المقالات
السياسة
هنا فقد.. وهناك فقد اكبر إسمه احمد عبد الوهاب جبارة الله
هنا فقد.. وهناك فقد اكبر إسمه احمد عبد الوهاب جبارة الله
02-11-2019 06:36 PM

بلادنا مليئة بالموت ..الحروب الاهلية جنوبا، ثم جنوبا جديدا في الغرب الدارفوري والكردفاني ..مجاعات صريحة بدء من دارفور عام 83 ، انداحت بعد ذلك صامتة في كافة ارجاء البلاد، علي يد اخر الشموليات، حتي عز القوت لدي الاغلبية الساحقة إلا من وجبة او وجبتين فقيرتين في اليوم.....يتبلد الاحساس بالموت مع تكراره وهذا ،مع ميكانيزم النسيان السايكولوجي وربما الفيزيولوجي في ذاكرة الانسان، ينقذ ماتبقي من السودانيين من الجنون او الحزن الابدي..بيت من موال عراقي، هذا البلد الذي عرف الموت أهوالا، يكثف فعل هذه الخاصية الانقاذية : " قَبُل ( سابقا ) ماكنا ننسي لو تمر سنين / هسه الصبح ندفن والعصر ننسي ".

وسط هذا الموت الجماعي السوداني المستدام ينهض موت خاص بالنسبة للبعض، يبقي يُوجعهم ويحزنهم بأطول مما يبقي يوجعهم الموت الجماعي ويُحزن ..من هذا القبيل موت احمد عبد الوهاب جبارة الله بالنسبة لمن عرفوه في نطاق مهنة الدبلوماسية او خارجها. وَقعُ وفاته في 25 يناير الماضي كان مفاجئا وصاعقا ليس فقط لان تشخيص إصابته بالسرطان كان مبكرا جدا وفي بيئة صحية وفرت له الاقصي من العلاج والرعاية، وإنما لان احمد عبد الوهاب كان الحيوية مجسدة في شخص بحيث يصعب تصوره ساكنا سكونا ابديا كما هو الحال مع الاخرين .. اينما حل كان المكان يشتعل المكان بصوته الجهوري وذكائه الوقاد وذاكرته الغنية بالقصص والحكاوي من اركان المعمورة الاربعة التي حملته اليها مسئوليات المهنة، منذ التحاقه بها عام 71 منتقلا من السودانية الي الدولية في المفوضية السامية لشئون اللاجئين منذ اوائل التسعينات.

الدبلوماسية التي تبدو من الخارج ناعمة رخية لها داخل خشن يتطلب من شاغلها ماهو اكثر وأهم من المؤهلات الدراسية، مزيجا من التماسك الاخلاقي ومواهب من الفطنة واتساع الثفاقة وتنوعها.. خلف المظاهر الفخمة وطقوس المجاملات والاتيكيت، للدبلوماسية عالم مظلم يموج بصراعات المصالح بين الدول تستعمل فيها كافة الاسلحة كبيرة كانت او صغيرة بمعايير الاخلاق والانسانيه.. تمنحك في وجهها الاخر تعويضات من ضروب المتعة بالترفيه الراقي والمعرفة وتغذية الذهن وراحة النفس، ولكنها إذ تعّرض تكوين الفرد المهني والاخلاقي لاختبارات يومية معقدة تورده احيانا ايضا موارد التهلكة فيجد نفسه يوما في ساحات حروب ونزاعات اوعقابيلها القاتلة.

شق احمد عبد الوهاب طريقه في عالم الدبلوماسية المتشابك هذا بكفاءة مشهودة مرتقيا سلمها من ادناه بداية بعدد من الدول الافريقيه ثم امريكا ومن ثم المقر الاوروبي للامم المتحدة في جنيف حيث رفعته قدراته الي منصة الدبلوماسية الدولية موظفا في المفوضية السامية لشئون اللاجئين مسئولا عن عملياتها في افغانستان وزامبيا والخليج ثم العراق.. وفق محادثات تلفونية منتظمة معه إبان زياة له الي استراليا كان اخرها قبل وفاته ببضعة ايام بدا فيها عاديا صافي الذهن، لم يستبعد احتمال إن اصابته بالسرطان مرتبط بفترة عمله في العراق، ارض الحروب التي استخدمت فيها كافة الاسلحة ومن بينها اليورانيوم المنضب depleted uranium ،لاسيما وان اثنين اخرين من الدبلوماسيين الذين عملوا في سفارة السودان ببغداد كانوا قد توفوا بنفس المرض .

صاحب هذه السطور تعرف علي الفقيد الكبير، الاعلي مقاما منه ولكن الاصغر عمرا ، في نطاق التزامل الدبلوماسي ولكن صاحبنا، وقد ادرك بالتجربة العملية مشقات المهنة ومتطلباتها، آثر أن يتركها فانسحب تدريجيا حتي إن مقصلة الفصل (الانقاذية ) التي احتزت عصب الدبلوماسية السودانية، لحقته وهو بعيد عنها عمليا... انقطعت صلته باجواء الدبلوماسية فخسر صداقات وعلاقات انسانية، تضاعف مقدراها كما وكيفا بحالة الشتات التي اوقعت هذا النوع من الخسائر بكثيرين غيره من اهل البلاد، بيد إنه إنه كان أسعد حظا من غيره عندما اتاحت له الظروف استعادة علاقته بأحمد عبد الوهاب.. بضع سنوات كانت كافية لتعويض ماخسره ومعها تغذية راجعة ثمينة لما تيسر لصاحبنا من انتاج كتابي في حقبة مابعد- الدبولماسية في حياته، حتي اضحي انتظار رأي احمد عبد الوهاب في ما يكتبه احد حوافز الاستمرار فيها.

الاخ العزيز احمد (الصيغة التي كنت افتتح بها ردوي علي رسائله) شكرا جزيلا .. يوم شكرك جاء مفاجئا ومبكرا باكثر مما كنا نريد ونرجو .حتي في الموت سبقتنا. (أخوك محمد بشير)

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 411

خدمات المحتوى


عبد العزيز حسين الصاوي
عبد العزيز حسين الصاوي

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة