المقالات
السياسة
صون دماء الشهداء
صون دماء الشهداء
01-13-2019 10:12 PM

منذ أول يوم لهبة وغضبة ديسمبر , مهر شباب بلادنا مخاض ثورتهم الشعبية , بدماء عدد غير قليل من الشهداء الذين كانوا في ريعان شبابهم وفي عمر الزهور , وصلاً لما قدمه أقرانهم في سبتمبر من قبل خمسة أعوام في ملحمة جسورة , قذفت بالرهبة والهلع و الخوف والفزع والجزع في قلب الطاغية و زبانيته , و من قبل ذلك بذل الأحرار من ثوار كل من جبال النوبة والأنقسنا و دارفور المهج رخيصة في طريق التحرر و الإنعتاق , فعلى الرغم من أن عدسات وسماعات الكاميرا لم توثق لهم بصورة أو بصوت , فإنّ ذاكرة الأحرار من أفراد شعبنا ما زالت حافظة للقيمة الوطنية العظيمة لتضحياتهم المشهودة , فجميع الشهداء وبمحتلف فئاتهم و أعمارهم و جهاتهم و خلفياتهم الفكرية هم الأعلى مرتبة ووالأفضل مكانة منا جميعاً , وهم الأعظم درجةً وذلك لحملهم أرواحهم على أكفهم و تقديمها قرباناً لإسعاد الناس في المراحل القادمة من الحياة , فلهم سمو المقام لأنهم واجهوا رصاص الطغاة بصدور عارية إلا من الإيمان بالله وبقيمة هذا التراب , ومن منا لم ترتعد فرائضه من الإجابة التي أدلى بها ذلك الشهيد اليافع في إنتفاضة ام درمان , عندما حاولت والدته و أمه الرؤوم أن تثنيه عن الخروج , و تحرمه شرف الأندماج في الشارع الثائر , بحكم إرهاصات قلب الأُم , حين قال لها : (يا أمي إذا لم نخرج نحن فمن سوف يزيح عنكن الغمة ؟) , لقد خان التعبير كهولنا وخذلهم حدسهم عندما وصفوا الجيل الذي ينتمي إليه أمثال هذا الصغير اليافع بمالا يليق , ويا لسرعة الرد و الاجابة المفحمة لانزلاقة لسان هؤلاء الكهول , إذ تجيء اليوم بشريات التغيير مخضبة بدماء هؤلاء اليافعين , الذين خيبوا ظن الذين سبقوهم في الولوج إلى الحياة , ولقنوا كبارهم دروساً في قصص وروايات عشق هذه التربة السمراء , العشق الذي تتضاءلت أمامه قيمة الحياة وانحنت قبالته هامات الرجال , فمنذ قدم التاريخ تجد رصفاء هذا الجيل الغض الإهاب , هم من ظلوا يتحملون وعلى الدوام أثقال وأعباء التحولات الكبرى في مجتمعاتهم , فهم من يصنعون ويبنون صروح الحياة القادمة , فما يزال الصوت الداوي لأهزوجة هذه الهبة الديسمبرية (تسقط بس) والتي انطلقت في كل مدن السودان , هو صوت حناجرهذا الجيل المزمجرة كالرعود ببروقها الخاسفة , وظل هو النداء الوطني الأوحد و الهدير المزلزل والمسيطر على سماوات هذه المدن السودانية التي هتفت فقالت (سلمية .. سلمية) , مطالبة بترجل رأس النظام وصحبه عن كرسي سلطة الشعب.

إنّ صون دماء هؤلاء الشهداء الشباب واجب وطني و إلزام أخلاقي , فهم من زرع في أنفسنا الأمل و أحيا شرايننا التي كانت ميتة وممتلئة بالدماء المتخثرة , فهتاف هؤلاء الشباب جعل دمائنا تجري في أوردتها بكل سلاسة و يسر , لقد أزاحوا عن مشهدنا كل الظلال القاتمة التي حجبت عنا رؤية المستقبل المشرق لبلادنا المنتصرة و المنصورة , فصون هذه الدماء العزيزة يكون بتحقيق التماسك والوفاق الوطني الشامل لكل واجهات العمل السياسي , من منظمات مجتمع مدني و أحزاب سياسية و حركات تحرر وطني عسكرية , فهؤلاء اليافعون قد حلموا بانجاز دولة المواطنة والقانون و العدالة الاجتماعية , وضحوا بأرواحهم في سبيل الحصول على نظام سياسي , يكفل للناس الحرية و يحفظ الكرامة و يحقق الوحدة الوطنية , فسوف نكون من زمرة الخائنين إذا لم نصن دمهم و لم نسر على درب التلاحم الوطني و الشعبي , من أجل إنجاز وتطبيق دستور يحمي مكتسبات هؤلاء الشباب الطموحين وأهليهم , ونكون من (العملاء والمندسين) كما وصفنا العدو , اذا لم نقم بوضع عقد إجتماعي نقدسه ونحترمه يكون مبرأ من هوى النفس وغرض الانتهاز , فلابد من ميثاق شرف يكبح جماح النفس البشرية المجبولة على الضعف , فهؤلاء الاسلاميون الجبابرة و الطغاة الذين ارتكبوا كل انواع الموبقات في حق الشعب و الأرض , كانوا وما يزالون يعتبرون بشراً ظالمين ومهلكين للحرث و للنسل , ذلك لأنهم لم يتواثقوا إلى عهد فيما بينهم تعاهدوه , فاساءوا استخدام سلطة الشعب وحولوها إلى إمارة شبيهة بدولة بني أمية , فاستحلوا كل ما حرم رب العباد من قتل و سحل و اغتصاب للحرائر , وأكلوا أموال الناس بينهم بالباطل , وحتى لا تتكرر ذات التجربة المأساوية , علينا (نحن الأحياء) القيام بالإيفاء بوعودنا تجاه شهداء قضيتنا , بأن نفعل دور الأجهزة النيابية والقضائية و الرقابية بعد استكمال عملية التغيير الشامل , هذه الاجهزة الرقابية من شاكلة الحجر صحي و الزراعي والبيطري , ودواوين المراجعة والمحاسبة وهيئات المقاييس والموازين والمكاييل الضابطة للجودة , ودواويين النيابة العامة الفاعلة والمحايدة وغير الخاضعة لقهر نفوذ السلطة التنفيذية , لكي تنوب عن الناس في متابعة حقوقهم القانونية , وإرجاع النظام المالي إلى سابق عهده عندما كان (أورينك) خمسة عشر يؤدي دوره بكل صرامة , كضابط دقيق وحاسم لكل مورد مالي يخص الخزينة العامة للدولة , وليس كما هو حال دويلة المشروع الهلامي الآيلة إلى السقوط اليوم , وما بددته من مال عام تحت مسوقات فطيرة هي التمكين والتجنيب و التحلل , فبالأمانة و بالصدق وتقديس العهد والوعد و بالإيفاء بالحقوق , نكون قد صنا دماء شهداء الثورة الشعبية السودانية , كما علينا تكريم وتثمين دور كل أم اقتطعت فلذة من فلذات كبدها و دعمت بها هذا المد والموج الثوري الكاسح , فكل الأمهات اللائي لم يترددن ولو للحظة في المشاركة بأغلى ما لديهن في إنجاح ثورة الشعب , نظل نحن الذين ما زلنا على قيد الحياة مدينين لهن ولكل مواطن شريف منح زينة حياته الدنيا رخيصة في سبيل تعبيد شارع وطريق رفعة هذا الوطن , ونبقى مطأطأين رؤوسنا إجلالاً ومهابة و اعترافاً بالقيمة النبيلة و السامية التي تزين رؤوس هؤلاء النسوة كتاج فخار لا يبلى و لا يخفت بريقه.

لقد فدى هؤلاء الفتية وطن اجدادهم بالأرواح و جادوا لهذا البلد الفريد بعظيم المهج وعزيز الأنفس , فاجتازوا الإمتحان بجدارة و تفوق كبيرين , دون أن يطلبوا ثمناً أو مقابلاً لهذه التضحيات الوطنية الخالصة , فكتبوا لوطنهم الخلود بحبر لونه احمر قاني , تماماً مثل لون دمائهم الشابة المتفانية , وحطموا كل القيود و كسروها , كيف لا , وهم الجنود السائرون إلى الأمام , الذين يبتغون الحرية الكاملة غير المنقوصة , تلك المأخوذة و المنتزعة عنوة وإقتداراً , دون استجداء أو رضوخ لترهيب الطاغية و عملائه , فهؤلاء الجنود الشباب يعلمون تمام العلم , أنهم إذا لم يقوموا قومتهم هذه , و إذا لم يهبّوا هذه الهبّة الجارفة , فلن يرثوا إلا وطناً يرفل تحت بؤس الحطام و الانقسام و الفقر و الجهل والمرض , لذلك اتحدت هذه السواعد الخضراء و أقسمت على أن تبنيه وطناً قوياً متماسكاً كالحديد والفولاذ.

إسماعيل عبد الله

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 314

خدمات المحتوى


اسماعيل عبد الله
اسماعيل عبد الله

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة