المقالات
السياسة
كلام قديم يتجدد
كلام قديم يتجدد
02-11-2019 06:31 PM


محمدعبدالله برقاوي..

الثورات في كل الأزمنة والأمكنة لها عواملها المشتركة ..ولكنها قد تتفاوت أحيانا من بلدالى آخر أوتجتمع كلها في حالات معينة ..وقد تتباين النتائج والأفرازات التي تفضي اليها أيضاً وفقاً للظروف الآنية من حيث جاهزية البديل الذي يتولى زمام الأمور بعد سقوط النمط الذي كان سائداً بالقبضة الحديدية العسكرية كما هو الحال في عالمنا الحديث إذ نجد روافع الثورات في الربيع العربي مثلاً تتباين وتتشابه بإختلاف الظروف في الشكل وتختلف في المضمون والدوافع ولكنها تلتقي غالباً في فساد حصاد النتائج أو تأخره ..شأنها شأن ذلك النمط الذي ثار أوإنقلب على أشكال الحكم المتكيء فوق الإرث الملوكي التاريخي في شكل إمبراطوريات قديمة عريقة التشبث أو بدواعي القدسية الدينية.

فنتائج الثورة الفرنسية ليست هي كما كانت الثورة البلشفية الروسية ولا الليبرالية الأمريكية بالطبع ولاكما الحالة التركية السائدة بعد الحركة الأتاتوركية التي نسفت قبة الخلافة العثمانية ..ولا هي مثل الثورةالإيرانية التي قادها الشعب الإيراني مجتمعا في نقمته على حكم الشاه المتوارث ..فأنتهت الى مسخ كالبغل العقيم الذي جمع في جيناته المشوهة لشكله بين ديمقراطية دائرية يتغنى فيها لسان التوجه الثيوقراطي بنغمة الولي الفقيه وتطرب لها مسامع النظام الشيعي الصفوي لترددها معه مليشيات الجوقات التي سخرها لخدمة مشروعه التوسعي في محيط الجوار العربي يمناً وشاماً وعراقاً.. وهولا زال ينظر بعد ذلك كله الى الأبعد بكثير !

وحتى على مستوى ثورات السودان السابقة واللاحقة فلكل إنتفاضة دوافعها و عناصر مراحل نضوجها على إختلاف مدد وتغول الديكتاتوريات التي هبت لإقتلاعها.
فمثلما لأكتوبر معطياتها وعوامل إنطلاقتها واليات تشكيلها والعثرات التي عاقت مسيرها ..نجد أن لأبريل مخاضها المختلف مما أدى الى ولادتها القيصرية التي أنتهت بوفاة الأم والجنين معاً..ولطالما حذر العقلاء حينها من أن التعجيل بإعادة الحياة الديمقراطية في كامل دسمها دون إنتقالها على نار االتقليب الهادي بغرض تسخين برودة الأحزاب وإعادة صياغتها على أسس مؤسسية حديثة تقوم على ديمقراطية من داخل مطابخها الذاتية حتى تنأى بها عن نمطيتها التقليدية في القيادة ..لتستيقظ بنشاط متجدد بعدأن نامت طويلاً في بياتها تحت صقيع التجميدالمايوي لكياناتها القانونية والتنظيمية ..فكان الرد السريع هو.. أن ذلك التفكير فيه نذر مؤامرة لعدم جاهزية مطلقيه لخوض غمار الإستحقاق ..ولعل النتائج التي حصدها الوطن جراء إغفال ذلك النداء المتعقل قد جرتنا الى ثلاثين عاما عجافاً من النكوص والتردي و قادتنا الى المزيد من الإقصاء الجماعي لمصلحة فئة بعينها بل والى وبالٍ طال كل الأحزاب التي رفضت ذلك التوجه وهاهي الان أكثر ضعفاً و تمزقاً و تشظياًوندماً.. الشيء الذي يجعلنا نقرع جرس الإنذار من جديد وهاهي ثورة جديدة وفتية تطل عبر ناصية الشارع وتثير غباراً من تربةٍ مختلفة الخصوبةوتنطلق فيها حناجر تهدر بزئير ٍشبابي يعلوفوق بحة عواجيزالأجيال التي طالها الوهن وأعجزها الزمن.

ولئن كان إنتصار ثورة الشهور الثلاثة التي نعيشها الآن معقود اً على دورة عقارب الوقت ليس إلا..فإن ذات المخاوف من سرقة الحصاد قبل وصوله الى بيدر التشوين ..لابدأن تكون حاضرة في الآذهان وماثلة في الحسبان ..لان الدولة العميقة التي ستترسب في أعماق بحيرة الإنقاذ بعد تبخرها كدولة وكحزب لن تستسلم بسهولة وستتحرك لتعكير مياه الجداول المنسابة العذوبة وتعيق تحركها لسقاية حقل الثورة وربما تنبت في سرابات ذلك الحقل بقايا من جذورعشبها المسموم.

فعدم الأخذ بالعبر والدروس من فصول الماضي لابدسيكون عائقاً في صياغة معالم المستقبل ..بما يحتم الحذر ثم الحذر حيال تجنب إستعجال التفكير في إقتسام اللحم وفروة الجلد قبل صرع الدب العنيد والشرس ..وكلما طالت الفترة الإنتقالية لترتيب البيت الداخلي وتنظيفه من روث الإنقاذ وإزالة كل أوتادها ومفاصل تمكينها من كل زوايا زريبتها الشائكة الأبعاد.. وإلا فسنعود الى مربعات أبعد نائياً عن إصلاح الوطن المنكوب وسيكون حال الغد أسوأء قبحا ودمامة عن وجه اليوم ..وهي مسئؤلية شباب الثورة من الدرجة الأولى لان ذلك الغد من المفترض أن تشرق شمسه في عيونهم الشاخصة بتركيز في إنتظار التغير الحقيقي والذي من المفترض أن يرسم صورة أجمل من بعض الماضي وكل الحاضر.

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 403

خدمات المحتوى


محمد عبد الله برقاوي
محمد عبد الله برقاوي

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة