المقالات
السياسة
من أجل البقاء في الحكم، البشير يجر السودان في محور الحرب الباردة المتجدد في إفريقيا
من أجل البقاء في الحكم، البشير يجر السودان في محور الحرب الباردة المتجدد في إفريقيا
02-02-2019 11:28 PM


بعد انتهاء الحرب الباردة بين الغرب وروسيا المتولّدة من الحرب العالمية الثانية، وبانهيار جدار برلين، لم يدُم السلام الدولي طويلاً قبل أن تبدأ العلاقات بينها تتعثر بتولّى الرئيس بوتن الحكم في روسيا، لطموحه الكبير في إعادة روسيا لمجدها الشيوعي، في مقاومةٍ مقصودة لتمدد الولايات المتحدة بنظام المؤسسات الرأسمالية الماردة التي اطبقت قبضتها على العالم أجمع، وقطعاً ظهرت آثاره على أمن واستقرار الإتحاد الأوروبي في صراعاتٍ جانبية مع روسيا.**
وبعد صعود دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، اختار استراتيجية اليمين المتطرف باستغلال العزلة الخيارية التي مكثت أطول لدى مواطني البراري والسهول في أمريكا، والذين رضعوا من انعزال أمريكا حتى بعد انفتاحها على العالم، والذي لم ينحسر، كحال بقية أمريكا، بعد رفع أمريكا عزلتها من العالم بالمحيط الكبير في الثلث الأول من القرن الماضي، والذي لم يساعد في التغلب على التطرف القومي المترسخ لدى مواطني البراري والسهول من زمن الفصل العنصري.
وبعد فوزه في انتخابات الرئاسة عام 2016، التزم ترامب بالسير في استراتيجيته المختارة، والتي تمركزت في إضعاف النظام العالمي لتطهيره من عبء حقوق الإنسان وقيود السلام وتوجه العولمة، من شحم استراتيجيات اليمين المتطرف. وذلك الأمر يتفق مع استراتيجية روسيا، إلا أن التمحور السابق انبنى على الحرب الباردة بين روسيا والغرب، فبدأت من جديد تقودها أمريكا وروسيا برؤوس حرابٍ تتسم بترسيمٍ* لمحاور جديدة، قدر ما عنيت الدولتان بترسيمها لمصالحهما الاستراتيجية في مراكز القوة في خارطة العالم التي لم تعد فيها الأسلحة النووية معدات تهديد حربي، وإنما معدات ضغط إقليمي لمهمة الحروب الاقتصادية التي تتحكم في الاستقرار وعوامله.*
وفي هذا الشأن انطلق تسابق محوري، من كلٍ بسلاحه الاستراتيجي للهيمنة على والتحكم في مناطق الثروات الاستراتيجية الراكدة، فوجّهت أمريكا قبلتها نحو ثروة الدول النفطية وحاجتها لتوفير ردعية الدفاع وتثبيت الاستقرار، بينما هرعت روسيا والصين نحو الدول الإفريقية لبسط نفوذها هناك من أجل توطيد العلاقات الاقتصادية معها لاستثمار حصيلتها من الثروات، ولتأمين سوقٍ غني لها لبنائها، وكل ذلك ينبني على استراتيجيات مصالح كلِّ دولتين معاً وجدواها.
ولكن البشير، والذي لم يخطط بتاتاً برنامجاً مستقراً للسودان يمكن للعالم المساهمة بالاستثمار فيه وتنبني عنده استراتيجيات تكون لها مصالح معه وجدواها، أخذ يهرول الآن لمحاولة القبض على حبال سفن القوى التي تجول في محيطه بعد أن انهار حكمه وثار الشعب ضده، محاولاً بيع ما يمكن بيعه ليؤمّن به بقاءه، وعلى الأقل إفلاته من يد العدالة الدولية والبهدلة التي لم يتعلم أن يواجهها، بالانتظام في صف من يجد لهم في عرضه طعماً، فهرول لروسيا التي تخدم بعض الدول المجاورة للوصول لأسواقها، ولكن السودان لم تتبقَّ له ثرواتٌ لم تُنهب أو حُجِزت للنهب، كما وليست لديه أسواق يعرضها لإفلاسه، ولا تنطبق عليه أيٌّ من تلك المواصفات، فكل ما يدور فيه ليس إلا نهبٌ غير مرشّد هو كل ما يقدمه للاقتصاد السوداني لا شيء غير الدمار، فطلب الثمن رخيصاً لما لديه من بضاعة، وهو حمايته من القبض والحساب الذي ليس لديه الشجاعة لمواجهته، وذلك نظير أن يقف واجهة لخدمة الرئيس بوتن في مغامرات حلفائه الإجرامية كالذي يقوم به الرئيس الأسد.
وهكذا لا يدفع البشير بنفسه في مخاطر مثل تلك المغامرات المنبوذة والمستهجنة عالمياً، وإنما يقدم السودان، كعادته بدلاً عنه، مهراً لتلك الزيجات الشيطانية، وهو بعد كل الدمار الذي أحاق به السودان، يسعى لزجه في محاور الحرب الباردة باستضافته لروسيا، لا لاستثمارٍ ولا لسوقٍ لأنه لا يملك شروى نقير، فقط لمنحها وضعاً استراتيجياً قد تسعى المحاور الأخرى لنزعه منه أو لهده عليها حتى لا تفاد منه.... مصيرٌ خبيث من رجلٍ خبيث وجبان لا يعرف غير أرذل ذئاب المافيا والإرهاب والدمار.
وها هي بضاعته المأفونة:
المرتزقة الروس يساعدون في خمد الثورة السودانية
كتبت جريدة التايمز اللندنية بتأريخ اليوم أنه قد تمت مشاهدة مرتزقة روس في العاصمة السودانية مما سبب قلق بتحرك الكرملين انقاذ الحكم الدكتاتوري لعمر البشير، وذلك بعد أن واجه البشير أكبر تهديد لدكتاتوريته العسكرية التي استلمت الحكم منذ ثلاثين عاماً.
هذا التدخل الروسي يصب في مساعي روسيا إلى تطوير علاقاتها التجارية والأمنية والدفاعية مع أفريقيا، القارة البتول، التي سبقت بإنشاء محطات ذرية لتوليد الكهرباء في الكونجو ونيجيريا والسودان ومصر، وبتعدين البلاتين بزمبابوي.*
وفي ظهورٍ نادر للدكتاتور البشير في ساعاتٍ من توبيخه بواسطة بعض الدول الغربية منهم بريطانيا، كان يختج بعصاه ويتمتم ببعض آيات القرآن محدثاً مستمعيه أن جمعهم ذاك يرسل رسالة لهؤلاء الذين لا يعتقدون أن ا لسودان يمكن أن يكون كبقية تلك الدول اتي تم تدميرها، بأنهم (أي مستمعيه) عازمون ليمنعوا أياً كان لتدمير ممتلكاتهم.
وفي تصريحٍ مشترك أعلن دبلوماسيون من بريطانيا والولايات المتحدة والنرويج وكندا أنهم "استاءوا" من قتل وضرب المتظاهرين السلميين الذي قامت به قوات أمن الدولة، حيث قُتل ما لا يقل عن 40 من المواطنين منذ بداية الانتفاضة في 19 ديسمبر، وأن مئات أخرى بما فيهم صحافيين وبعض قادة المعارضة قد تم اعتقالهم.
بالأمس أطلقت الشرطة عيارات من الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع والضرب بالهراوات على تجمعات أقفلت الشارع في أم دم درمان، مدينة على النيل بالجهة الأخرى من الخرطوم. كانت تلك المظاهرة أضخم مظاهرة ضج الحكومة منذ بداية المظاهرات. ويُعتقد أنه في يوم الثلاثاء ثلاثة أشخاص، بما فيهم صبي في السادسة عشر من عمره، قد قتلوا في تلك المظاهرة.
وقالت مصادر من المعارضة أن مرتزقة ظل من شركة الأمن الروسية "مجموعة واقنر"، الآن يقدمون تدريبات عملية واستراتيجية لقوات الأمن العام.
ويُعتقد أن مئات من رجال "مجموعة واقنر" الروس قد تم بعثهم لدولة أفريقيا الوسطى بالجوار في العام الماضي لتدريب القوات هناك. وفي ضربةٍ مباغتة في شهر يوليو السابق قُتل ثلاثة صحفيين كانوا يتحرّون نشاط المرتزقة هؤلاء. ووزارة المالية الأمريكية أنها أضافت في عام 2017"مجموعة واقنر" لقائمة طويلة من الأفراد الروس المتورطين في مشكلة أوكرانيا، وأن هنالك مجموعة من هؤلاء المرتزقة في سوريا. صور عدة قد برزت من عشرات الرجال البيض في بزاتهم التمويهية تم ترحيلهم في شاحنات لمراقبة المظاهرات ضد الحكومة في الخرطوم.
روسيا كانت مرتين في السابق قد استضافت البشير الذي وافق أن يحقق للرئيس بوتن طموحه في تأثير أكبر في إفريقيا. البشير، والذي هو مطلوب بالمحكمة الجنائية الدولية في جرائم حرب، يحتاج إلى حلفاء قويين بما أن عزلته باتت تزيد باضطراد. في اجتماع له مع الرئيس السوري حافظ الأسد، أو كما أسماه الناقدون "قمة إبادة جماعية"، يُعتقد أنه تم بمقصد مصلحة خاصة بروسيا التي حملته لتلك القمة بطائرةٍ عسكرية من الخرطوم لدمشق.
البشير استمر في السلطة رغم الحظر التجاري الذي ضربته عليه الولايات المتحدة، وأمر القبض الذي صدر في حقه وانفصال الجنوب عام 2011 – والذي أصبح اليوم دولة جنوب السودان – إلا أن الإنهيار الاقتصادي أثبت أنه أصعب تحدي واجهه. قيمة الجنية السوداني انحدرت بدرجة 85% من قيمة الدولار في هذا العام، وغلاء المعيشة يجرى في نطاق 70% مما جعل الحياة تقريباً مستحيلة لكثير من ال 40 مليون سوداني..

*سعيد محمد عدنان <[email protected]>





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 385

خدمات المحتوى


سعيد محمد عدنان
سعيد محمد عدنان

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة