المقالات
السياسة
انتفاضة ديسمبر وإعادة إنتاج النظام المستبد
انتفاضة ديسمبر وإعادة إنتاج النظام المستبد
02-13-2019 07:10 PM

محمود محمد ياسين

في هذه الكلمة نلقى النظر على المحاولات التي تقوم بها القوى الاجتماعية التقليدية الممسكة بزمام السلطة (القوة السياسية) لترتيب أوضاع الدولة السودانية وإعادة إنتاج نظام الحكم السائد الذي رج أرضه زلزال 19 ديسمبر.

عمر البشير يريد الإصلاح

في لقائه مع الصحافيين في السادس من فبراير الجاري، أبدى البشير استعداده للاستماع لصوت الشباب والاستجابة لتحقيق تطلعاتهم؛ ولم يأت بجديد وكان التركيز على قانون النظام العام ولكن تحرك الشعب بكل فئاته كان وما زال هبة ضد كل السياسات والقوانين الجائرة للحكم المستبد. فالبشير أراد التقليل من الانتفاضة بحصر سبب الأزمة في قانون النظام العام أساسا وليس سياسات تطاولت لثلاثين عام حولت السودان لحطام (ruins). وباختصار فإن الجنرال يريد أن يقول كل ما نحتاج إليه هو تعديل هذا القانون أو ذاك ومعالجة هذه السياسة أو تلك وكل شيء سيكون على ما يرام.

وزير الدفاع ينصب نفسه مصلحاً سياسياً

وقبل تصريحات البشير بيومين في الرابع من فبراير قال وزير الدفاع، عوض محمد أحمد بن عوف، عقب لقاء عقده مع ضباط القوات المسلحة، أن الجيش لن يسمح بانزلاق البلاد نحو المجهول او التشظي او الاختطاف؛ وذكر أن المطلوب هو إعادة صياغة وتشكيل الكيانات السياسية والحزبية والحركات المسلحة في المشهد السياسي بذهنية مختلفة عما سبق لتحقيق الاستقرار في البلاد وحقن الدماء. وفى رأى الوزير هو أن ما وصفه ب “الأحداث الأخيرة"، يتطلب " التواصل بين الأجيال ووضع المعالجات العاجلة لمشاكل الشباب، لما أظهرته التظاهرات من حالة الانفصام بين الأجيال الشابة والكبار حتى داخل الأسر." إذا تركنا جانباً سؤال لماذا قدمت الحكومة وزير الدفاع للبت في مآل النشاط السياسي في البلاد، فإن هدف تعليق الوزير، المتسم بالركاكة في تحليل الانتفاضة، هو تحقير الهبة الجماهيرية والقول بعدم رشد الأحزاب السياسية التي على حسب وجهة نظره تحتاج لإعادة صياغة كياناتها.

إن وزير الدفاع يتجاهل عمدا أن المطلوب في نطاق مسؤوليته تثوير العقيدة العسكرية للجيش وجعلها أكثر وضوحاً وفعالية في الدفاع عن أراضي الوطن وتوحيد الكيانات القتالية المختلفة تحت قيادة القوات المسلحة السودانية وعدم تكوين قوات خاصة لحماية هيئة الرئاسة (البشير). لكن الوزير لا يريد هذا بل استمرارية النظام الفاسد الذي استدعاه من المعاش لشغل وظيفة وزير للدفاع.

صحافيو الحكومة يثيرون التقزز

في لقاء البشير مع صحافي الحكومة (بعضهم يدعى الحياد) لم يطرح صحفيو الحكومة سؤالا واحدا يسائل الرئيس عن خطابه الاستفزازي ودعوته للقصاص من الشعب في استهلال الانتفاضة ضد حكمه البغيض، وإذا ما كان مستعداً للاعتذار عن ذلك القول الذي يفقده أي مشروعة لحكم البلاد؛ وسؤال آخر هو كيف ينظر إلى مشروعية حكمه حيال الإجماع الشعبي على رحيل نظامه. طبعا لم يكن أحد يتوقع أن تكون مساءلة البشير بمهنية صحفية احترافية في ذلك اللقاء المنظم (staged). ففي اللقاء تطوع أولئك الصحفيون بمداخلات تافهة برزت فيها وجهات نظرهم حول جدوى استمرار حكم الإنقاذ وتتلخص في أن المشكلة هي غياب الوزراء والمسئولين الأكفاء بجانب البشير المؤهل، وفقهم، لحل أزمات البلاد وأن انتفاضات الشعب السوداني مثل هبة ديسمبر لا خير يُجنى من ورائها؛ ففي استنكار غريب أشار الصحفيون إلى ان الاحتجاجات تحولت من مطالب اقتصادية لحركة سياسية ثم إلى (مجرد) مزاج اجتماعي مدمر!! لكن نذكر أنه كمبدأ عام فإن أي ثورة سياسية هي ثورة اجتماعية، بمعنى أنها سياسية بالقدر الذي تتم فيه الإطاحة بنظام حاكم واستبداله بحكم آخر واجتماعية بالقدر الذي تجرى فيه الثورة تغييرا جذريا في المجتمع. وكذلك كحقيقة ساطعة فإن التغيير عندما يلتف معظم الشعب حوله يصير مزاجا اجتماعيا يرى أن الوضع السائد أصبح لا يطاق ويجب تغييره.

إن انتفاضة ديسمبر حركة سياسية فجرها الشعب الذي أدرك أن تحقق مطالبه المتعلقة بظروف معيشته في إطار عدالة اجتماعية أوسع رهين بإزالة حكم الإنقاذ، وقد سيطر على الشعب السوداني مزاج جعله يدرك أنه لا يمكن الاستمرار في ظل حكم الإنقاذ الظالم. وفى ظل هذا الوضع أخذ يقابل حراك الشعب نشاط حثيث من قبل الطبقة الحاكمة لامتصاص الفوران الشعبي وإعادة إنتاج النظام المستبد. ويعن لنا أن نذكر أن مواجهة محاولات إجهاض انتفاضة ديسمبر تتطلب التصدي لقيادة حركة الشعب التلقائية بجسم سياسي، أوسع من الهيئات النقابية، يكون موازيا لما نسميه بالثورة المضادة التي هزمتنا في أكتوبر 1964 وأبريل 1985... ونواصل

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 318

خدمات المحتوى


محمود محمد ياسين
محمود محمد ياسين

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة