المقالات
السياسة
ما هي السيناريوهات التي تنتظر السودان بعد سقوط نظام البشير؟؟
ما هي السيناريوهات التي تنتظر السودان بعد سقوط نظام البشير؟؟
01-15-2019 05:48 PM

مقدمة: 
زادت في الأيام القليلة الماضية حدة التكهنات والتخرُّصات التي تتنبأ بمصير السودان بعد سقوط نظام البشير، خصوصاً بعد تزايد زخم المظاهرات الجماهيرية في الشارع. وخرجت علينا أصوات حادبة وحريصة على الشعب السوداني بحق وحقيقة، وأخرى محسوبة على حزب المؤتمر الوطني أو الجيش الإلكتروني لجهاز الأمن، وجميعهم يحذرون أو يضخمون من المصير الذي ينتظر السودان في حال سقوط نظام البشير، مستدعين للذاكرة ما انتهت إليه ثوراتٍ عدة في دول عربية وإقليمية مختلفة سقطت في آتون الحرب الأهلية والصراعات المحلية والإقليمية.
في هذه المقالة سأحاول وبقدر الإمكان مناقشة فرضية سقوط السودان في ذلكم المصير إذا نجحت الثورة الحالية في الإطاحة بنظام البشير، مغلبين جانب التفكير العقلاني المبني على الحقائق، والظروف التي أحاطت بكل دولة إنتهت فيها الثورة إلى فوضى، ومبتعداً ما أمكن عن التفكير الرغبوي "Wishful thinking"، الذي يقع فيه كثير من الكتاب حينما يتناولون بالبحث مثل تلك المواضيع، فيكتبون إنطلاقاً من الأرضية الفكرية التي يقفون عليها، أوالجهة السياسية التي ينتمون إليها، لذا تغلب أمنياتهم لتوجهات الأحداث، ورغباتهم فيما ستؤول إليه الأمور، على رؤيتهم للأحداث على حقيقتها كما هي على أرض الواقع. وهذا ما جعل الإحداث في نهايتها تتجه في مسارٍ بعيدٍ تماماً عما كانوا يبشرون به في بدايتها.
سيناريوهات ما بعد التغيير:
السيناريوهات التي تنتظر السودان بعد تغيير نظام البشير في ظني لن تخرج من الاحتمالات التالية:
1- الانتقال الآمن، على طريقة أكتوبر 1964م، وأبريل 1985م.
2- الفوضى من دون تدخلات خارجية كثيفة، على طريقة الصومال بعد نهاية نظام محمد سياد بري، وأفغانستان بعد خروج الاتحاد السوفييتي السابق، ودولة جنوب السودان بعد الإنفصال.
3- الفوضى الشاملة، مع تطاول أمد الحرب بين فرقاء داخليين يستقوون بدولٍ خارجية، على طريقة سوريا وليبيا واليمن.
وسنناقش كل سيناريو على حدة، وحظوظ حدوثه في السودان.
1- الانتقال الآمن على طريقة أكتوبر 1964م، وأبريل 1985م.
هذا السيناريو في ظني نجح بالإنتقال بالبلاد من نظام سابق إلى نظام خالف بعد أن توفرت له عدة عوامل كانت ضرورية جداً لنجاحه، وهي، مرتبة حسب أهميتها، كالتالي:
أ‌- غياب العامل أو المؤثر الخارجي عن توجيه دفة الأحداث: وهذا كان مشاهداً بوضوح، فذاكرة الأحداث لا تحتفظ بأي تصريحات أو مواقف نارية لمسئول أمريكي أو أوروبي أو في الأمم المتحدة أو لدولة إقليمية، يستشف منها التدخل بقوة في تلك الثورات بغرض توجيهها. وهذا في ظني يعود إلى أن التدخل الأمريكي الكثيف في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي أتى لاحقاً بعد سقوط الإتحاد السوفييتي وحرب العراق 1991م، كما أن الدول الإقليمية وقتها لم تكن لديها قوة ذاتية أو فوائض أموال يسمح لها بالتدخل، حتى إن أرادت، كما حدث في العقدين الأخيرين. 
ب‌- إجماع على وحدة الهدف، وضرورة التغيير، بين سائر مكونات الشعب وقواه الوطنية (أحزاب - نقابات) التي كانت متسيِّدة الساحة السياسية في ذلك الوقت. وهذا كان عاملاً هاماً جداً قطع الطريق على أي مشاريع طائفية أو مذهبية أو عرقية. شذَّ عن ذلك الراحل جون قرنق حينما وصف إنتفاضة أبريل 1985م بأنها "مايو 2"، وهذا في ظني عائد للنظرة التي بدأت تستقر وقتها في عقول النخب الجنوبية لعلاقه الجنوب بالشمال، وبدأ يتسرب إلي نفوسهم إحساس أنهم لم يعودوا جزءاً من مكونات الوطن، لذا كانوا أضعف شرائح الشعب مشاركة وتفاعلاً في إنتفاضة أبريل 1985م، بعكس موقفهم من إستقلال السودان، وهذا موضوع آخر على كل حال.
ت‌- وجود قوات مسلحة قوية نسبياً، بسبب عدم وجود مليشيات منافسة ومناوئة لها في ذلك الوقت، ساعد كثيراً جداً في حسم الأمور وتسهيل الإنتقال للنظام التالي. حيث أن جهاز أمن نميري بقيادة اللواء عمر محمد الطيب وقتها لم يكن قوة مسلحة وذات شوكة يمكنها أن تنافس القوات المسلحة. أما الفريق إبراهيم عبود عليه الرحمة فلم يكن لديه مثل ذلك الجهاز. فالقوات المسلحة استطاعت أن تحافظ على أجزاء الوطن المختلفة متماسكة، لتسلمه للنظام الجديد وطناً واحداً موحداً. وهذا في ظني موقف وطني وتاريخي كبير يحسب لها.
ث‌- عدم وجود دولة عميقة أو قوى مناوئة متخفية في دهاليز ودواليب الخدمة المدنية ومفاصل الدولة المختلفة، ساعد أيضاً وبصورة كبيرة على الإنتقال السريع والسلس. وذلك لأن كلاً من نظاميْ عبود وجعفر نميري لم يرتقِ خيالهما السياسي لصناعة مثل تلك الدولة أو القوى. 
كل تلك الأسباب مجتمعة هي ما ساعد على الإنتقال الآمن. ولكن وبكل أسف ما هو متوفر الآن عكس ما ذكر أعلاه تماماً، بإستثناء توافر الإجماع الوطني وضعف المشاريع الطائفية أو المذهبية أو العرقية، حتى الآن على الأقل. (حالة حميدتي – على الرغم من قبليتها – حالة خاصة، لا أعتقد أنه يمكن أن تتطور لمشروع متكامل، ذا أجندة مختلفة، يمثل مكوِّن أبناء الغرب، ويتطور للإنفصال، كما في حالة الراحل جون قرنق، لأسباب قد أفصلها في مقال قادم إن شاء الله). عليه أرى أن إحتمالات تكرر سيناريو الإنتقال الآمن ليست واردة، وقد تكون محفوفة بالكثير من المخاطر، وقد تطول فترة الإنتقال لعجز القوات المسلحة على الحسم السريع (بسبب ضعفها ووجود قوى أخرى مناوئة لها)، وتغلغل الدولة العميقة في مفاصل الدولة بصورة قوية نسبياً. ولكن ما يقلل من تأثير تلك القوى العميقة على مجرى الأحداث بعد سقوط نظام البشير هو أن إنتمائها أيديلوجي ومصلحي، وليس عرقي أو قبلي، وقد ضعفت تلك الآصرة الأيديلوجية بين مكوناتها كثيراً خلال السنوات الماضية، مما قد يخفف من تحديات الإنتقال بعد سقوط البشير. أيضاً تدخل العامل الخارجي لا أظنه سيكون بتلك الكثافة والقوة التي شهدناها في حالتي سوريا وليبيا، كما سأُفصِّل لاحقاً.
2- الفوضى من دون تدخلات خارجية كثيفة، على طريقة الصومال، وأفغانستان، ودولة جنوب السودان:
حدوث هذا السيناريو في تقديري وإنزلاق تلك الدول في آتون الحرب الأهلية مباشرة بعد سقوط الأنظمة التي كانت قائمة فيها نتج بصورة أساسية بسبب:
أ‌- الضعف الهيكلي والبنيوي لتلك الدول. فلم تتوافر تلك الدول على مؤسسات راسخة ومحترفة، مثل الجيش والشرطة والخدمة المدنية، قبل التغيير الذي عصف بها، تُسهِّل عملية الإنتقال، وتحافظ على كيان الدولة. فهي دول كانت تتسم بالبدائية والهشاشة منذ البداية، وأنظمة الحكم التي كانت قائمة فيها فشلت في إحداث نهضة ولو محدودة تساعد على ترسُّخ تلك الدول بصورة أو أخرى، كما أن الإنتماء للقبيلة فيها يتقدم على أي إنتماء آخر. 
ب‌- الموقع الجيو- سياسي لتلك الدول في الجغرافيا السياسية لخارطة الصراع الدولي والإقليمي غير مؤثر، كما أنها لا تتوافر على ثروات طبيعية يسيل لها لعاب الدول الكبرى، مما جعلها تتحول لأزمات إنسانية منسية طيلة سنوات طويلة، دون وجود تحركات جادة من المجتمع الدولي لإيقاف الإقتتال في تلك الدول.
حدوث هذا السيناريو في تلك الدول أغرقها في الفوضى، ولكنها فوضى غير متجاوزة للحدود، والقتال فيها يدور بين جنرالات حرب، يستقوي كل منهم بمكونه القبلي وقليل من الدعم الإقليمي. ومثل هذه الحروب بطبيعتها ستهدأ وتخبو نارها بعد فترة من الزمن نتيجة رهق وتعب القوى المتصارعة، وفشلهم في القضاء على بعضهم البعض، وتنتهي إلى حالة من الإستاتيكو وتقاسم للجغرافيا غير معلن. إحتمالات تكرر حدوث هذا السيناريو في السودان وارد، ولكن ما يضعف حدوثه أو يجعله أقل حدة هو وجود شكل من مؤسسات الدولة لازال باقياً في السودان، على الرغم من النتائج الكارثية لسياسة التمكين، بالإضافة لحالة من الوعي بالمخاطر والمهددات، والإجماع على التغيير بين سائر أفراد الشعب، والبروز المتوقع لحالة من الروح الوطنية تسري في جسد الشعب بعد الثورة، بالإضافة لبروز قيادات تفرزها الثورة يثق فيها الشعب، مع توفر للثقة المطلقة في القوات المسلحة، وكيف أن الشعب بمختلف فئاته سيمثل حاضنة شعبية لها في حال دخولها في أي نزاع مسلح مع أي جهة أو مليشيا أخرى. لكن بشرط ألا يطول أمد ذلكم الصراع، وألّا تتدخل فيه أطراف خارجية، لأنه في هذه الحالة سيسنتزف القوات المسلحة، ويمثل ضغطاً عليها وعلى الحالة الإقتصادية للبلد، مما سيحتم الإستقواء بقوة خارجية ستفرض أجنداتها بالتأكيد. 
3- الفوضى الشاملة، مع كثافة التدخلات خارجية، على طريقة سوريا وليبيا واليمن:
هذا السيناريو هو أكثرها دموية وفوضى وطول أمد، وتأثيراته على الجغرافيا والديمغرافيا كبير، ويدفع فاتورته جيل كامل غير محظوظ، مع إمتداد آثاره لأجيال لاحقة. وسأركز حديثي هنا حول النموذج السوري تحديداً، لأنه الأكثر كارثية ودموية والأكثر إستشهاداً وضرباً للمثل، مع التعرض بعجالة للنزاع في ليبيا واليمن. 
إسمحوا لي أن أبدأ تحليلي لهذا السيناريو بقولٍ قد يبدوا صادماً للبعض، وهو أن إحتمالات تكرر السيناريو السوري على وجه التحديد في بلدنا السودان، بل وفي أي بلدٍ آخرٍ، هو صفر في المائة. وكل من يقول بعكس ذلك هو شخص غير ملم بكل أبعاد وتفاصيل تلك الحرب التي دارت في سوريا طوال ثمان سنوات. وبالتالي لا يمكن إسقاط ما جرى في سوريا خلال السنوات الماضية على السودان بأي صورة من الصور، وذلك لأسباب كثيرة يصعب حصرها، لأن الحرب التي دارت رحاها في سوريا لمدة ثمان سنوات، بدأت كحراك داخلي محدود لأهداف داخلية بحتة، ولكنه سرعان ما تدخَّل و تداخل فيه الإقليمي والدولي، ليصبح نزاعاً دولياً بإمتياز، تصارعت فيه القوى الدولية الكبرى (الولايات المتحدة - روسيا) وتوابعهما، بالوكالة تارة وبالأصالة تارة أخرى، لأهداف جيو- استراتيجية تتعلق بالهيمنة على المنطقة وعلى العالم، ولم تكن إطلاقاً حرباً لتخليص الشعب السوري من جلاده. كما أن تلك الدول الكبرى لا يمكن أن تتدخل في أي حرب، وبمثل تلك الكثافة، إلا لأسباب تخصها هي بالمقام الأول، تتعلق بمصالحها أولاً وأخيراً، وليس لنصرة هذا الشعب أو ذاك النظام، لأن الدول الكبرى ليست جمعيات خيرية، وإذا أحست أن المعركة لا ناقة لها فيها ولا جمل لن تتدخل، ولن تعيرها أي إهتمام، وستقف متفرجة على الأحداث، وما حدث في رواندا من مجازر بين الهوتو والتوتسي، في تسعينات القرن المنصرم، يؤكد ذلكم الطرح، حيث وقفت الدول الكبرى متفرجة كأن ما يحدث هو في كوكب المريخ. أما الأسباب التي جعلت الحرب في سوريا تأخذ هذا المنحى الدولي في ظني هي:
أ‌- بالنسبة لأمريكا: سوريا لازالت تعتبر نفسها في حالة صراع مع الإسرائيلي، وجيشها لازال يعتبر إسرائيل هي العدو، كما أن سوريا جزء من محور المقاومة، وبالتالي كان لابد لأمريكا من التدخل لإسقاط ذلكم البلد وإسقاط جيشه، كما فعلت بجيش العراق، لأن أمن إسرائيل بالنسبة لها مقدم على ما عداه في منطقة الشرق الأوسط. 
ب‌- بالنسبة لروسيا: الموقع الجيو- سياسي الهام لسوريا، فهي تقع في طريق خطوط نقل الغاز من غرب آسيا إلى أوروبا عبر المتوسط، ما قد يحرر أوروبا من هيمنة الغاز الروسي عليها، كما أنها تعتبر آخر منفذ لروسيا للوصول للمياه الدافئة في البحر المتوسط، وسقوطها بيد الغرب يحاصر روسيا ويبعدها عن الممرات المائية العالمية الهامة، خصوصاً بعد تمدد الناتو في دول أوروبا الشرقية، كما أن نسبة مقدرة من المسلحين الذين شاركوا في الحرب السورية ينحدرون من الشيشان ودول الإتحاد السوفييتي السابق، مما يشكل تهديداً أمنيا لا يمكن لروسيا التعايش معه إذا كتب له الاستقرار في سوريا. لكل تلك الأسباب وغيرها تدخلت روسيا في الحرب في سوريا، ولم تتدخل قبلها في اليوغسلافيا أو جورجيا أو أوكرانيا. خصوصاً بعدما تيقنت أن الولايات المتحدة، التي تنسحب من العراق وأفغانستان، لا يمكن لها أن تخوض حرباً جديدة في منطقة الشرق الأوسط.
ت‌- بالنسبة للصين: سوريا تقع في طريق التجارة العالمية لأوربا، والصين تريد إحياء طريق الحرير مرة أخرى، لذا كان لابد للصين من إبعاد سوريا عن هيمنة الغرب الطامح لفرملة النمو الاقتصادي المتسارع لها، فضلاً عن المقاتلين الإيغور الذين تشكل عودتهم للصين مرة أخرى تهديداً أمنياً خطيراً عليها. كل تلك الأسباب تفسر لماذا إستخدمت الصين الفيتو لأول مرة في تاريخها لصالح سوريا في قضية دولية بعيدة عن إقليم التبت منذ أن أعطيت هذا الحق في مجلس الأمن بعد الحرب العالمية الثانية.
ث‌- بالنسبة لإيران وبقية قوى محور المقاومة: سوريا جزء أصيل من هذا المحور، ولا يمكن لهذا المحور أن يتخلى عن سوريا أبداً، لأنها الرابط البري بين قوى هذا المحور، وسقوطها سيقطع التواصل الجغرافي بين مكوناته المختلفة.
ج‌- بالنسبة لمحور تركيا – قطر: هذا المحور يمثل التنظيم الدولي للأخوان المسلمين، والذي كان يُمَنِّي النفس بعودة الخلافة العثمانية مرة أخرى، في شكل كيان كونفدرالي، تتصل فيه حكومات دول المنطقة التي يحكمها تنظيم الأخوان المسلمين مع تركيا أردوغان في إسطنبول. لأن الأخوان المسلمين ظنوا أن فرصتهم لحكم الدول العربية، خصوصاً مصر وسوريا، قد حانت بعد إندلاع ما عرف بالربيع العربي في المنطقة. وكان الإستيلاء على سوريا هو أهم خطوة في مشروعهم، بسبب الحدود الجغرافية المفتوحة والمتصلة مع تركيا. لذا كان هذا المحور الأكثر تدخلاً وتأثيراً في الحرب في سوريا. وقد اعترف حمد بن جاسم رئيس وزراء قطر السابق بأن قطر وحدها دعمت المسلحين، خصوصاً جبهة النصرة، في سوريا ب 37 مليار دولار!!؟. يضاف إلى ذلك رغبة قطر في تمديد خطوط غازها إلى أوروبا كما أشرت آنفاً، سيما وأن بشار الأسد كان قد وقف حجر عثرة أمام هذه الرغبة.
ح‌- بالنسبة للسعودية: السبب بسيط، وهو مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، وإسقاط أهم دولة عربية متحالفة مع إيران.
خ‌- بالنسبة لأوروبا (فرنسا - ألمانيا تحديداً): التحرر من هيمنة الغاز الروسي، والمشاركة في حفظ أمن إسرائيل. 
كل تلك الأسباب مجتمعة جعلت الحرب في سوريا حرباً دولية بإمتياز، ولا يمكن لهذه الحرب أن تتكرر في أي مكان آخر في العالم فضلاً عن السودان. لأن الموقع الجيو-السياسي لسوريا في خارطة الصراع الدولية لا يمكن أن يتوافر لأي بقعة جغرافية أخرى في العالم، خاصة وأن السودان من حيث أهميته الإستراتيجية وتأثيره في الأحداث كان يصنف دوماً من قبل الغرب كجزء من دول القرن الأفريقي، وليس من دول الشرق الأوسط. كما أنه لا يمكن لتلك الدول أو أجهزة مخابراتها أن تكرر ذلكم الجهد (العسكري - المالي - الإستخباراتي - الإعلامي - الدبلوماسي) الجبار الذي بذلته في تلك الحرب. وهذا وحده ما يفسر إستمرار الحرب لمدة 8 سنوات. فالجميع أصيب بالرهق والملل، وبالتالي ليس من المعقول أو المتصور أن تدفع الدول الخليجية مثلاً مرة أخرى في السودان ما دفعته من أموال في سوريا، دفاعاً أو تمكيناً لأي جهة أو تنظيم أياً كان.
أما النزاعات في ليبيا واليمن فهي نزاعات إقليمية وليست محلية أو دولية. ففي ليبيا النزاع منحصر بين محور دول الإعتدال (السعودية – الإمارات – مصر – البحرين) من جهة، ومحور الإخوان المسلمين (تركيا – قطر) من جهة أخرى. أما في اليمن فالنزاع بين محور السعودية ومحور إيران، لأسباب إقليمية تتعلق بالهيمنة على الإقليم، وبالتالي أيضاً لا يمكن تكرارها في السودان، لأن نظام البشير حالياً لا يمكن حسابه ضمن أي محور إقليمي.
خاتمة:
القول بأن بقاء نظام البشير، بكل ما هو عليه من سوءات ومثالب، يحفظ الاستقرار في السودان، هو في نظري قول فطير وغير صحيح، حتى ولو لم تندلع في البلد أيِّ ثورة تؤدي لإقتلاعه. لأن التاريخ يعلمنا أن إستمرار مثل هذه الأنظمة يؤدي لتراكم المظالم الاجتماعية والطبقية، مما يقود إلى الإحتقان الذي يعقبه الإنفجار الحتمي في صورة غير منظمة ولا منضبطة، كثورات الجياع والفلتان الأمني والإقتتال العرقي والطبقي. لذا من الأفضل لشعب السودان أن يصنع ثورته بنفسه، ويتصدى لعملية التغيير بيده لا بيد عمرو، تحت لافتات وطنية، تُجمِّع ولا تُفرِّق، يقودها الوطنيون المخلصون من أبنائه، الواعون بمخاطر اللحظة وتجارب الآخرين، فيستطيعون بذلك تقليل الثمن الباهظ لفاتورة التغيير إلى حدها الأدنى ما أمكن، والسيطرة على مجريات الأحداث، حتى لا تنزلق إلى ما لا يحمد عقباه. أما الهروب من التغيير وتأخير الإصلاح، ودفن الرؤوس في الرمال وإنتظار الفرج من السماء، فلن يؤدي في ظني إلا إلى صعوبة الإصلاح فيما بعد، ومضاعفة الكوارث وتعاظم المصائب والمحن على بلادنا الحبيبة.. والسلام.
علي مالك عثمان
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1834

خدمات المحتوى


التعليقات
#1810668 [عمر عثمان]
0.00/5 (0 صوت)

01-16-2019 12:19 AM
ربنا يحفظ البلاد والعباد
ماهى الحلول


علي مالك عثمان
علي مالك عثمان

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة