سقوط حاتم
01-09-2019 09:50 PM

سقوط آخر رمز وطني!يحز في نفسي لدرجة بعيدة أن أنعي لشعب السودان إبناً من أبنائه، كنت أحسبه وطنياً نظيفاً شفافاً مكافحاً صلباً حتى الرمق الأخير، وهو حاتم مالسر علي، الذى لم يمت تماماً بالمعني الكلاسيكي والفيزيولوجي للموت، ولكنه توفى سياسياً ومعنوياً وأخلاقياً صباح اليوم بساحة القصر الجمهوري بالخرطوم وهو يدافع عن نظام البشير. لقد ظللت ألح عليه طوال الشهور المنصرمة بأن ينسحب من هذه الحكومة الفاسدة إنقاذاً لإسمه وتاريخه النضالي ومستقبله السياسي، وأن ينتهز هذه الفرصة أو تلك لإعلان استقالته قائلاً إنه كان يحسن الظن بالنظام منذ حوار الوثبة، ولكنه وبالممارسة وبعد عامين بكرسي الوزارة اكتشف غور وعوار الدولة العميقة، وكيف أن المؤتمر الوطني مسيطر على مفاصل الدولة من رأسها لقعرها، وكيف أن الجميع بلا استثناء غارقون في الفساد حتى ذؤاباتهم، وأنهم يشكلون حوائط صخرية تتكسر عليها أي جهود للإصلاح أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه. ولكنه صار في الآونة الأخيرة لا يرد على رسائلي، إلا البارحة حيث أرسل لي رسالة من كلمتين فقط :"كيفك ياصديقي"، ولما سألته ماذا هو فاعل إزاء الثورة الشعبية الراهنة وكيف سيتخارج، لاذ بصمت القبور، وإذا بي صباح اليوم أراه أول المتحدثين أمام القصر داعماً لنظام مرفوض من كل الشعب، نظام يلفظ أنفاسه الأخيرة.
إنه لأمر مؤسف أن ينكسر ويتهاوى رجل فحل ومناضل صنديد لثلاثين سنة خلت، ولكن البشر مليئون بالمفاجآت، وقد يعمل أحدكم كما قال المصطفي عليه الصلاة والسلام عمل أهل الجنة حتى يسبق عليه الكتاب...فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. ولا أدري ما هي المصالح التى يدافع عنها صديقي حاتم؟ ما أعرفه عنه حتى قبل ستة شهور أنه كان لا يملك بيتاً ولا قطعة أرض ولا رصيد في البنك ولا أياً من عرض الدنيا، فهل لحق ب"بالتمكين" في الزمن الضائع؟ هل هو تأثير أصدقائه الذين أعرفهم والذين أخبرني كثيراً عن محاولاتهم لإغرائه وإغوائه بالولوغ في الفساد، وهم تماسيح متمرسة؟؟. مهما يكن من أمر فإن قراءة صديقي حاتم للمشهد السياسي خاطئة مائة بالمائة ولا تشبه حاتم الذى كان طوال الأربعين سنة الماضية حاذقاً وألمعياً ولا تفوت عليه فائتة. هذا نظام تصرم عهده وناح بومه ونعق غراب بينه، ومن لا يرى هذه الكتابة على الحائط فهو بلا حس ولا ذكاء ولا خبرة سياسية؛ وكنت أحسب صديقي حاتم ذا حس سياسي مرهف وذا فطرة سليمة وذكاء وقاد. ماذا جري؟
أرجو أن أؤكد للأخ حاتم أن هذه نهاية ليس فقط لنظام الإخوان المسلمين، إنما للطائفية الرجعية كذلك. كنا نتوسل بها لاستقطاب أهلنا قبائل الشمال الختمية نحو الخط الوطني الساعي للتقدم الإقتصادي والتحول الإجتماعي، ولإرساء دعائم الدولة العلمانية الديمقراطية التى تتسع لجميع أبناء الشعب بكافة أديانهم وطوائفهم كما هو الحال في الهند منذ استقلالها عام 1947، تلك الدولة التى ظل شعبنا يناضل لمدى العقود الثلاثة الماضية لانتزاعها من فك الإخوان المسلمين. إذا بها تنضم لركب المتجرين بمعتقداتنا الدينية.
ما كنت أحسبني أعيش لأرى الرجال يسقطون بهذه الطريقة التافهة، ولكن ما يشد من أزرنا ونحن في خريف العمر أن نكتشف أن الأجيال الصاعدة من أبناء شعبنا مشبعة بنفس القيم التى كنا نحسبها قد اندثرت: قيم الوعي السياسي والشجاعة والصدع بالحق والمقدرة العبقرية على محاورة الخصم بلا انكسار. هنالك مد ثوري بالشارع السوداني يملأ العين حتى تفيض، وقد رآه العالم بأكمله، حتى الشعوب غير المتمرسة في السياسة، وأصبح شعبنا اليوم مضرب الأمثال فى العالم كله.
يؤسفني جداً أن تفوت هذه الحقائق على المناضل – حتى صباح اليوم – حاتم السر. وعلى كل حال، إن قضيتنا ليست قضية أفراد، فنحن كلنا زائلون، ولكن كما يقول أهلنا : (الكلمة أطول من العمر). وقال شكسبيبر The evil that men do lives after them! ولسوف يسجل التاريخ إن حاتم إبن الحاجة السهوة قد باع دماء الشهداء بثمن بخس، وهوى متهالكاً في آخر عمره مع سقوط النظام الذى لحق بآخر عربة فيه. ويؤسفني جداً أن تشيعكم جماهير شعبنا غداً إلى مزبلة التاريخ.
والسلام.
الفاضل عباس محمد علي

[email protected]





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1192

خدمات المحتوى


التعليقات
#1810157 [عبدالله الشقليني]
0.00/5 (0 صوت)

01-12-2019 08:51 PM
تحية لمنْ يقرءون .

كاتب المقال أعلاه ، يعرف " حاتم السر" وكتب في مقاله أنه صديقه - رغم كل شيء يبقى صديقه! - وهو يعلم استوزاره من قبل . وذهب كاتب المقال للقاء السيد محمد عثمان في القاهرة قبل أشهر ، ويعرف أن الحزب الاتحادي الأصل ، هم شركاء للسلطة وعلى رأسهم رئيس الحزب،
فما الذي جد؟

كتب أحمد شوقي الشاعر :

قالوا فروقُ الملكِ دارُ مخاوفٍ .. لا ينقضي لنزيلها وسواسُ
وكلابُها في مأمنٍ ، فأعجب لها .. أَمِنَ الكلابُ بها، وخاف الناسُ
*
أنا أكتب رأيي باسمي لمن يجهل.

*


#1809910 [راس الخيت]
0.00/5 (0 صوت)

01-10-2019 05:35 PM
منصور هنا


#1809744 [Good old days teacher]
0.00/5 (0 صوت)

01-09-2019 10:40 PM
يا اخ يا فاضل ياعباس.. اعذره (مأتم السر) فانه كاتم الاسرار! بس نسأل مولانا ذات نفسو واقف يين.. اصحيح ما قال كاشحهم ان ابا هاشم امر باحلال ابنه جعفر مكان الحسن اللى جدد البيعة للبشير والمظاهرات فاجّه ضِدُّو.. ومولانا امر بفض الشراكه و احمد سعد طنّش وتناسى الموضوع عشان كدا كاتم السر لسّ عشمان؟ اها والفرده التانيه اللى مرّه مع الخركه الشعبيه من بعد الاتحادى ثم عودا حميدا مستطاب على انغام "رجعنالك" اللى لا يزال وما يمفكّ يحلم ان يكون "حاكم" بعد اعتصام.. خبرو شنووو؟


الفاضل عباس محمد علي
الفاضل عباس محمد علي

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة