المقالات
السياسة
السودان: طال ليل الإنتقال
السودان: طال ليل الإنتقال
01-14-2019 01:22 PM

شهاب الدين عبدالرازق عبدالله

يعيش السودان منذ إستقلاله وحتي الأن مرحلة المجتمع الإنتقالي في كل نشاطاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها؛ والمجتمع الإنتقالي هو درجة وسيط بين مرحلة المجتمع البدائي ومرحلة المجتمع المتقدم ؛وقد حدد عالم الإداره الأمريكي فرد رجز سمات المجتمع الإنتقالي بأنه مجتمع إنتقائي في تطبيق القانون؛ وأن توزيع الخدمات فيه غير عادل ؛وأنه يعج بالفساد الاداري وبوجود مراكز قوي واضحه في المجتمع تغلب الشخصي علي العام .وباسقاط سمات المجتمع الانتقالي سالفة الذكر علي وأقعنا نجدها متطابقة تماما مع مايحدث في السودان منذ الاستقلال وحتي الأن،ذلك من واقع سيطرة مجموعات المصالح التي تتبادل السلطة ونموذجها الانتقالي فيما بينها ،و تتوارث الفشل سياسيا وإقتصاديا وثقافيا وإجتماعيا؛ وهي باتفاقها علي حماية مصالحها تتجاوز فيما بينها تباينات العرق والدين والسياسة، وإن أختلفت ظاهريا أدواتها المعبرة عنها كاحزابها السياسية مثلا ، يسندها دعم مستمر من (لوبيات) تنشط علي المستوي القاعدي في المجتمع في تنظيمات وجماعات غير رسمية تدعم استمرار حالة الانتقال، وتروج لها وتقف حجر عثرة في طريق الوعي بمجتمع القانون والمواطنة والحداثة،وهي علي خلافها كجماعات فيما بينها في بعض القضايا، إلا أنها تتفق ضمنا وسلوكا علي الهدف الاستراتيجي وهو إستمرار رعاية المجتمع الانتقالي الذي يضمن لها السيطرة علي التأثير في المجتمع ،مما يسهل عليها استمرار جني المكاسب الخاصة تبعا لاستمرار حالة الانتقال ،وكل ما زادت فترة الانتقال كلما زادت مكاسب هذه المجموعات،وهي تدفع دائما في اتجاه عدم تشكل كتلة متماسكة وواعية ومنظمة وفاعلة ومستقلة عنها ذات رؤيه وأهداف وبرامج موحدة، بل وأحيانا تنقلب هذه النخب علي مرحلة الانتقال نفسها إذا هددت مصالحها وترجع بمجتمعها القهقري للمرحلة البدائية ،بل وتبرر لذلك، كما يتضح سياسيا في تبرير نخب الجماعة الحاكمة لإنقلاب يونيو المشؤوم ،ومامثله هذا الانقلاب من ردة علي تطور السودان في كل المجالات خاصة تطور نظامه السياسي،وماتبرزه هذه الايام و بجلاء المساعي المحمومة لتعديل الدستور علما أن الدستور الحالي نفسه دستور إنتقالي ؛ كما لاتتردد بعض هذه النخب حتي ولو كانت في الصف المعارض ظاهريا في إنقاذ مجموعة الانتقال الحاكمة في اللحظة التاريخية الفاصلة لان الجماعة الحاكمة تعبر حقيقة عن استمرار المصالح الذاتية لتلك النخب التي تتدثر زيفا ثوب المعارضة، وموقفها المعارض في نفسه جزء من خطط مرحلية تهدف للسيطرة الكاملة علي فضاء الحياة العامة ،وعدم إفساح المجال لتخلق بدائل حقيقية جديدة تهدد بقاءها وبقاء نموذجها الانتقالي ، والشاهد أننا نلاحظ تقاربا متكررا ومملا ومدروسا لبعض النخب معارضة وحاكمة في وطننا كلما أطبقت الأزمة علي النموذج الانتقالي وقياداته المرحلية ؛هذا التقارب يضعف معظم المساعي الصادقة لبعض كيانات المجتمع الداعية للعبور بوطننا من حالة الانتقال الاقتصادي عبر وسائل الانتاج التقليدية إلي فضاء الصناعة والابتكار، ومن شمولية سياسية الي ديمقراطية تعددية ،ومن حالة السيولة الي دولة القانون، ومن دستور الفرد والنخبة الي دستور الشعب والأمة ، ومن دولة التمييز الي دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية، حيث الأولوية للخدمات كتطوير الرعاية الصحية وجودة والزامية التعليم وتشجيع البحث العلمي ودعمه، والاهتمام بقضايا التغذية وتحقيق الاكتفاء الذاتي في كل إحتياجات المواطن الأساسية، ورفع الوعي بقضايا البيئة وتغيرات المناخ .

هذا التحول لن يحدث في ظل سيطرة نخب المجتمع الانتقالي علي الفضاء العام حكومة ومعارضة ؛ودفاعها المستميت عن بقاء وديمومة النموذج الانتقالي، فمعركة البقاء وضرورة إستمرار مصالحها التي يعبر عنها النموذج الانتقالي تحتم عليها الوقوف مع من يمثل قيادة المجتمع الانتقالي، حتي ولو كان ذلك في تعارض تام مع شعارات ظلت ترفعها وترددها عن دولة القانون و المواطنة واحترام حقوق الانسان.

ماسبق شخيص لمانشهده في وطننا منذ الإستقلال وحتي الأن.وقد طال بشعبنا ليل الانتقال ؛ و واقع الحال يفرض دراسة النموذج الانتقالي ونخبه التي تعبر عنه علي إختلاف منابرهاوأدواتها التي تعيق تطور مجتمعنا وتساهم في طول أمد النموذج الانتقالي،وتنتج وأقعا مأزوما وقابلا في أي لحظة للارتداد إلي بدائية لا تعبر عن روح العصر ومطلوبات الدولة المدنية الحديثة ،مع ضرورة تحليل الفشل الذاتي لمجتمعنا في الخروج من إسار هذه المرحلة لمجتمع متقدم وتكوين كتلة واعية ومنظمة وفاعلة ومستقلة ومتمددة تدير الصراع بشكل قانوني وتضغط دائما في إتجاه تصاعدي نحو أفق المجتمع المتقدم ،وتحرس وطننا من أي ردة محتملة عن قيم دولة القانون والديمقراطية والتنمية المستدامة.





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 285

خدمات المحتوى


شهاب الدين عبدالرازق عبدالله
شهاب الدين عبدالرازق عبدالله

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة