المقالات
السياسة
انتفاضة 19 ديسمبر تدق أبواب القصر الجمهوري
انتفاضة 19 ديسمبر تدق أبواب القصر الجمهوري
12-31-2018 10:18 PM







خلصت دراسة أجرتها الباحثة الأمريكية إريكا جونيورث المتخصصة في حركات المقاومة إلى ان أي نظام سياسي خرج في مواجهته 3.5% من السكان يكون سقوطه شبه مؤكد ، شملت هذه الدراسة اكثر من 323 حركة مقاومة مدنية وعسكرية في الفترة من 1900 حتى 2006 وإذا حاولنا إجراء مقاربة لما يحدث في السودان للوصول للعدد الذي سيطيح بالنظام إذا خرج للشوارع - وفقا لتلك الدراسة - نجده حوالي 700 الف – 800 ألف نسمة في جميع بقاع السودان المختلفة إذا إعتبرنا أن العدد الحالي للسكان في السودان يتراوح بين 21 مليون و23 مليون نسمة باعتبار أن هناك حوالي 12 مليون سوداني يعيشون خارج السودان ، ولا شك أنه لا يمكن الان تحديد الأعداد التي خرجت في الشوارع بدقة شديد لكن المؤكد ان هذه الأعداد غير مسبوقة وهذا يدفعنا للمحاولة على الاجابة عن بعض الأسئلة المهمة وهي:

هل ستستمر المظاهرات في الشوارع أم ستتراجع؟
هل سيزيد عدد المتظاهرين في الشوارع أم سيتناقص ؟
متى وكيف تحقق هذه المظاهرات هدفها المعلن؟

للإجابة على السؤال الأول وهو هل ستستمر المظاهرات في الشوارع أم ستتراجع؟ نحتاج لمراجعة الأسباب التي دفعت الناس للخروج في الشوارع:

هذه المظاهرات جاءت كنتيجة مباشرة لسياسات النظام والتي كانت خلاصتها الوضع الاقتصادي الكارثي في هذا العام ، حيث أن معدل التضخم تراوح نسبته بين 47 % – 75% وفقا للإحصائيات الرسمية كما إن قيمة الجنيه السوداني في مقابل الدولار الأمريكي تدهورت بنسبة تجاوزت 70% بما يعني فقدانه لقوته الشرائية بذات النسبة وصولا لإقتصاد الندرة الذي يفاقم من الأسعار أصلا حيث انتشرت ولأكثر من 9 شهور الصفوف الطويلة في المدن والأرياف للحصول على الوقود و الخبز مضافا لكل ذلك شح السيولة والذي بلغ في شهر ديسمبر الحالي مداه حيث أعلنت البنوك فقدانها للسيولة مما يعني ان هذه البنوك تصرفت في أموال المودعين بطريقة مخالفة لأي سياسات نقدية راشدة وقد أقر البنك المركزي بأن السيولة خارج النظام المصرفي تجاوزت نسبة 85%.

عطفا على ما تقدم فالسياسات الاقتصادية التي طبقها النظام بشقيها المالي والنقدي لم تكن سياسات مدروسة فمنذ قرار رفع سعر الدولار الجمركي في نهاية العام الماضي من 6 الى 18 جنيه توالت القرارات التي واضح أنها بغرض التجريب والتي لم تدرس بل يتم تجريبها ويتم التراجع عنها انتهاء بقرارا الية صناع السوق التي اثبتت فشلها في كبح جماح الدولار إزاء كل هذا الحلول الميتة والعاجزة وانسداد اي افق للنظام في التعامل المعني مع الواقع الاقتصادي جعل الأغلبية مقتنعة ان النظام لا يمتلك اي حلول وليس بقادر على انتاج حلول جديدة لمجابهة الواقع الاقتصادي والمعيشي ، فإذا كان الوضع الاقتصادي هو الدافع الرئيسي لخروج الناس للشوارع وهذا الوضع مازال قائما بل ومتفاقما فاذا لم يتغير سبب الخروج ليس من المرجح أن ترجع الناس للبيوت.

للإجابة على السؤال الثاني وهو هل سيزيد عدد المتظاهرين في الشوارع؟ وهل ستمتد رقعة التظاهرات افقيا ورأسيا أو كميا ونوعيا؟

هذا السؤال يحتاج منا للتعرف على الإستراتيجية التي اتبعها النظام للتعامل مع هذه المظاهرات وعنوان هذه الاستراتيجية هو ((الأمن مقابل الصمت)) وهي إستراتيجية تقايض الأمن الذي يقدمه النظام للمواطنين في مقابل صمتهم الكامل وقبولهم بهذه الوضعية القائمة وفي سبيل ذلك بنى النظام إستراتيجيته على الاتي:

الإعتراف الإستهلاكي بحرية التظاهر السلمي وذلك بغرض كسب أو تحييد قطاع من المواطنين غير المشاركين في المظاهرات.
تشويه المظاهرات الحالية ودمغها بأنها مظاهرات غير سلمية وتخريبية ومدعومة من جهات خارجية.
القمع الأمني للمظاهرات بالاعتقال والترهيب والتعذيب والتنكيل بالمتظاهرين.
سياسة الانكار والتجاهل وعدم الاعتراف بأن هناك ازمة و عدم التركيز في الخطاب السياسي اليومي للنظام على الاحتجاجات.

لكن إذا قمنا بتحليل هذه الاستراتيجية سينكشف لنا جليا العجز السياسي الواضح للنظام في التعاطي مع هذه الأحداث حيث أنه لم يستطع أن يتعامل مع المظاهرات بأفق سياسي وحاول أن يجعل مهمة التعامل مع المظاهرات هي مهمة القوات الامنية والشرطية فقط، عليه من المرجح أن تتأثر زيادة أعداد المتظاهرين بمدى حجم العنف الذي سيواجه به النظام المتظاهرين ومدى ردة فعل المتظاهرين نحو إبطال مفعول العنف وجعله مكلف سياسيا للنظام ليتراجع عن استخدامه فالأصل في العنف الذي يستخدمه النظام الاصل فيه هو حماية نظامه السياسي من التهديد الذي تمثله الجماهير التي خرجت في الشوارع فإذا نجح المتظاهرين بتحويل عنف النظام وقمعه للجماهير من نقطة قوة للنظام لنقطة قوة للجماهير وذلك بجعل النظام يخسر سياسيا من استخدام العنف هنا يمكن أن يتوقف النظام عن استخدام العنف أو على الأقل لن يجرؤ على استخدامه بشكل فج وواضح كما يحدث الان ولإحداث هذا التحول أي جعل النظام يخسر سيسيا من استخدام العنف يمكن أن يكون ذلك بعدة طرق أهمها:

فضح العنف ومشاركته على نطاق واسع وذلك يعني أن التصوير عامل مهم جدا في التظاهرات.
المشاركة الاعلامية لمقاطع الفيديوهات والصور في كل الوسائل الاعلامية المستقلة
نشر أسماء وصور المشاركين من أفراد وقوات الأمن والشرطة وأي قوات أخرى ونشر أماكن عملهم وسكنهم عل نطاق واسع.
توثيق الانتهاكات صوت وصورة وفيديو وتمليكها مع مذكرات مفصلة للمنظمات الحقوقية الدولية.
كبح جماح المحاكمات الجائرة تحت ذريعة حالة الطوارئ المفروضة في بعض الولايات وذلك بالتصدي القانوني والحقوقي الفعال.

إذا تمكن المتظاهرين من فضح عنف النظام ومشاركة ذلك اعلاميا سيكون بمثابة تحويل نقطة قوة النظام المتمثلة في إستخدام العنف إلى نقطة ضعف وسيتوقف النظام عن استخدامه إلا بمحاذير كبيرة وسيكون لجم العنف هو البوابة التي ستفتح الطريق لزيادة أعداد المشاركين في المظاهرات لذلك فإن أي وسيلة تلجم العنف بفضحه ومشاركته هي وسيلة مطلوب العمل بها، لكن حتى لو إستمر النظام في العنف فان نسبة تأثيره لن تكون كبيرة في المدى الطويل فقد وجدت الدراسة التي اجرتها إريكا جونيورث الباحثة الامريكية والمتخصصة في حركات المقاومة السلمية وجدت ان نسبة الحركات المقاومة التي تأثرت بالعنف وأخفقت في تحقيق أهدافها لم تتجاوز ال 35% من أكثر من 323 حركة مقاومة مدنية.

السؤال الثالث متى وكيف تحقق هذه المظاهرات هدفها؟

لا شك إن النظام السياسي والبيئة السياسية بعد 19 ديسمبر سوف يحدث فيها تحول كبير وهذا التحول يتطلب من الثوار الذين خرجوا في الشوارع أن تكون لهم إستراتيجية في التعامل مع تقلبات الوضع السياسي الذي يحتاج لقراءة متأنية ومن جوانب عديدة ، وصولا لوضع تصور وسيناريوهات تتعدى المرحلة الحالية فالجميع يعلم أن عنوان المرحلة وشعارها هو ((إسقاط النظام)) وهذا الشعار ثبت إمكانية تحوله لواقع من خلال التظاهر السلمي الذي إجتاح معظم مدن وأرياف السودان المختلفة في الفترة الماضية ولكن يجب ان تكون هناك مرونة كبيرة وعدم صمدية في التعامل مع شعار إسقاط النظام فإسقاط النظام يمكن ان يأخذ اشكالا عديدة إبتداء من تقديم تنازلات جوهرية للمتظاهرين انتهاء بتفكيك النظام بشكل متكامل ونهائي والواضح ان النظام - حتى الان - لا يرى ان هناك خطورة حقيقية شكلتها المظاهرات في الفترة الماضية على الرغم من نجاحها غير المسبوق وهذه النجاح كسر حاجز الخوف من الفشل الذي منيت به العديد من المحاولات السابقة فضلا عن أنه أعطى دفعة معنوية كبيرة للمتظاهرين زادت من ثقتهم في إمكانية قدراتهم في تحقيق هدفهم.

وللإجابة بشكل مختصر ومباشر على هذا السؤال وهو متى وكيف تحقق هذه المظاهرات هدفها؟

سوف تحقق هذه المظاهرات هدفها إذا مالت كفة ميزان القوى لصالح المتظاهرين السلميين هذه الميزان بدأت تتأرجح كفتيه الان كعلامة على التقارب للتساوي في ميزان القوى ولكن لتفوق الجماهير يتطلب ذلك انجاز بعض المهام وهي:

المحافظة على سلمية المظاهرات والاحتجاجات والابتعاد بها عن أي مستوى من مستويات العنف مهما كان هذا المستوى وفضح أي محاولات من قبل النظام لتشويه سلمية المظاهرات.
إبتكار الأدوات والوسائل المختلفة وعدم الاكتفاء فقط بالتظاهر في الشوارع لأن هذه الادوات سوف توسع المشاركة الجماهيرية في المقاومة وسيجعل منها ثقافة سوف يتعاطاها أي شخص (الشعر الغناء الأهازيج النكات المسرح) فضلا عن أن تنوع الأدوات يبقي على ضراوة الإحتجاجات كما يمنعها من القمع الذي يمكن ان تتعرض له.
وضع برنامج للتحول الديمقرطي والوصول لشكل من شكال التنظيم وتخليق قيادة موحدة ومتفق عليها ومكتسبة (للشرعية الشعبية) هو التحدي الذي يواجه الجماهير والقوى السياسية والمهنية والفئوية والمجتمع المدني.
قطع الدعم الاقتصادي عن النظام وإحكام عزلته وذلك بمحاصرة أي دولة تتقدم لدعم او إنقاذ النظام أيضا العمل على رفع وتيرة العصيان المدني لتصل في مرحلة من المراحل لعدم الالتزام بأي قوانين أو إجراءات تدعم النظام وذلك بالامتناع عن دفع الرسوم المحلية، الضرائب ارباح الاعمال، المخالفات المرورية ، التسويات الحكومية ...الخ.
تشجيع مؤسسات النظام العسكرية القائمة الان بتغيير ولائها من النظام والاتجاه نحو الجماهير وسيكون هذا الانحياز هو لضامن لانتقال سلس وسلمي وامن للسلطة.

لا شك أن انتفاضة 19 ديسمبر دقت أبواب القصر الجمهوري فهل يسمع ساكن القصر؟

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 514

خدمات المحتوى


مالك أبو الحسن
مالك أبو الحسن

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة