المقالات
السياسة
البشير قمحاته في الشيمة .... سيسقط حتماً
البشير قمحاته في الشيمة .... سيسقط حتماً
01-31-2019 05:00 PM



في أكتوبر من العام 1988 حطت بي طائرة الخطوط الجوية البلغارية في مطار وارسو الدولي بجمهورية بولندا الشعبية و هو الاسم الذي كانت تعرف به تلك البلاد في فترة وقوعها تحت دائرة نفوذ المعسكر الاشتراكي و قيادته العليا في موسكو. كنت قادماً من السودان و هو في تعقيدات الديمقراطية الثالثة يعاني من ضربات الجبهة الإسلامية القومية في خاصرته و لسخرية القدر كانت الجبهة الاسلامية جزءاً من الائتلاف الحاكم في البلاد مع حزب الأمة القومي ، و تعاني أيضاً من عجز رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي في إدارة حكم البلاد متسربلاً بموقف ضبابي من قوانين سبتمبر التي شوهت الشريعة و موقفاً معادياً بغير مبرر لقفزات السيد محمد عثمان الميرغني البهلوانية في عالم السياسة ، أيضا كانت البلاد تعاني من عدم استيعاب زعيم المعارضة المسلحة الوحيدة د. جون قرنق الذي لم يستطع تقدير الفرصة التاريخية التي أعطتها الجماهير الثائرة للنخبة من ديمقراطية خاتية الشق.كانت بولندا في ذلك الزمن تعاني من مخاض عسير و هي تتوق إلى الديمقراطية حيث كانت نقابات التضامن البولندية تنظم نفسها بصورة مضطردة بقيادة زعيمها التاريخي ليش فاليسا ( تنطق ليخ فاونسا باللغة البولندية). و كان للإضرابات المتواصلة من قبل النقابات في العام 1988 عظيم الأثر في التغييرات التي تلت و على الرغم من غضاضة أعوادنا آنذاك إلا أن حالة البلاد كانت تنذر بالكثير حيث كانت المحلات التجارية الحكومية خاوية على عروشها خاصة من بعض السلع المهمة مثل السكر لقدومه مستورداً من أسواق بعيدة مثل كوبا ، و ما كان موجوداً فعلا هو الأساسيات من الخبز و بعض معلبات السردين. بعد 6 أشهر فقط من ذلك المخاض و بعد مفاوضات المائدة المستديرة المعقدة و التي استغرقت 94 جولة خلال 69 يوما تم الاتفاق على أن تتنازل القيادة الشيوعية عن السلطة ممثلة في الجنرال ياروزيلسكي و بذلك فتح الباب لأول انتخابات جزئية منذ الحرب العالمية الثانية في يونيو من العام 1989.

في الفترة ما بين 14 و 22 ديسمبر 2018 كنت في زيارة قصيرة للسودان ، و أنا ذاهب إلى هناك تداعت الاخبار عن انهيار متسارع للعملة حيث قفز الدولار من 65 جنيها إلى ما يقارب 85 جنيها خلال أسبوع واحد و كانت تعصف بالبلاد أزمة خبر و بنزين طاحنة و انعدام كامل للسيولة ، و كأن القدر في لحظة ما استجاب لدعوات السودانيين بأن ترجعهم الإنقاذ إلى المكان و الظروف الذي ادعت أنها أنقذتهم منها . خلال تحركي في السوق لاحظت الارتفاع المذهل في الأسعار يومياً الذي عبر عنه أحد شيوخ بري في سوق 4 حيث سأل صاحب المحل " يا زول كيس الملح بكم" و عندما أجابه البائع بسعر 25 ألف جنيه باغته الشيخ " و الما ملح بكم..".. فانفجر جميع من في الدكان بضحكة تعبر عن الكوميديا السوداء التي يعيشها السودانيون حالياً.

في يوم الأربعاء 18 ديسمبر حوالي الساعة التاسعة مساءاً كنت ذاهباً إلى المنزل في حي السيد المكي قادماً من الموردة عبر شارع بوابة عبد القيوم في متجهاً إلى سجن أمدرمان و هو طريق أثير على نفسي كنا نقطعه في زمان عودتنا من مدرسة المؤتمر الثانوية إلى الحي العريق ، بعيد البوابة و على بعد 200 مترا كان الشارع مغلقاً بأنصار حزب الأمة الذين كانوا يحتفون بعودة السيد الصادق المهدي إلى السودان ، و لسوء الحظ حدثت تفلتات من قبل تاتشرات الأمن التي كانت تطارد الجماهير و ركابها مذعورون من هذا الكم الهائل من البشر ، فاستحال تبين الطريدة من المطارد فبينما كان المنطق يفترض أن الأمنجية في وضع السيطرة و هم مدججين بالسلاح ، لكن واقع الأمر كانت حالة التاتشرات كفهد مفترس وقع في نهر برازيلي مليء باسماك البيرانا الفتّاكة حيث كانت التاتشرات تدور حول نفسها و تصطدم بالجزيرة الفاصلة بين الشارعين في توتر واضح ، رسخ في ذهني ذلك المنظر الفوضوي ، و عدنا أدراجنا إلى بوابة عبد القيوم و أخذنا طريق الطابية و دخلنا الحلة من ود أورو عبر شارع سوق الشجرة أو ما يعرف بالطريق الشاقيه الترام عند المخضرمين من الأمدرمانيين.

مرت أسابيع 6 على تلك الواقعة و كلنا شهود على التعاظم المضطرد الذي تشهده موجات الاحتجاجات السلمية في السودان ، حيث تصطدم كل خميس موجات متلاطمة من الزخم الشعبي بجدار السلطة المتهالك و الذي فقد أي شرعية أخلاقية أو عملية للاستمرار في الحكم ، على الرغم مما يحاول أن يبديه البشير من تماسك لكن الواضح أن نظامه ينزف يومياً حيث أصابته الاحتجاجات بشلل كبير في الأداء و يؤدي الاستمرار في هذا التوتر إلى إخلاء خزينة الدولة من العملات ، و بينما تحاول الحكومة رفع الدعم حتى تلتقط أنفاسها اضطرتها التظاهرات إلى تثبيت أسعار الخبز و البنزين مما يعني أن الدولار الواحد بسعر 65 جنيه يعادل 65 رغيفا ، و يعادل 10 لترات من البنزين ، و ذلك معناه أن الحكومة تدفع ما لا يقل عن 80% من سعر كل رغيف خبز و جالون بنزين للمواطن ، في بلد سكانه أكثر من 30 مليون نسمة ، خلاصة ما وددت قوله أن هذه المسالة حسابياً لن تسطع الحكومة مواصلتها طويلاً ، ناهيك عن الاستنزاف الرهيب للأجهزة الأمنية خلال 6 أسابيع من الاستنفار الكامل.

من الناحية الأخرى و مع كل موجة متعاظمة تضرب جدار السلطة يزداد عنفوان منظموها تنسيقاً و فاعلية ن فبينما كانت بيانات تجمع المهنيين متواضعة و شجاعة فعلاً ، نجدها اليوم تنضح بالثقة الممنوحة لها من التفويض الشعبي المذهل و من التفاف التحالفات السياسية حوله ، و الحق يقال أن تجمع المهنيين السودانيين قد ارتقى لجسامة المسئولية التي ألقاها الشعب على عاتقه فتصرف بمسئولية و حرفية عالية مما ضاعف من السند الشعبي له ، فكانت تظاهرة 24 يناير تظاهرة غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث مما عكس انضمام قطاعات أخرى للحراك الشعبي و الإحساس المتجذر بأن ساعة الصفر للجنرال الذاهل عن حقيقة الأوضاع في بلاده قد دنت و هو وضع يشبه لحد بعيد حالة ذهول الجنرال تشاوتشيسكو في رومانيا عن حالة غليان الشارع حتى فتك به رفاقه لأنه صارة عثرة في طريقهم للنجاة بأنفسهم من رئيس معتوه.

لكن على الرغم من حتمية سقوط البشير لكن الحكمة تحتم أن يتم ذلك باقل الخسائر الممكنة في الأرواح و دون استفزاز مشاعر أهالي الضحايا و دماء شهدائهم التي أريقت و لا تزال تبلل الثرى ، من المقترحات العقلانية التي سمعتها مؤخرا كانت تصريحات السيد مو إبراهيم رجل الأعمال السوداني المعروف و صاحب جائزة مو الشهيرة للحكم الرشيد في إفريقيا ، حيث اقترح إيجاد مخرج آمن للبشير لضمان سلامة المواطنين ، و أضيف أنا للاقتراح أن يُفَسح للبشير الخروج إلى دولة لم توقع على ميثاق روما للمحكمة الجنائية حتى يتخلى عن السلطة و يتم تسليمها لحكومة تكنوقراط بدعم دولي قد تساهم فيه دول الترويكا التي رعت اتفاقية نيفاشا للسلام ، مخرج كهذا للبشير كشخص لن يعفيه بالطبع من ملاحقة أموال السودان المنهوبة من قبله و من قبل بطانته الفاسدة لكن إخراج البشير من السودان في هذه المرحلة الدقيقة سيكون مثل اخراج حجر زاوية سِنِمّار الذي سيؤدي نزعه إلى تداعي المنظومة السلطوية كلها والتي فقدت كل السند الحزبي الإسلاموي لها بعد صراعاتها المتعددة مع نفسها ، و ما يتفوه به علي عثمان محمد طه من كتائب الظل ما هو إلا حشرجات مذبوح فمن من شباب الإسلاميين الجدد مستعد للتضحية بنفسه من أجل اشخاص مثل فضل محمد خير يملكون من الأموال الطائلة ما يمكنهم من تحرير شيك بخمسين مليون دولار في تسوية بسيطة بينما كان هذا المدعو صبي من صبية الأمن يفترش سريراً في برندة عند أهل له في العاصمة يعود بعده لامتطاء موتر كعساس بسيط في جهاز النهب الوطني المسمى خطلاً جهاز الأمن الوطني و لا يمت السيد فضل لمشروع الإسلامويين الفكري بصلة كي يضحوا من أجل أمثاله بأرواحهم رغم إجرام هذا الفكر الشرّير.

الذين يراهنون على منعة الإنقاذ اليوم لا يقرأون التاريخ و لا يستقون منه العبر خاصة في نشوة السلطة المُسكِرة ، فلقد شاهدت بأم عيني كيف ذاب الحزب الشيوعي البولندي كقطعة ثلج في صيف 1989 و هو حزب كان قد حكم البلاد بالحديد و النار لمدة 54 عاما حسوماً و بلغ عدد أفراده بضعة ملايين ، و ينتابني نفس الشعور و أنا أتابع أخبار الثورة السودانية الباذخة و أتعلم يومياً من ابداعات شبابها المذهل ، فتارة تجد ابن عبري الشاب محمد المصري الذي فقد يده جراء انفجار قنبلة في يده في ديسمبر محمولاً على الأعناق في تظاهرة 24 يناير فيندى جبيني خجلاً و أنا أتابع بعجز مآثر الثورة على شاشات الموبايلات.. لكن لكل منا دوره و ما قدمه المهنيون و المغتربون لأهلهم و لوطنهم في ساعات حوبته لا يزال عظيماً عبر دعم أسرهم الطويل من بدايات الانقاذ ، وابتداءً من حركة نفير في 2013 مروراً بأحداث كسلا و ثورة ديسمبر الحالية فلكل منا دوره و مساهمته لكن يظل في النفس شيء من حتى ، و أقول للبشير لقد أتتك فرصة تاريخية بتوفر أكثر من 75 مليار دولار من أموال البترول فأهدرتها فلن تجد من يدعمك بمثل هذا المبلغ ما حييت و حالتك يصفها الراحل حِمّيد في قصيدته للضو " جيب لي معاك قمحات ، قمحاتنا في الشيمة ، و غنم الحَلِب رايحات ، ضَلّمنا ضِلّيمة" فقمحات البشير راحن في شيمة الدولار التي لا ترحم و تبقى له مخرج واحد و هو الهروب إلى منفى آمن لا تطاله فيه يد المحكمة الجنائية و حتى هذا المخرج الذي يبدو ممكناً خلال الأيام القليلة القادمة قد يصبح مستحيلاً إذا أصر على تعنته ، فليعتبر من مصير القذافي و صالح فإن الأوضاع بالنسبة له تسير من سيءٍ إلى أسواء ، وعندما يكون أمثال صلاح قوش و عوض الجاز هم المسئولون عن سلامته ، فعلى البشير كما كان يفعل تشارلس تايلور- ديكتاتور ليبريا السابق - أن يتحسس مسدسه الشخصي بشكل دائم.
أمجد إبراهيم سلمان
Whatsapp 0031642427913
[email protected]
31 يناير 2019





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 899

خدمات المحتوى


أمجد إبراهيم سلمان
 أمجد إبراهيم سلمان

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة