المقالات
السياسة
الصراع الأيدولوجي والثقافي بين عقليتين
الصراع الأيدولوجي والثقافي بين عقليتين
01-28-2019 05:00 PM




إن الأحداث الجارية في البلاد، والتظاهرات التي انتظمت في عدد من مدن السودان، تعد ظاهرة جديرة أن تجعل النخب السياسية تفكر من خارج الصندوق، وأن تعيد النظر في طريقة التفكير السابقة، ولكن أصرار النخبة الحاكمة أن تغمض عينيها ولا ترى غير الإرث الثقافي الأيديولوجي السابق، يجعلها تخطئ في التقدير، لذلك تحاول أن ترجع للفزعات السابقة التي اعتادت عليها، دون أن تنظر بعمق في خطابها السياسي الذي تستخدمه، ومدى ملائمته للواقع.

كانت الحركة الإسلامية في بداية تأسيسها، تعتمد علي القوى الحديثة المتعلمة في المجتمع، وكانت ذات دراية بالمجتمع الأمي في ذلك الوقت، لذلك جاءت بالفزاعات لتخويف المجتمع من الانحراف تجاه الكفر، كما كانت تدعي من «الشيوعية – البعثية – اليسارية – العلمانية وغيرها» وهذه الفزاعات كانت تؤدي وظيفتها باعتبار أن ۹۰ ٪ من الشعب السوداني أمي، وكان التعليم محدودا، وحتى وسائل ومصادر المعلومات قليلة جدا في العاصمة، وغير متوفرة في الأقاليم، فالأحزاب التي تستطيع استقطاب عناصر متعلمة في الأقاليم تستطيع أن توصل برنامجها وثقافتها، وكانت الفزاعات التي تستخدمها الحركة الإسلامية تؤدي دورها بجدارة. لكن بعد انتشار التعليم، وأصبح الشخص لديه جهاز تلفون ذكي يساعده على الحصول على المعلومات التي يريدها، لابد أن يؤثر ذلك على طبيعة الاستيعاب وفهم مجريات الأحداث، ولذلك تحاول الأحزاب دائما أن تجعل تطورها وتحديث مشروعاتها يتواكب مع هذه الثورة العلمية في وسائل الاتصال، والوعي الذي تحدثه في المجتمع، لكن النخبة الحاكمة ماتزال تتعامل مع الأحداث بذات عقلية الطلاب عام ۱۹۷۰ م، دون أن تعيد النظر في هذه الثقافة التي أصبحت منتهية الصلاحية.

نجد في حديث العديد من قيادات الحزب الحاكم، أنهم يبررون أن التظاهرات قد اندلعت في صورة احتجاجات بسبب النقص في الخبز والوقود بأنواعه، ثم انحرفت إلى مطالب سياسية وراءها الشيوعيين والبعثيين والعلمانيين، وهؤلاء مدعومين بأجندة خارجية، هذا التفكير المستمد من ثقافة أيدلوجية كانت تستخدمها الحركة الإسلامية في عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات في القرن الماضي لم تكن مفيدة في القرن ۲۱ ، والذي تطورت فيه وسائل الاتصال بشكل مذهل، حيث أصبح الشخص الذي يملك «تلفون ذكي» يدير ألة إعلامية يتحاور من خلالها في أي بقعة من العالم، لابد إنه استوعب ألاعيب السياسة والفرق بين السمين والغث. لكن نخبة المؤتمر الوطني لأنها لا تنظر للقضية من خلال بعدها الوطني، فقط عينها على مصالحها الخاصة لا ترى أمامها غير هذه الفزاعات التي تمثل ثقافة بائدة.

ورغم أن نائب رئيس الحزب الحاكم فيصل حسن إبراهيم يتحدث عن استغلال الشيوعين للاحتجاجات في الشارع، ويقول إنهم رفعوا سقفها إلى مطالب سياسية، يتحدث عن فتح حوار مع الشباب الذين هم وقود هذه التظاهرات، وكان عليه أن يوفر الاتهامات إلى ما بعد الحوار، ولكن التعجيل بالاتهامات يعني كل هؤلاء الشباب مخدوعين ويسيرون وراء شعارات لا يعرفون أبعادها، وبالتالي الاتهام بأنهم قصر في عملية الوعي وإدراك الحقائق، فكيف يتم حوار في ظل الاتهامات التي يطيرها الحزب الحاكم في الهواء، وإذا أقر نائب رئيس الحزب الحاكم إن التظاهرات يسيرها شباب، ويعرفون إن مطالبهم هذه سوف تعرضهم لمخاطر، ورغم ذلك لم يتراجعوا ودخلت التظاهرات شهرها الثاني، يؤكد ذلك أنهم مؤمنين بعدالة قضيتهم وكان على النخبة الحاكمة أن تعيد هي النظر في خطابها السياسي، لكن النخبة الحاكمة لا يتوفر لها المناخ الديمقراطي داخل مؤسستها السياسية لكي تتحدث بمنطق الأشياء وليس تلبية لرغبات شخصية، لذلك البعض يعرف الحقيقة ولكنه يلجأ للتبرير الذي لا يحل أزمة.

أغفلت النخبة الحاكمة أن الشباب الذين خرجوا للشوارع متظاهرين هؤلاء تربوا في كنف الإنقاذ، وأهملتهم وركزت على ضع أشخاص اعتقدت إنهم بالفعل يمثلون شباب السودان، وعندما خرج الشباب بكثافة يقودون التظاهرات، كان على نخبة الإنقاذ أن تخضع هذه الظاهرة إلى دراسة حقيقية، لكي تتعرف على التحولات التي تحدث في المجتمع، ولكنها تعاملت معها بذات المنهج السابق، إنها قادرة على حسم المسألة أمنيا، وأن بضع طلقات في صدور البعض منهم كفيلة أن تجعلهم يتراجعوا عن مشوراهم السياسي، لكن هذه المعالجة الأمنية استقبلها الشباب بتحدي، وعندما أمتد أمد التظاهرات، وأصبح الشارع في حالة من الاستقطاب الحاد خصما على النظام، وتراجع القاعدة التي كان يعتقد إنها تمثل له خلفية للحماية، بدأت بعض قيادات الإسلاميين تتوعدهم بالتهديد، الأمر الذي كشف ضعف القيادة وفقرها السياسي. لذلك حاول نائب رئيس الحزب أن يأتي بمصطلح الحوار دون أن يحدد الفئة التي يريد ان يتحاور معها من الشباب، الأمر الذي يكشف حالة العجز عند نخبة المؤتمر الوطني الذي غاب تماما عن الشارع.

عجزت النخبة الحاكمة أن تستوعب أن هناك ثقافة بدأت تتخلق وسط الشباب، وهذه الثقافة قد أنتجها هؤلاء الشباب بنضالهم وتضحياتهم، وصنعوا هم شعاراتها من خارج دور الأحزاب، والمؤسسات السياسية التي أكتفت بالتأييد فقط، دون أن تقحم إسمها، وهذا أيضا وعي جديد، وعندما لجأت السلطة لتعطيل وسائل الاتصال الاجتماعي، سرعان ما جاء هؤلاء الشباب بالبديل لكي يحدثوا أختراقا جديدا في مفهوم العمل الإعلامي، حيث ظلت أجهزت السلطة الإعلامية معزولة تماما لا يلجأ لها أحدا، وظلت تدير حوارا بين نخبة الحزب الحاكم لكي يسمعوا صدى أصواتهم، دون أن يكون للحوار فائدة مرجوة، وأيضا دون أن تفتح القنوات نافذة للفكرة الجديدة، تبين إنها تقبل الرأي الآخر، فكيف يستطيع حزب حاكم اخطأ قراءة الحراك السياسي أن يدير حوارا. لا يستطيع أحد أن ينكر أن هناك صلة وطيدة بين الشباب في داخل السودان وبين شباب الأسر السودانية التي أرغمتها السلطة للهجرة القسرية لدول أوروبا وأمريكا واستراليا وكندا، وكتملت دائرة النضال، واستطاعوا أن يديروا معركتهم السياسي من خلال وسائل الاتصال الاجتماعي بأفق واسع، وسيطروا علي ساحتها تماما، وفشل جداد السلطة الالكتروني أن يحدث وسطهم اختراقا.

كل هذه التحولات في المجتمع، لا بد أن تحدث وعيا جديدا، ولكن السلطة تريد أن ترجعهم للمربع الأول الذي غادروه، وأيضا عجزت السلطة أن تعيد النظر في منهجها لكي تستطيع أن تستوعب هذه التغييرات الحادثة في المجتمع، وتفكر من خارج الصندوق، وهذا العجز فضلت أن تملأه بأجندة أمنية بعدها السياسي محدود.

نخبة السلطة نظرها في مربع واحد، عجزت أن ترفعه عن انتخابات ۲۰۲۰ م رغم كثافة الشعار المطروح في الشارع، وهي معضلة وتمثل عائقا كبيرا في أي حوار بين العقليتين، وأنتخابات ۲۰۲۰م رغم أن المصطلح ديمقراطي لكنه في الحالة السودانية يقع في دائرة الشمولية، لأن الديمقراطية ليست صناديق اقتراع إنما هناك إجراءات عديدة لابد أن يتم التوافق حولها لكي يقتنع الناس أن الانتخابات سوف تكون نزيهة وشفافة أولها تفكيك دولة الحزب إلى دولة التعددية، ثانيا إزالة القوانين المقيدة للحريات. ثالثا صناعة دستور متوافق عليه، رابعا قانون انتخابات متوافق عليه. خامسا إحصاء سكاني. سادسا مفوضية جديدة ومحايدة للانتخابات. سابعا قضاء مستقل.

كل هذه الإجراءات ضرورية. وآخيرا أن يتقيد الحزب الحاكم بالدستور الانتقالي الذي يحكم البلاد الآن دون إجراء أي تغيير فيه أحتراما للدستور. ونسأل الله حسن البصيرة.

الجريدة





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 500

خدمات المحتوى


زين العابدين صالح عبد الرحمن
زين العابدين صالح عبد الرحمن

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة