المقالات
السياسة
ثورة 19 ديسمبر بين اتهامات الاقصاء ومبدأ المحاسبة
ثورة 19 ديسمبر بين اتهامات الاقصاء ومبدأ المحاسبة
02-17-2019 10:02 PM

ابواق النظام ورموزه الفاسدين يرددون في لحن جنائزي ، ان الثورة شعاراتها اقصائية ،
وما يثير الاستغراب ليس الاتهام ، ولكن ما يدهشك حقاً من اين يستمد هؤلاء هذه الجرأة والوقاحة ،
بعد ان اصبح مجرد شبهة الانتماء والتأييد للنظام بمثابة فضيحة كبري تستوجب علي صاحبها تجنب
السير في الطرقات الرئيسية والاكتفاء بالسير في الازقة الضيقة في حالة حدوث امر جلل يستدعي خروجه
من عزلته ، ولكن اذا لم تستحي فاصنع ما شئت ، لا نحتاج ان نتحدث عن الاقصاء الممنهج خلال الثلاثة
عقود من حكم الانقاذ فهو معروف للقاصي والداني وما زال يمارس حتي هذه اللحظة ، ولكن نحاول ان نبين
الخلط بين مبدأ المحاسبة والاقصاء ، خاصة بعد ان ارتفعت بعض الاصوات المحسوبة علي الثوار بوعي او بدونه
في ذات الاتجاه وابدأت مخاوف مشروعة من ان تتحول الثورة من بناء وطن الغدا الي حالة من الانتقام الأعمى ،
و يمكن تلخيص آرائهم في النقاط التالية :
1- الترحيب بكل المبادرات الموازية لإعلان الحرية والتغيير الصادر من تجمع المهنيين .
2- الترحيب بكل المجموعات المنسحبة من الحكومة والتنسيق معها لتشكيل اكبر جبهة لإزالة النظام .
3- الاسلاميين الذين تخلو عن مشروع الانقاذ او تخلت عنهم الانقاذ يجب التنسيق معهم ليكون لهم دور في التغيير القادم .
وغيرها من الآراء ولكن هذه النقاط هي الابرز وستقوم في متن هذه المقال بتحليل هذه النقاط وتبيان مدي الاختلاف بين
مبدأ المحاسبة والاقصاء .
-1-
الترحيب مشروط لكل من كان جزء من النظام في فترة ما ، ولا يوجد حالة من الافراط في اقصاء أي شخص يحاول ان يساهم
في اسقاط النظام ، بقدر ما يوجد حالة من الحذر المبرر والمسنود بتاريخ من الانتهازية السياسية لمعظم النخب التي تتباكي علي الاقصاء
، وتحاول ان تذر الرماد في العيون بان تجعل ذاكرة الشعب تتوقف عند محطة مواقفها السياسية المشرفة وغض الطرف عن محطاتها
السياسية الأخرى ، تريد ان يكون تاريخها السياسي جزر معزولة تستدعي منه ما يوافق اللحظة التاريخية واستبعاد الذي
لا يليق عن الانظار ، ولكن هيهات ، فذاكرة الشعب متقدة، ، ولديه قوة استشعار ذاتية ومناعة مكتسبة ،نتيجة لمواقف
بعض الرموز التي قدمها الشعب وخذلته وباعته بثمن بخس ، ومنهم عراب النظام الترابي ، ورئيس الوزراء الجزولي دفع الله ،
والرئيس سوار الذهب وغيرهم ، الذين قدمتهم الجماهير لمواقفهم المشرفة في ثورتي اكتوبر وابريل ، لكن ليس من المنطق
والحكمة ان نزين موقفهم في الثورة ، ونتجاهل افعالهم اللاحقة التي كانت سبب البلاء والفقر الذي يعيشه وطننا اليوم ،
فصحيح ان المواقف اللاحقة لا تلغي المواقف السابقة باعتبار ان كل موقف جزء من التاريخ ، ولكن الاحداث اللاحقة
تقدم قراءة صحيحة لتلك المواقف ، وتبين ان هذه المواقف ليس اصيلة ومبدئية ، وانما مواقف براغماتية تم اتخذها
لمكسب ما ، وغير متسقة وسيرتهم القذرة ،فالشعب حصيف وله الياته التي تكشف المتسلق والانتهازي من الثائر
الحقيقي الذي يؤمن بعملية التغيير .
-2-
تجمع المهنيين بحكم شرعية الشارع هو من يمتلك قيادة الثورة مع القوي الموقعة علي اعلان الحرية والتغيير ،الذي اصدره التجمع كأساس
مرجعي متوافق عليه ،وفي احد بنوده يقر بانه قابل للإضافة في المراحل القادمة ، والفضاء السياسي مفتوح لكل جهة ترغب في تقديم
مبادرة تمثل اضافة لإعلان الحرية والتغيير او منفصله عنه ولكن القيادة في المرحلة الحالية لا يمكن الوصول اليها لأنها محجوزة
بأمر الشعب لتجمع المهنيين السودانيين ومن يدعمهم .
-3-
النظام لتحسين صورته امام المجتمع الدولي صنع بعض الاحزاب كديكور لتزين الحكومة ، وضخم بعض الشخصيات بوصفهم
زعماء ورموز معتدلة للحركة السياسية المعارضة ، فانسحاب هذه المجموعات لا يضعف النظام لأنها بدون تأثير فعلي في تركيبة
الحكومة ، ودورها ينحصر في ان تبصم علي القرارات لا ان تحددها ، ولا مانع لديها ان تصبح في الحكومة وتمسي في المعارضة ،
ما يهمها ان تتصدر الاحداث وتتعامل علي اساس هذه الزعامة المتوهمة، ولكن هيهات ! نرحب بهم كأفراد تحت مظلة تجمع
المهنيين مع تفعيل مبدأ المحاسبة بعد نجاح الثورة لكل من ارتكب جريمة في حق الشعب .
-4-
تجربة قوي الاجماع الوطني التي كان ضمن مكوناتها حزب المؤتمر الشعبي بقيادة الترابي ، اثبتت ان التقديرات الخاطئة تؤدي
للإطالة بعمر النظام ، وان التحالف عند الاسلاميين لا يعني الالتزام بالاتفاق بقدر ما يعني الانحناء للعاصفة ، والتمسك بأول
الخيوط التي تقود للمغانم والمناصب ، كما ان سهولة التحول من الحكومة الي المعارضة بدون تحمل مسؤلية اخفاقات النظام
وبدون دفع الاستحقاقات الفعلية ، استخفاف بالشعب ويؤدي الي احباط الجماهير وعدم مشاركته بفعالية في عملية التغيير ،
لأنها تكون كالمستجير من الرمضاء بالنار ، وقد جربت المعارضة التحالف من شخص بكاريزما وقداسة الترابي عند الاسلاميين ،
ولم يعجل ذلك برحيل النظام ، وبالتأكيد التحالف مع من دونه من الاسلاميين لا يحدث نتائج افضل ، فالنظام موجود بسبب
القبضة الامنية ولا يمكن ان يسقط من دون خلخلت هذه القوة الامنية بوحدة وصمود الشعب ، لا التحالف مع رموز
لا تملك من امرها رشدا
-5-
التمسك بمبدأ المحاسبة والمسالة لكل من اغترف جرم في حق شعبنا لا يعني الاقصاء ، الاصرار علي عدم تكرار ذات
الاسباب التي ادت الي ان تكون نتائج ثورتي اكتوبر وابريل اقل قامة من التضحيات التي قدمها شعبنا لا تعني الاقصاء ،
الخروج من الدائرة الجهنمية (انقلاب –ديمقراطية –انقلاب ) بسد كل المنافذ التي يمكن ان تعيدنا لذات المربع لا تعني
الاقصاء ، الحرص علي عدم تكرار ذات المشاهد بعد عقدين او ثلاثة عقود من الزمن لإزالة نظام شمولي اخر وضياع
سنين من عمر شعبنا لا تعني الاقصاء ، كل ذلك لا يعني الاقصاء ولكن يحاول اذيال النظام لي عنق الحقيقة ، والخلط
والتشوية المتعمد بين مفهوم الاقصاء ومبدأ المحاسبة ، وتصوير اي دعوي للمحاسبة علي انها اقصاء وعدم قبول
للأخر ، وللأسف وقع البعض في فخ الخلط والتحوير المنصوب من قبل النظام ، حتي يسهل للدولة العميقة ان
تبتلع الثورة في حالة نجاحها ، ولكن لا يجدي نفعاً البكاء علي الاقصاء المتوهم من قبل النظام ، فالثورة ماضية
في تحقيق اهدافها ، وغير قابلة للتقويض من قبل اعداء الشعب ، فسنحمي الثورة ببناء دولة المؤسسات التي
لا فرق فيها بين رئيس ومرؤوس ، والجميع سواسية امام القانون ، وسيحلق الوطن بجناحي الكرامة والحرية لافق
لا تطالها الايادي الفاسدة .


معتز إبراهيم صالح
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 267

خدمات المحتوى


التعليقات
#1813527 [الكيك]
0.00/5 (0 صوت)

02-18-2019 11:25 AM
من الذي يقرر شكل النظام القادم؟ هو الشعب قطعاً يا بروف ولكن كيف؟
تقريباً الآن يوجد اتفاق على الفترة الانتقالية لإدارة الدولة ومعاقبة اللصوص والمجرمين في الثلاثين عام المنصرم من عمر الشعب. هاتان مهمتان لهما أولوية أول الفترة الانتقالية ثم تليها وتنتهي بها مهمة بلورة الرؤى المختلفة للدستور الدائم وطرح الصيغ المختلفة له والتي تتمخض عنها النقاشات والندوات والمفوضيات المختصة المكلفة بإخراج الصيغ القابلة للإستفتاء عليها بصياغتها القانونية المنضبطة تمهيداً لطرحها جميعاً للإستفتاء عليها. وبالطبع لن تكون كل مشروعات الدستور هذه قائمة على فكرة الديمقراطية الحزبية. في ظني أن الشباب الثاير الآن ليس في تصوراته أي نظام حزبي بزعامات طائفية أو عقائدية على مثال الأحزاب التقليدية التي يسمعون بها ولم يحضروا زمان حكمها، بل أن هذا ينطبق حتى على أبناء تلك الزعامات والأسر الطائفية مثلهم مثل أبناء الكيزان الذين يشاركونهم الخروج للشارع للمظاهرات. تَغَيُّر عصر وعقلية يا بروف. حتى أن الأحزاب التقليدية وحتى التقدمية منها إن قُدِر لها أن تعود ستعود وقد فقدت جُلَ عناصر الولاء الطائفي والعقائدي الذي كان يربط بينها وبين مناصريها. وهؤلاء الشباب لو وجدوا صيغة للحكم تعفيهم من أية ولاءات من أي نوع لأية زعامات لأفراد أو كيانات لما ترددوا على ترجيحها على كل ما يعود بهم إلى الأنظمة التي حكمت آباءهم وإلى طريقة وعقلية آبائهم التي تعايشت مع تلك الأنظمة. وحتماً ستطرح مثل هذه الصيغة من الديمقراطية اللبرالية غير المرتبطة بأي عمل حزبي أو سياسي يقود أو يسيطر على إدارة مؤسسات الدولة وأدائها للأعمال المنوطة بها بموجب الدستور والقوانين المنفذة له.
ولا يعني هذا وجود أي وصاية أو حجر أو عزل بل حرية مطلقة و مشاركة كاملة في طرح كافة الآراء ومناقشتها بالأخذ والرد وسيطبق عليها حكم الديمقراطية الحقة في اختيار الفائز منها باستفتاء الشعب بأغلية لا مراء فيها وهي نسبة موافقة لا تقل عن 75% ممن حق لهم التصويت. وعليه فمن السابق لزمانه يا بروف القطع بسيادة هذا النوع أو ذاك من الديمقراطية مع ملاحظة أن الاتفاق منعقدٌ طبعاً على الديمقراطية واللبرالية في كافة علاقات الدولة بالفرد في حدود دستور المساواة والحرية الفردية. والحشاش يملآ شبكته في ختام الفترة الانتقالية قول صحيح لا مشاحة فيه، ولكن ستكون الغلبة للشباب وليس لأحلام مخضرمي الأحزاب والين قد لا يدركون اك الوقت على كل حال، وبذلك ينتهي انتقال الوِرْث من زعامات حزبية طائفية لأبناءٍ هم من ها الجيل من الشباب لا يقبل بالمطالبة بهذا الإرث حتى!!!


معتز إبراهيم صالح
معتز إبراهيم صالح

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة