المقالات
السياسة
سياسة الاسلام السياسي المزدوجة في التمكين والاقصاء وتقسيم السودان لفسطاطين – سيناريو لروندا أخرى
سياسة الاسلام السياسي المزدوجة في التمكين والاقصاء وتقسيم السودان لفسطاطين – سيناريو لروندا أخرى
01-15-2019 06:50 PM

د. أحمد حمودة حامد فضل الله

مقدمة:
منذ اليوم الاول لانقلابها على النظام النيابي الذي كان قائما في السودان عام 1989, تبنت حركة الاسلام السياسي السودانية بزعامة حسن الترابي استراتيجية مزدوجة لتثبيت اركان النظام الانقلابي الجديد قامت على محورين: التمكين لكوادرها وإقصاء الآخر. وعبر ثلاث عقود من التمكين لهم واقصاء الآخرين, انفجر الغضب مؤخرا ليكشف للعالم أن السودان قد انقسم فعلا لفسطاطسن: فسطاط التمكين الذي ينعم بالثروة والسلطة والجاه والقوة والتعليم, وفسطاط بقية الشعب السوداني الذين تم اقصاؤهم وانتهبت ثرواتهم واهدرت كرامتهم وصودرت حريتاهم , ذلك الكم الجمعي العريض الذي اسقطته الانقاذ من حساباتها تماماً على مدى ثلاثين عاما وتركته نهشا للجوع والمرض والجهل والمسغبة. ثورة السودانين اليوم تفجرت من براكين الغضب الذي ظل يفور في صدور المهمشين والمقهورين والمظلومين ضد النظام ونخبته المستأثرة بكل شيء وسياساته الاقصائية التي لا تقيم للوطن حرمة ولا ترعى للمواطن حقاً. فقد ادركت جموع السودانيين التي ظلت صابرة لثلاث عقود آملة في ان يرشد القوم وان ينصلح الحال مؤمنة محتسبة, أدركت ان النظام القائم وسياساته هي عمليا حكم بالاعدام البطئ عليهم جميعاً,* ولذلك خرجت الجماهير غير مبالية بالموت الذي تدرك انه منتظرها على ايدي السفاحين وحال لسانهم يقول: "اذا لم يكن من الموت بد فمن العار ان تموت جبانا". وهذا ما نراه اليوم: شباب يتحدون آلة الموت بصدور عارية وقلوب ثابتة وشجاعة ادخلت الرعب في قلوب الجلادين. وبدلا من ان يثوب اهل الحكم الى رشدهم ويعترفون بالخطأ والظلم الذي ارتكبوه بحق الوطن والمواطنين, نراهم يلوحون باطلاق مليشياتهم وكتائبهم السرية ويحشدون قبيلهم وشيعهم المنتفعين الذين اثروا وشبعوا وتنعموا وتعلموا وسادوا على اجساد وتجويع ومسغبة وإفقار وتجهيل بقية الشعب. هذا الاستقطاب الخطير يعيد الى الاذهان تجربة رواندا الرهيبة في تسعينات القرن الماضي بين فسطاطي التوتسي والهوتو والتي راح ضحيتها اكثر من 800 الف شخص في غضون اربعة اشهر فجرتها مشاعراالغضب والغبن والكراهية بين الجانبين تماما كما هو الحال الآن في السودان.**
سياية التمكين:
سياسة التمكين كانت هي استراتيجية اعدتها مسبقا الحركة الاسلامية جاهزة للتطبيق العملي فور تسلمهم مقاليد السلطة في السودان , قضت بتمكين كوادر الجبهة الاسلامية من مؤسسات الدولة والهيمنة عليها مع اقصاء وابعاد الآخرين. دخلت سياسة التمكين التطبيق العملي منذ اليوم الأول الذي استولى فيه الاسلاميون على السلطة دونما ادنى اعتبار لمعايير الكفاءة والخبرة والنزاهة والاستقامة التتي تتطلبها شغل الوظيفة العامة. طال الفصل والاعتقال والتشريد من كانوا يشغلون هذه الوظائف العامة فيما عرف بسياسة "الاحالة للصالح العام"واحلالهم بالكوادر الجديدة. تجدر الاشارة الى ان كوادر الجبهة الاسلاميية اتت من قاع المجتمع ولم يكن لها اي دراية بفنون الحكم والأدراة وعلوم الاقتصاد والسياسة, بل كان المؤهل الأوحد هو الولاء للجماعة والطاعة العمياء لموجهات المشروع الحضاري. والآن وبعد ثلاثين عاما من الممارسة العشوائية انهارت مؤسسات الدولة الادارية والاقتصادية ومنظومة المؤسسات الخدمية في الصحة والتعليم وخدمات المياه والكهرباء والمواصلات والبريد والاتصالات السلكسة واللاسلكية وغيرها , بعد ان تم تسليعها وتمليكها لكوادرهم فيما عرف ببرنامج الخصخصة كاحدى تجليات سياسة التمكين.**
لم تكن سياسة التمكين سياسة غوغائية عشوائية جائرة فحسب, بل قلبت النواميس الكونية في السودان رأسا على عقب حين رفعت الجهلاء وانصاف المتعلمين وذوي العاهات والعاطلين عن الملكات ووضعت* الحكماء والعلماء والنجباء والمستقيمين. قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر:49]ز وقال: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ) [السجدة:7]. ان كل ما في الكون خلقه الله سبحانه وتعالى بالقسطاس المستقيم وفي احكام شديد كل شيء في مكانه يؤدي وظيفته التي قدرها الله سبحانه في احسن تقدير, من ترليونات المجرات الامتناهية المنتثرة بانتظام دقيق في الفضاء الي الذرة والنواة لا متناهية الدقة. هذا النسيج الكوني العظيم المحكم هو ما أقسم به الله تعالى: "(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) [الذاريات: 7]" أي في ترابط محكم شديد بين جميع مكوناتها‏ في اتساق دقيق، من أدق مكوناتها في داخل النواة والذرة‏، إلى وحداتها الكبرى وهي المجرات العظمى وتكويناتها الامتناهية. وأكد سبحانه ذلك الاتساق وان كل شئء له دور ومجال محدد "فلك" قدره الله سبحانه . جاء في محكم التنزيل: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء 33]. و (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [سورة فاطر: 41] فكل القوى الكونية تعمل وفقا ً للحدود والادوار التي قدرها الله (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان:2]. هذه سنن كونية ازلية ومنها وضع كل شئ في نصابه ومكانه الصحيح. سياسة التمكين التي انتهجها حركيو الاسلام السياسي في السودان تسير عكس هذه النواميس الكونية المعروفة بوضع العاجز مكان المقتدر, وتولية الجاهل على العالم, ورفع الوضيع ووضع الرفيع, فلا غرابة ان انطمست الحقيقة وضاع الحق وامتنهت الفضيلة في هذا البلد المنكوب ببنيه.. فكان لابد ان تختلط الامور في السودان حابلها بنابلها وينفرط العقد وتتداعى الامور وتنهار الدولة. فمن المعلوم في نظرية التوازن* Equilibriumان اي خلل في اي من مكونات الجسم يؤدي الى اختلال كل المنظومة وتداعيها وفسادها. حين مكن لمن لا همّ لهم الا اشباع النزوات والغرائز وشهوات البطن والفرج, نسوا الوطن والمواطنين, وتنكروا للمشروع الذي بشروا به , بل حادوا عن الحق والفضيلة والاخلاق وطفقوا يكنزون المال والذهب والفضة والخيل المسومة ومن النساء مثنى وثلاث ورباع , بل ويظلمون ويقتلون وينهبون ويفسدون. فتبخر المشروع وضاع السودان وجاع اهل لاالسودان.*
سياسة الاقصاء:
بمحازاة سياسة التمكين وانفاذا لها تبنت حركة الاسلام السياسي في السودان استراتيجية منهجية قامت على اقصاء كل من لا ينتمي اليها من كل اطياف وطبقات ومكونات الشعب السوداني. استهدفت اول من استهدفت اقصاء الطبقة المستنيرة من السودانيين ممن لا ينتمون للفكر الاسلامي الاصولي وبخاصة اساتذة الجامعات والمهنيين من أطباء ومهندسين وقضاة وديبلوماسيين وصحفيين وغيرهم من ذوي الكفاءات . بدأت سياسة الاقصاء منذ اليوم الاول لمجئ الاسلامويين للحكم بما عرف بسياسة "الاحالة للصالح العام" والتي بها تم فصل عشرات الالاف من المهنيين من وظائفهم تعسفا ودو ابداء اية اسباب للفصل. تورد الشواهد قوائم معدة سلفا لمن تم فصلهم , مثلا في جامعة الجزيرة تم فصل اكثر من مائة وعشرين استاذا من اساتذة الجامعة المخضرمين بجرة قلم في يوم واحد. واحيل مئات الضباط من الخدمة العسكرية وتمت على مدار السنين غربلة القوات النظامية باستمرار واحالة كل من يشك في ولائه للنظام الى المعاش* حتى صارت القوات النظامية في نهاية المطاف كلها مؤدلجة تماما تتبع فكر التنظيم ما افقدها صفة القومية والمهنية فصارت حقيقة لا تختلف كثيرا عن الميليشيات الاخرى التي تدافع عن النظام.*
شملت سياسة الاقصاء ايضا حرمان من لا ينتمي للحركة الاسلامية من الالتحاق يالجامعات السودانية العريقة او فرض جزية باهظة على من يدخلها من ابناء المقتدرين والمغتربين من غير المنتمين, والتلاعب بالامتحانات وبنتائج القبول للجامعات السودانية تمييزا ضد غير المنتمين لصالح المنتمين. وكانت فضيحة الطلاب الاردنيين المقبولين للجامعات السودانية وكشف الامتحانات لهم وكشف الامتحانات المتكرر خير دليل. ليس هذا فحسب, بل هناك التمييز في الممارسة في داخل الجامعات وفي نتائج الامتحانات. فقد اشتكى احد الطلاب لابن خاله انه ربت مرتين ودراسته متعثرة فنصحه ابن خالته الا يتعب نفسه كثيرا وان ينضم الى المؤتمر الوطني فتسلك دراسته ويتخرج دون مشاكل , بل وسيجد الوظيفة جاهزة امامه. من ضمن سياسات الاقصاء المعروفة حرمان من لا ينتمي للمؤتمر الوطن من السكن الذي هو تحت اشراف صندوق سكن الطلاب , صندوق سكن الطلاب هو جسم سياسي منوط به تسخير امكانيات الصندوق التي هي من حر مال السودانيين تسخيرها لتجنيد الطلاب لعضوية المؤتمر الوطني مقايضة الانتماء بتوفير* السكن والاعاشة واقصاء من يرفض المساومة. وفي نهاية المطاف, لا يجد الخريجون ممن لا ينتمون للمؤتمر الوطني التوظيف بعد تخرجهم, فنجد الكثير منهم يتجهون للاعمال الهامشية مثل قيادة الرقشات والطبالي والعمل اليدوي في البناء والتشييد وغيرها.*
سياسات الاقصاء شملت كل المرافق والانشطة بلا استثناء: من الوظائف رخص التجارة , العطاءات , المقاولات, بحرمان غير المنتمين وتمكين المنتمين للمؤتمر الوطني والحركة الاسلامية.*
من ركائز سياسة الاقصاء – بجانب ايدلوجيا الفكر الاسلامي الاصولي - تصنيف المواطنين على اسس عرقية ومناطقية: عروبية في مقابل افريقية , ومركز مقابل الهامش , وعليه فقد استهدفت سياسة الاقصاء ايضا ممن هم خارج منظومة عرب المركز حتى مع انتمائهم الفكري للحركة الاسلامية. وهذا ما قاد في جوهره الى الانشقاق الخطير في رمضان 1999 في صف الحركة الاسلامية بين جناحي الترابي (وميلاد حزب المؤتمر الشعبي) وجناح البشير (وميلاد حزب المؤتمر الوطني), حيث اصطف الى جانب الشيخ الترابي غالبية ممن طالهم الاقصاء من ابناء الهامش مع عروبتهم واسلامهم الحركي, وحج مع البشير الى القصر ابناء المركز العروبيين من المتأسلمين. ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم, والمؤتمر الوطني الحزب الوليد من انشاق الحركة الاسلامية ممسك بمقاليد السلطة والثروة واقصاء الاخرين بمن فيهم المؤتمر الشعبي التوأم الاسلامي والعدو السياسي للمؤتمر الوطني.*
استئثار حزب المؤتمر الوطني بالسلطة والثروة وتجيير كل مؤسسات الدولة لتمتين وواستمرارية هيمنة دولة السودان العمبقة ليس امرا جديدا. اذ كانت هذه هي جوهر المشكل السوداني منذ الاستقلال عام 1954, التي حمل من حمل السلام لمقاومتها. فقد قامت حركة تحرير السودان بقيادة جون قرن اساسا لاصلاح هذا الاعوجاج في بنية الدولة السودانية لتقوم على المساواة وتكافؤ الفرص لكل السودانيين. وما قامت حركات التحررفي دار فور وجبال النوبة والانقسنا الا لمواجهة جور المركز وهيمنته على مفاصل السلطة ومفاتيح الثروة مع تهميش واقصاء بقية مكونات واقاليم السودان الاخرى.*
نتائج سياسة التمكين والاقصاء المزدوجة وحدة الاستقطاب في المجتمع السوداني:
استدعت سياسة الاقصاء التي طالت غالب مكونات الشعب السوداني بالضرورة حراسة الدولة العميقة بالقوة الضاربة, خاصة وان هم الدولة العميقة لم يضع السودان كوطن والمواطنين في اهتماماته , بل انصب اهتمام النخبة المتحكمة على كسب الغنائم من المال والجاه والسلطان واستباحة الحق العام في اقبح واشنع صور الاستباحة والسطو على مقدرات الشعب وثروات البلاد حتى صار الفساد دولة داخل دولة الحركة الاسلامية السودانية , فساد مؤسسي تقوم عليه الدولة تحميه ويحميها من جحافل الذين افقرتهم وباعتهم في اسواق النخاسة.* حق على حكومة السودان تسميتها بجدارة حكومة لصوص الاسلام السياسي او The Kleptocracy of Political Islam* اذ استخدمت العاطفة الدينية لتبرير مشروعها الذي عن طريقه افقرت شعب البلد الغني جدا بموارده وجوعت شعب البلد الذي كان يعول عليه ليكون سلة غذاء عالمي لاطعام الناس على كوكب الارض وليس السودان فقط. كما كتب احد الكتاب مستغربا لهذه المفارقة التي تندرج في عداد الا معقول حين يقول: لأن يجوع السودانيون فهذه ثامن عجائب الدنيا (اضافة للسبع المعلومات).*
سياسة التمكين لجماعة الحركة الاسلامية واقصاء كل مكونات المجتمع السوداني الاخرى, وضياع حقوق الشعب ومقدراته وثرواته استدعىت تحصين الدولة المنفصمة عن شعبها بخلق قوة ضاربة من ترسانة العتاد الحربي والمرتزقة الداخليين والخارجيين والصرف عليها من مال الشعب المستباح ,* حتى بلغت مخصصات الامن (الجيش, الشرطة, الامن, الدعم السريع, الامن الشعبي, الدفاع الشعبي) ان تأكل ما يربو على 78% من ميزانية الدولة. هذا الصرف الضخم على مؤسسات لا هي انتاجية تزيد في الدخل القومي ولا هي خدمية تضيف الى الكم النوعي في الانتاج, بل عالة على المواطنين يصرفون عليها لمدي ثلاثين عاما هذا لوحده كفيل بانهيار الاقتصاد وانهيار مؤسسات الدولة الاخرى. هذه القوة الضاربة لم توجه للاعداء ولا للكفار, بل لحماية دولة التمكين والفساد, تم توجيهها للبطش بالمواطنين والتنكيل بهم حين يخرجون مطالبين بحقوقهم المشروعة حتى تأججت الحروب في شرق البلاد وغربها , شمالها وجنوبها (حتى قيض له ان ينفصل).*
الحروب الاهلية المستمرة في السودان منذ الاستقلال ما هي الا دليل واضح على خلل بنيوي في تركيبة الدولة السودانية يستدعي جراحة عميقة لاستئصال الورم الخبيث الغائر في الصميم. لكن حكومات المركز لا تريد اجراء هذه الجراحة العميقة , بل تريد الابقاء على موازين القوى كما هي* لصالحها في كل الاحوال. ولذلك ظلت تستقطب بعض العناصر من الهوامش بعد ان تم افقارهم بطريقة منهجية مدروسة كنوع من الديكور والتغبيش وليشكلوا العمود الفقري للقوة الباطشة التي يتكئ عليها النظام لحماية نفسه من غضبة الشعب, لكن حروب المركز ضد الهوامش استمرت بلا هوداة معطلة الانتاج مما زاد في تعميق المشكلة الاقتصادية العميقة اصلا. استمر هذا الحال والصرف الفلكي على انظمة البطس وألة القمع لمدى ثلاثين عاما لحراسة النظام الفاسد في الخرطوم من جحافل المظلومين في هوامش البلاد كانت النتيجة الحتمية ان انهار الاقتصاد نتيجة لهذا التراكم الطويل من الازمات السياسية والاحتقان الذي اساسه نظام فاسد ظالم بتحكم في مصير البلاد لمجموعة من المغامرين والفاسدين والتجار احكموا سيطرتهم على البلد وثرواته لمصالحهم الشخصية وافقروا بقية الشعب وجوعوه واذلوه وانتهكوا حرماته.*
وحين انهار الاقتصاد, لم يعد بامكان اي شخص لا ينتمي لمعسكر المجموعة المتحكمة ان يعييش حياة طبيعية كريمة في حدها الادنى, طال هذا الوضع قطاعات واسعة من الشعب السوداني شمل كل الموظفين والمزارعين والعمال وصغار التجار والمهنيين والمعلمين والعسكريين بالاضافة بالطبع لأهل الهامش الذين ذاقوا الامرين: الظلم والتهميش والحروب. لم يعد هناك طبقة وسطى في السودان فقد لحقت هذه بالطبقات المسحوقة , فهناك طبقتان: طبقة اهل الحكم وحاشيتهم المنتفعين, وطبقة الشعب بكل مكوناتها واطيافها العريضة التي تم افقارها تماما واستباحة حقوقها في الحياة والعيش الكريم.
المشهد الان وثورة ديسمبر:
ثورة سبتمبر هي نتيجة طبيعية لتراكم عقود من الفشل السياسي للنخب المتحكمة في السودان , الفشل الذريع في ايجاد حل سياسي لمشكلة الخلل البنيوي في تركيبة الدولة السودانية. هذا الفشل السياسي وما نتج عنه من حراسة الدولة العميقة المنفصمة عن شعبها والفاقدة للشرعية بقوة السلاح ضد الشعب لعقود من الزمان قاد الى حتمية الانهيار الاقتصادي الماثل. الانهيار الاقتصادي لا يفرق بين اهل المركز وأهل الهامش, ولا بين الانتماء العربي او الافريقي, ولا بين ناس دار فور وناس الخرطوم . بل يلحقهم جميعا. وحين خرجت الجماهير الحاشدة وحّدها ضنك العيش وحياة الذل والفاقة وبخاصة الشباب الذين رأوا انه قد سدت امامهم كل الابواب ولا امل لهم تحت هذا النظام في مستقبل يحلموتنبه. تلك الجموع التي تم اقصاؤها لعقود ثارت مطالبة بالحرية واساسيات الحياة لكنها اكتشفت ايضا في هذه اللحظة التاريخية ان لهم عدوا مشتركا هو النظام القائم واستئئثاره وتمكنه من ثروات البلاد واقصائه لهم جميعا وهو السبب في بلواتهم وشقائهم وافقارهم وتجويعهم , بل اكتشفوا الالاعيب الخبيثة التي ما فتئء يحاول بها شق صفوفهم بالصاق تهمة الثورة على ابناء دار فور, حينا, فجاء رد الثوار صاعقا لأزلام الحكومة التي ظلت تلعب على حبال القبلية والعنصرية , حيث جاء الرد : "يا عنصري يا مغرور كل البلد دار فور". وحين فشلت محاولة شق صف الثوار باستخدام وتر القبلية والعنصرية, لجأ النظام الي التخوين والقاء التهمة على البعثيين والاشتراكيين والشيوعيين في محاولة يائسة لشق صف الثورة باستخدام قاموس الايديولوجيا في ذات اللحظة التي يصطف فيها اهل القبلة من معتدلي الاسلام جنبا الى جنب اخوانه الثوار من البعثيين واللبراليين والشيوعيين* والجمهوريين والناصريين يدا واحدة ضد متاسلمي الحركة الاسلامية الذين اكتشف السودانيون زيف شعاراتهم الدينية وما هي الا قناع لاخفاء طبيعتهم الحقيقية لاشباع شهواتهم الدنيوية من حب المال وشهوات البطن والفرج فعاثوا في ارض السودان فسادا وظلما واستباحة وترويعا وبطشا وارتكابا لكل الموبقات التي لا يقرها شرع ولا دين ولا أخلاق.*
المظالم التي وقعت على جموع الشعب السوداني وحدتهم بصورة تلقائية حين اشتعلت شرارة الثورة في عطبرة وحدتهم في جبهة واحدة – من اليمين الى اليسار, التقى المركز والهامش, العربي والافريقي رجالا ونساء, شيبا وشبابا , الاطباء والطلاب والتجار والنجارين, من عطبرة الى نيالا وبورتسودان والابيض والقضارف ومدني – يدا واحدة ضد الجهة التي سامتهم سوء العذاب من الظلم والحيف والاستهتار والاستفزاز وذل مهانة الحاجة التي مارستها عليهم حكومة الانقاذ على مدى ثلاثين عاما.*
تتضح الصورة الان ان الشعب السوداني في جموع كياناته الاثنية والمناطقية والمهنية وتنظيماته السياسية والفئوية ومذاهبه الدينية ومثقفوه واولئك الذين في المهاجريقفون كلهم في خندق واحد ضد النظام القائم ومنسوبيه والمنتفعين منه ومليشياته وعتاده وألته القمعية التي حشدها لحراسته من غضبة الشعب الذي خرج غاضباً اليوم مطالبا برحيل النظام. فهل يعترف االظالمون بظلمهم ويردون امانة البلاد االتي اغتصبوها في انقلابهم المشؤوم الى اهلها الشعب السوداني , ام سيسدرون في غيهم وضلالهم ابعد من ذلك ويدخلون في مواجهة مفتوحة مع الشعب الذي حزم امره وآل على نفسه الا يرجع من منتصف الطريق بل سيخوضها حتي النهاية وله احدى الحسنيين: اما النصر او الشهادة اذ لم يعد للناس من شيئ يخشون عليه اما حياة بكرامة او موت بكرامة.
سيناريو رواندا المرعب:
نحذر من تكرار تجربة رواندا المرعبة التي دارت بين فسطاطي التوتسي والهوتو عام 1994 والتي راح ضحيتها ما يربو على 800 الف قضوا في حرب الكراهية اللعينة , لم ينج منها* حتى الاطفال والشيوخ والنساء , بل قتل الصديق صديقه والرجل زوجته من الطرف الآخر. هناك أوجه شبه عدة بين ما كان في رواندا وما هو صائرالآن في السودان: مجموعة صغيرة متحكمة في كل شئ وفي مصير العباد والبلاد لا همّ لهم الا اكتناز الثروات وبهرج الدنيا والجاه والسلطان في مقابل الكم العريض من بقية الشعب المستاح حقوقه وثرواته وكرامته المسحوق بالفقر والفاقة وشظف العيش. ان للنفس البشرية حدودا للصبر والتحمل اذا ما تجاوزتها تولد مشاعر الظلم والاذلال والعدوان الكراهية والغبن الذي لا محالة يتفجر براكين غضب ثائر يدمر كل شيئ. الانسان مخلوق كريم كرمه الله سبحانه وتعالى جاء في محكم تنزيله "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثيير ممن خلقنا تفضيلا" (صدق الله العظيم). وقال عمر ؤضي الله عنه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم اماتهم احرارا؟" ننصح القائمين على امر الحكم في السودان بان يثوبوا الى الحق ويعترفوا بالاخطاء التي ارتكبوها في حق الوطن والمواطنين وقبل ذلك في حق انفسهم واسرهم, فالرجوع الى الحق فضيلة. والا ينجروا الى ما يقوله لهم "سادتهم وكبراؤهم" هؤلاء الذين يوردونهم موارد التهلكة في الدنيا ولأخرة. فقتل الناس الابرياء الذين خرجوا مطالبين بحقوقهم المشروعة في الحرية والكرامة لشيء شنيع تهتز من هوله السموات والارض , بل هو يزيد الغبن والكراهية ويؤجج الفتنة التي اذا ما وقعت فسوف لن تبقي ولن تذر.
اللهم احفظ السودان واهله من كل شر يا كريم يا مجيب الدعاء.*

[email protected]
الاثنين 14 يناير 2019





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 933

خدمات المحتوى


التعليقات
#1810805 [Hamid Dr. Fadlalla]
0.00/5 (0 صوت)

01-16-2019 01:55 PM
هل اسم الكاتب :
د. أحمد حمودة حامد فضل الله، هو الأسم الصحيح، ام تم ضم أسمي ( حامد فضل الله ) سهواً؟

تحياتي للكاتب وهيئة التحرير.

حامد فضل الله \ برلين


ردود على Hamid Dr. Fadlalla
Ukraine [Dr. Ahmed Hamoda] 01-20-2019 07:42 PM
السلام عليكم يا دكتور حامد فضل الله . ان شا الله تكون والاسرة الكريمة بخير في المانيا. تعم اسمي احمد حموده حامذ فضل الله . انا الحقيقة اعرفك رغم اننا لم نتقابل. عرفتك من خلال د. كمال عبد القادر استشاري الجراحة عندنا هنا بمشتشفي الهيئة الملكية في السعودية لما حكيت ليه اني أقرأ مقالاتك الرائعة. ومنه عرفت انك خاله وتونسنا عن الاهل والمعارف في الابيض زي ناس شاحوطي وغيرهم. ارجو ان تكون هذه سانحة لاستعراض شريط ذكريات الصبا الجملية في السودان الحبيب. ارجو ان نتواصل اكثر ان شاء الله , مع خالص الامنيات لكم بدوام الصحة والسعادة .


#1810677 [Ibrahim Abdullah]
0.00/5 (0 صوت)

01-16-2019 03:06 AM
كان يمكن أن يكون مقالك مثاليا متماشيا مع متطلبات المرحلة الحرجة لثورة الشباب السوداني من كل أطياف المجتمع السوداني العظيم لولا انك ادخلت فيها المنطق البغيض (العروبي ) (والإفريقي).كانت غالبية كوادر الجبهة القوميه الاسلاميه الناشطه التي قامت بانقلاب يونيو 1989 من دارفور بدءا بالترابي وعلي الحاج ومحمد الأمين خليفه وإبراهيم السنوسي وخليل إبراهيم قائد كتائب المجاهدين حتي عام 1999وحبيب مختوم واحمد هارون والكثيرون الذين لا يسمح المجال لذكرهم .كما يشترك في هذه الانتفاضة كل ألوان الطيف العرقي السوداني دون فرز كما نقول نحن السودانيون
حتي لا أفهم خطأ انا من أوائل
ضحايا التمكين بالخصخصه علي ثلاثه مراحل أولها عام 1993 من مدير عام مؤسسه عامه


ردود على Ibrahim Abdullah
United Kingdom [Simpa] 01-17-2019 12:34 AM
ضربنى وبكى سبقنى واشتكى

United Kingdom [Simpa] 01-17-2019 12:32 AM
ضربنى وبكى سبقنى اشتكى
كما انه هو نفسه جزء من الاسلام السياسي لاستشهاده بالقران لاثبات
اراءه السياسية


د. أحمد حمودة حامد فضل الله
د. أحمد حمودة حامد فضل الله

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة