قيل إن الطيب سيخة أمضى ليلته تلك كلها يشيل ويضرب في تلفون البشير حتى كلّ متنه ولما كلّ متنه كلّمه عمر في صباح اليوم التالي.
قال الطيب سيخة من الطرف الآخر على الهاتف: أها انشاء الله خير؟
قال البشير: والله يا الطيب أخوي.. أقول ليك شنو؟ موضوعك دا ما مشى والله.
طيارة الجماعة
أتذكرون قصة تلك الطائرة المروحية المتجهة إلى القضارف في شهر فبراير 2015؟ تعرضت الطائرة لحادث ولكن نجا جميع من فيها من الجماعة الكرام بمن فيهم حامد ممتاز الأمين السياسي لحزب المؤتمر الوطني.
ولكن النكتة، سواء حدثت فعلا أم من نسج الخيال الشعبي، أن أحد الناجين قد شوهد وهو يجري بحذاء واحد في رجله من الخُلعة وهو يعضُّ جلابيته في اتجاه عكس الطائرة. لهث عدد منهم وراءه حتى أوقفوه وتبسملوا له وهدأوا من روعه وهلعه. "انسوا قصة مالي أراك تكرهين الجنة دي أيها العملاء الخونة المخربون المندسون".
سأله أحدهم: مالك يا زول؟ الحاصل شنو وجاري لي وين
فردَّ عليهم قائلا: ماشي أحصّل المرة قبل ما يعقدوا عليها يكونوا قايلني استشهدت ولا حاجة.
ألا تبصرون يا عملاء الموساد وإسرائيل كيف تحكم بلادنا العين الزائغة المؤمنة؟





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 329

خدمات المحتوى


عبدالجبار عبدالله
عبدالجبار عبدالله

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة