المقالات
السياسة
موائد الثوار: عوج الدرب
موائد الثوار: عوج الدرب
01-21-2019 05:43 PM



لمس منظر موائد الثوار هذه الأيام تخرج من بيوت عضها نظام الإنقاذ بنابه الأزرق شغاف القلوب وأدمعت عيون. فلم يخلق بعد النظام الذي يرفع عنا حرج السهر على الضيف حتى لو بقينا منه على الجلد. فالجود قطعاً في الجلود. فحتى حسن أحمد البشير تعذر بخصيصتنا الثقافية في إعزاز الضيف ليكرر القول مراراً أن السودان لم يغلق حدوده في وجه ضيوف اللجوء. ووددنا، وهو الراعي فينا غصباً، لو دعاهم إلى لين من العيش لا إلى خرائب الوطن. وتزامنت موائد الثوار مع تداعي الشعب الأمريكي في أيامنا هذه لسد حاجة موظفي الحكومة الفدرالية التي حرمهم إغلاقها من مرتب منتصف شهر يناير. وتسمع من الأمريكيين إطراء بالغ لهذا التداعي قائلين إنه طمأنهم أن خلافهم السياسي المستفحل لم يلغ خصيصتهم الثقافية في نجدة الملهوف. وكنت أسمعهم وأقول لنفسي وصور موائد الثوار تبسط في بلدي: "ولكن من يعرف عيشة في سوق الغزل."

وأعيد في مناسبة قِرَى الثوار نشر كلمة قديمة (18 أكتوبر 1988) ميّزت فيها شغفنا بالضيف، وولاءنا له، وسهرنا على راحته. فهذا الشغف وجه من وجوه تقوانا معاشاً ومعاداً. وكان موضوع الكلمة عن تكفل بلدة العبيدية بركاب قطار انتهى إلى بلدهم وحصرته سيول ذلك العام بينهم لأيام. واخترت لها عنواناً هو "عوج الدرب" التي لا أعرف مجازاً أحاط بهذه التقوى السودانية مثله. فيوصف الفرد عندنا ب "عوج الدرب" حين يشتهر بالكرم فلا يفوته مسافر إلا وقد عاج عن دربه يطلب ناره وقراه. إلى المقال القديم:

تتحدث عطبرة بإعجاب كبير عن نبل مواطني قُرى الخط الحديدي بين العبيدية ودار مالي الذين استضافوا ركاب قطار كريمة ممن قطعتهم السيول بين ظهرانيهم. ومما يروى أن الركاب (وقد بلغوا 4.000 نسمة) ظلوا يتلقون وجبات من أفضل الطعام يعده أهل القرى لهم. ثم جاء يوم فإذا أهل القرى يحملون إليهم (بليلة) بدلا عن ذلك الطعام الجيد. فسألهم الركاب إن كان طعامهم قد نفد. فقال أهل القرى:" لقد كنا نأكل البليلة في بيوتنا لنوفر لكم طعاماً مناسباً حتى نفذ مخزوننا وجئناكم اليوم بما كنا نأكله لأيام."

وتتكامل صورة هذه المأثرة عند العطبراويين بالحديث عن شهامة عمال السكة الحديد الذين عاموا مع (الطيفان) فوق لجة المياه من عطبرة إلى العبيدية مرة بعد مرة لإسعاف الركاب ببعض المواد الغذائية. فقد كان كثيراً على مدينة انزرعت فيها فكرة خدمة المسافرين (ضيوف سكتها الحديدية) أن يهلك ركاب قاطرة لها وهي مكتوفة الأيدي. ولذا تشعر عطبرة بدين خاص لأولئك المواطنين الذين هبوا خفاقاً لنجدة ركاب قاطرة كريمة.

إن مأثرة القرى مما يوطننا جميعاً على الأمل في الوطن والشعب. وكانت عطبرة، المدينة الريفية الأولى في السودان، بحاجة الى مثل هذه الكرامة لتطمئن إلى سداد مزاجها القروي النقابي.

حين أحدق الفاسدون الحـزبيون (بتاعين دائرتي ودائرتك) وصغار النفوس الحرامية تجار (البرشوت) بدقيق طائرات الإغاثة ورغيفها وعنبها وساردينها وخيمها ومولداتها ووجباتها الجاهزة وبطاطينها ينهشونه قبل أن يصل المنكوبين، كانت القرى تجود بمخزونها على ابن السبيل.

وحين كان المتخمون الشحاذون الجدد يجودون فقط بجود الآخرين الخيرين، ويتحدثون عن انحدار أخلاقنا الذي لن تصلحـه إلا قوانين قطع الأيدي، كانت القرى تعطي الزاد كله، لا فضله، في خلق هو مزيج من الإسلام والفروسية السودانية التقليدية المتلافة: فروسية عوج الدرب وضيف الهجوع.

لقد حجبت صحافتنا وإعلامنا وعد القرى الجميل في ليل الكارثة. كاميرات وميكرفونات إعلامنا لا ترابط إلا في أروقة السلطة لتصل عيوننا بتلك الوجوه التي تتقابل بلا انقطاع وبلا فائدة.

وتخلصت صحافتنا إلا قليلاً من المراسلين الإقليميين ولم يعد الريف في نظرنا إلا نازحين مزعجين مكلفين مخيفين.

كـان إكـرام أهـل القـرى نفحـة من الوطـن . . . هـذا الوطـن.

عبد الله علي إبراهيم
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1408

خدمات المحتوى


التعليقات
#1811345 [محمد]
0.00/5 (0 صوت)

01-22-2019 12:53 PM
بمناسبة موائد الثوار كيف بالله كان طعم الزلابيا في رفع فراش الترابي


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة