المقالات
السياسة
اسْأَلُوا جونسون
اسْأَلُوا جونسون
01-15-2019 04:55 PM

- [ اسْأَلُوا جونسون ] - ---
هذه الورقة , تعتقد أو هِيَ تُرِيد أنْ تعتقد أنَّ الزمانَ قد اِسْتَدار ، فَعَادَ كَهَيْئَتِه ، يَوْمَ خَلَقَ شَعْبُنا ثورة أكتوبر ، دُودَةً بَيْن الماءِ والطين .! .
إنَّ النظام الحاكم قد تَوَرَّطَ , حقيقةً لا مجازاً , في أزْمَتِه الثورية. كُلُّ العوامل والظروف تضافَرَت ، تناظَرَت وتناصَرَت.لم يَعُد النظام مسخوطاً عليه من الشعب فحسب ،بل صارَ هُوَ نفسُه غير قادر على الحُكْم . إنَّ الأزمة الثورية هِيَ لحظة في الثورة , حِينَ تَحِين, تتطَلَّب تكتيكات صَبُورة، طويلة النَفَس وجَسُورَة ، خالِية من عُنْصَرَيْ الاستفزاز والعُنْف، ماضِيةً رأساً نحو تعبئة شامِلة تُحَاصِر النظام المُرْهَق. تَفْصِلُه عن المجتمع المدني ترتيباً على السُخْط الشعبي العام ، وتَفْصِلُه عن الدولة نفسها بالاضراب السياسي العام .تُشَدِّد الحصار وتُضَيِّق عليه الخناق.ترفع عنه غطاءه شيئاً فشيئاً. هَا هِيَ تنزع آخِر قطعةٍ من سِتْرِه. تبدو سوءاتُه. يَا شَنَهْ. إنَّ الامبراطور عاري .تَقْبُض الثورةُ عليه .تقضي منه وَطَرَاً .تَبُولُ عليه ، وتَضَعُه في مزبلة التاريخ.
يا لِلْقَدَر.! .إنَّ لَهُ أفَانِينَاً للمَسَرَّة. وما كَانَ أحْوَجَنا لمِثْل هذه الثورة يُفَجِّرُها مِثْلُ شَعْبِنا .لكن ثُمَّ ماذا .? .? .
ثُمَّ ينبغي ألا يغيبَ عنا لحظة أنَّ هناك على المدار في الانتظار ثورةٌ أُخْرَى في المجتمع ، هِيَ أكثر ضراوة ، لم يَكُنْ اسقاط النظام إلا تدشيناً لها .اسقاط النظام انقلاب سياسي والثورة الأُخْرَى هِيَ عملية تفاعُلِيَّة طويلة .
في سنة 1963م, قَرَّرَ الرئيس الأمريكي جون كينيدي زيارة ولاية تكساس .وكانت المشاعر الثورية في تكساس مُلْتَهِبة .لكن كينيدي كانَ يحتاج لأصوات التكساسيين ليفوز في انتخابات 1964م. فخَطَّطَ للقيام بزيارة تستمر يومين يتوقَّف فيها في سان انطونيو ، وهيوستن، وفورتاليزا ثُمَّ مدينة دالاس حاضِرة تكساس .لقد وصَلَتْهُ تهديداتٌ كثيرة ، وألَحَّ عليه مستشاروه أيَّما الحاح كي لا يذهب إلى تكساس ،ولكن كينيدي كانَ يشعر بأنَّه لا بُدَّ سيعيش حياةً مديدة .
وفي يوم 22 نوفمبر , يوم الزيارة, تحوّل المناخ فجأةً من جو ماطِر إلى جَوٍّ مُشْمِس مما حدا بالرئيس أنْ يرفع غطاء السيارة المصفَّحة ضد الرصاص .وهكذا سار الموكب الرئاسي في شوارع تكساس .وكانَ برفقة الرئيس كينيدي زوجته جاكلين ،وحاكم تكساس جون كونالي ، ورجُل أمن.وكانَ الجميل الشاب , هارفي يقبع في مستودع كُتُب مدرسة تكساس ، يُدَنْدِن سِرَّاً بأغنية قديمة ويُحَضِّر بُنْدُقِيَّتَه.شَقَّ الموكب طريقه وراح الرئيس يُلَوِّح للجماهير .وفي تمام الساعة 12:30 انطلقت الرصاصة الأولى لتخترق عنق الرئيس وتَمُر عبر حنجرته وتُصيب جون كونالي حاكم تكساس ، ثُمَّ انطلقت الرصاصة الثانية لتصيب جُمْجُمَّة الرئيس ،وتُلَطِّخ جاكلين بالدماء ، وهنا انطلقت الرصاصة الثالثة .!!. واندفعَ رَجُل الأمن المرافق ودفع جاكلين إلى مقعدها ورمى نفسَهُ فوقها واحْتَضَنَها بِقُوَّة كي لا تُصَاب بالرصاص .
وأثناء محاكمة هارفي، وكانت المحكمة قد توصَّلت لقرارٍ بإدانته ، قامَ يهوديٌّ اسمه جاك روبي بقتله على الملأ أمام بصر الملايين الذين كانوا يتابعون وقائع المحكمة من على شاشات التلفزيون .وتولَّى ليندون جونسون الرئاسة بعد اغتيال كينيدي .وغَنَّتْ مُغَنِّيةٌ في السودان ;-
كِي نِيدِي مِين كَتَلُو ?
اسْأَلُوا جونسون
ال مَسَك بَدَلُو
ولذلك , وعلى ذات النحو , سيُطْلِق هارفي السوداني رصاصة لتخترق عنق البشير، وتَمُر عبر حنجرته ، وستتلَطَّخ وداد بابكر بالدماء ، وسيندفع رَجُل الأمن ويدفع وداد إلى ما يتفق ، ويرمي نفسَه فوقها ويحتضنها بِقُوَّة كي لا تُصَاب بالرصاص .وواجِبُ الثورة والثُوَّار اليَقِظة وحماية هارفينا من جاك روبينا .
إنَّ الثورة الأُخْرَى تبدأ بفحص الثورة الأولى .فحص محتواها السياسي الاجتماعي ومشروعيتها أو خلافها بالنظر إلى جملة مصلحة البلاد .بِكَلِمَاتٍ أُخْرَى , إرساء الثورة الأُولَى على أرض الملاحظة والاستشعار والرصد والاستقراء ، نفاذاً للدقائق ، تسديداً للنتائج ، ونُشْداناً لأرضية فكرية راشِدة لا يُمْكِن بناء الوطن على غيرها .
هل قُلْتُ , الوَطَن .!.? . بتعبيرٍ آخَر ,, هل السودان وطن .?. إنَّ الوطن هُوَ جماعة سياسية ،وتكوين ثقافي ، وترابط تاريخي ،ومصالح إقتصادية. هَذِه هِيَ أرْبَعة أركان الوطن.ولَسْتُ بحاجة إلى القول أنَّ قَسَمات بلادنا بعد غسلِها أو اغتسالها من نجاسات المستبدين ، وتَطَهَُّرِها من أدران سياساتهم ، تكشف عن وجه فريدٍ مليح لوطنٍ مَنْ يراهُ لا يستطيع إلا أنْ يُبادِر إلى الإعلان عن حُبِّهِ الباكِر .ووجْه الفرادة فيه هُوَ أنَّ الدولة المركزية أضعف من التكوينات الأهلية والجهوية للمواطنين .ويَتَرَتَّب على ذلك ، وعلى مثل هذه الظروف أيضاً ودائِماً ,أنَّ الجامع الأساسي هُوَ التكوينات الأهلية أكثر مما هُوَ الجهاز المركزي .وينتج عن ذلك , أنَّ فرض آيدولوجيا على الشعب تَوَسُّلاً لِحُكْمِه يبقى بلا فاعِلِيَّة ، بما لا يُقَارَن بإمكان فَرْضِه على شعب ذي قومية واحِدة مثلاً ، أو هَوِيَّة مُتقاربة .ولذلك فإنَّ مسار الفكر هُنا لا يسمح للآيدلوجيا بالمرور .ولكن , ومع ذلك, يبقى هناك وَجْه للاختراق .هُنا سلوى تُبْقِيه مُبْهِجاً. وهُوَ تفريغ العقائد السياسية من مادَّتِها المُلْتَهِبة .وتوجيه الالتهاب ، معاً وسَوِيَّاً، نحو برامج التنمية .إنَّ كُلَّ الأحزاب السياسية , يميناً ويساراً, طائفية بمعنىً من المعاني .لأنَّ عَوالِمها تبدأ وتنتهي عند حدود حظيرة الحزب .وفي قَوْل لخاتم عدلان شَبَّهَ هذه الأحزاب ببخلاء الجاحظ , أوْقَدُوا ناراً ،ووضعوا عليها قِدْراً. وجاءوا بلحمهم لانضاجه ، غير أنَّ كُلَّاً منهم أمسك بقطعته من اللحم وقد ربطها بخيط وظَلَّ ينتظر .قِدْرُهُم واحِد وقُلُوبُهُم شَتَّى.
لقد ترجَمَ الرفيق راشِد معنىً خصيباً راشِداً، حِينَ صَدَّرَ أوَّلَ بيان له بعد ثورة أكتوبر باسم , الشيوعيين السودانيين, ولم يقل الحزب الشيوعي .وضَرَبَ مثلاً آخَر رفيعاً مُبَرْهِناً على عبقرية قاتِلة تُنْتَظَر مِن عَبقِرِيٍّْ مِثْلِه ، حِينَ قال , نَحْنُ الشيوعيون نَرِدُ الوَغَى ونَعِفُّ عِنْدَ المَغْنَم , .وهذا مشهودٌ يُصَدِّقه الواقع ،والأعْداءُ قبل الأصدقاء .وهذا يعني , أيضاً,أنَّ الثورة ضد نظام عَبُّود لم تكن بشأن المباني، وإنَّما في المعاني مثل الحُرِيَّة وَهَلُمَّ جَرَّا .إنَّ راشد هُوَ الاسم الحَرَكِي لعبد الخالق محجوب .
إنَّ القُوَى الرجعية تُبادر في لحظة الأزمة الثورية إلى تأييد الثورة،و تسجيل معارضتها ضد النظام كمآخِذ غاية في العمومية تبرئةً لذِمَّتها، ومَيْلاً إلى حَيْثُ الرياحُ تَمِيل. وهِيَ ذكِيَّة ذكاء ينحصر في القدرة على حماية مصالحها القائمة على الجشع والسُحْت والعُهْر الأخلاقي .ولذلك فإنَّ حكومة أكتوبر الأولى حينَ وضعت هذه القُوَى على المَحَك ،ناصبوها العداء ، وضَيَّقُوا عليها ، واستنزفوها حتى انقلبوا عليها جهاراً نهاراً ، عياناً بياناً. ونفس الشئ حدث مع الوزير أبو حريرة في الديمقراطية الأخيرة مع أنَّه قَدِمَ للوزارة ممثلاً لحزب رجعي .هو الاتحادي الديمقراطي .
تأسيساً على الذي سلف , ولكي يتحالف المُسْتَقبل معنا ولا نتقَهْقَر إلى الماضي ، ينبغي علينا الآن , وكبداية واجِبة, أنْ نكتسب عِلْماً بضرورة الحاسَّة الدقيقة للتمييز بين أصدقاء ثورتنا وبين أعْدائِها .وهُمْ كُثْر للأسف وعلى كُلِّ حال.ويلزَمُنا أيضاً شُمُولٌ في النظر إذا أرَدْنا لثورتنا أن تكون حُكْماً لأفكار جديدة محمولة بجيل جديد،و عامِلاً حاسِماً للعدل بين الناس ، والكفاءة في الأداء ..

شكرى عبد القيوم

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 472

خدمات المحتوى


شكري عبدالقيوم
شكري عبدالقيوم

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة