المقالات
السياسة
مشكلة الميناء الجنوبي
مشكلة الميناء الجنوبي
02-22-2019 05:19 AM

مصيبة أخرى من مصائب حكومة معتز , وعجيبة جديدة من عجائبها التي لا تنقضي , مدير الهيئة العامة للموانيء يقول بأن دخل هذا المرفق العام والحيوي , يعادل ما قيمته ثلاثة عشر مليون يورو أو يزيد سنوياً , و رئيس الوزراء لا يقر إلا بأقل من واحد مليون يورو في السنة الواحدة , بحسب ما جاء في إعلام التواصل الاجتماعي , فالفرق بين القيمتين كبير جداً , ولا يوجد تفسير لهذا البون الشاسع بين الرقمين , سوى أن رماد الفوضى المالية والإدارية قد أعمى البصائر , فأصابت الضمائر غشاوة وعتمة صادة ومانعة , و أن الفساد بكل مسمياته قد أصبح مؤسسة في حد ذاته , بحيث أنه استطاع حجب المعلومة عن رأس الجهاز التنفيذي , فمن المؤكد أن قرار تأجير الميناء الجنوبي قد بني على بيانات وبينات زائفة , أو قصد تزييفها , وحينما يصاب الهيكل الاداري للحكومة بالشلل والترهل , تصبح محصلة جميع قرارات و توجيهات مجلس الوزراء صفراً كبيراً , فما كان لمعتز موسى أن تأخذه العزة بالإثم عندما صدمه مدير الموانيء تلك الصدمة المباغتة , التي تفوق في قوتها ودرجة ارتطامها قوة صدمته العلاجية المزعومة التي بشر بها الناس قبل عام , فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها اتبعها , ومن بين هذه الحكم هنالك بديهة من بديهات العمل التنفيذي , وهي وجوب إيقاف اجراءات التسليم و التسلم مع الشركة الفلبينية , بمجرد ظهور طاريء يؤكد غياب معلومة جوهرية عن محضر اجتماع اتخاذ قرار تأجير الميناء لهذه الشركة الأجنبية , فمثل هذه المعلومة الجديدة التي أدلى بها مدير هيئة الموانيء , والمؤكدة على جدوى استمرار إدارة الحكومة السودانية للميناء , والنافية نفياً قاطعاً لعجز إدارة الميناء عن الوفاء باستحقاقاتها تجاه نفسها (موظفيها وعمالها) والحكومة معاً , كان من الواجب أن يكون كشف هذه الحقيقة المتستر عليها من قبل اصحاب المصلحة , من سماسرة و وسطاء جشعين همهم الأول و الأخير منفعتهم الشخصية , بمثابة السبب المقنع لحكومة معتز للوقوف و التحري , وكان مما يمليه الواجب الوطني على قائد طاقم رئاسة الوزراء ايضاً , أن تكون تلك المفاجأة الحميدة التي قدمها مدير الموانيء خير دافع و محفز له , لأن يقوم بعمليات مراجعة شاملة ومباشرة من مكتبه , تلحق جميع المؤسسات الوطنية و المرافق الحكومية الاستراتيجية المنتشرة في ربوع الوطن , ليتم الكشف عن المزيد من نوعية مثل هذا الخلل الاداري , المؤكد والمتوقع وجوده في العديد من المؤسسات و الهيئات الحكومية , وكان من الأوجب كذلك ترقية مدير هيئة الموانيء وتكريمه والاحتفاء به , فهو الذي أزاح الستار عن هذه الأرقام الصادمة , لكن قولوا لي بربكم , كيف لمنظومة حكم يعتبر الاستبداد طابعها الأول , وما فتيء الفساد ينخر في دواوينها لثلاثة عقود متتالية , كيف لها أن تسطيع إصلاح و اجتثاث سرطان الفساد المالي و الإدراي؟

الراصد للطريقة التي تتبعها الحكومة في حل أزماتها الاقتصادية , والتي في مقدمتها ندرة النقد الأجنبي , تتبادر إلى ذهنه صورة رب الأسرة الذي يقوم ببيع أصوله الثابتة من عقارات و وسائل نقل وغير ذلك , حتى يتمكن من الوفاء بسداد التزاماته المالية تجاه اسرته الصغيرة , دون أن يسعى إلى إيجاد حل جذري لمشكلته الاقتصادية , كانشاء مشروع انتاجي واستثماري خاص به , ذو دخل مستدام يغطي بنود نفقاته اليومية و مصروفاته الشهرية و السنوية , هذا هو حال حكومات دويلة الانقاذ ابتداءً من أول حكومة عسكرية أدارها مجلس قيادة الثورة , وانتهاءً بمجلس وزراء معتز (صدمة) الذي لم تتوقف صدماته ولكماته المصوبة نحو الجسد الهزيل للمواطن السوداني , فشعار ثوار ديسمبر الذي عنوانه إسقاط النظام ولا شيء سوى إسقاطه , خرج من رحم شعب يئس من رئيسه عمر البشير , وأصابه القنوط من تغريدات رئيس مجلس وزرائه معتز موسى , وكفر كفراً بواحاً بكل شخص يحمل لقب (كوز) , (إنقاذي) و (إسلامي) , فاذا لم يستعجل ثوار ديسمبر في سباقهم المقدس نحو التحرر عبر مشروع إسقاط النظام , سوف يقوم النظام الراهن ببيع كل المؤسسات و الدوائر و المصالح الحكومية للأجنبي , و سيؤجر أراضي البلاد للمستثمرين القادمين من بلدان ما وراء البحار , فحالة الإفلاس المالي و الاخلاقي التي ضربت منظومة الانقاذ السياسية , لا يرجى منها حلول حقيقية تلامس أصول وجذور المعضلة السياسية و الاقتصادية , ولن تخلّص الناس من جحيم الوضع المعيشي البئيس , فمن لا يلقي بالاً للمصير المجهول الذي ينتظر هذا العدد الكبير من العمال والموظفين , بعد استكمال اجراءات تسليم ادارته للشركة الفلبينية , هؤلاء العمال والموظفون الذين أفنوا زهرة شبابهم في خدمة الوطن الحبيب بهذا الميناء البحري , مثل هذا الشخص ليس جديراً بأن يبقى في سدة الحكم , حتى لا يمنح الطامعين مزيد من فرص المزادات السرية المستهدفة لبيع و رهن وتأجير المؤسسات والشركات الوطنية.

إنّ العقلية التي أشرفت على إدارة دولاب الدولة السودانية طوال الثلاثين عام الماضية , لا تعني لها كلمة (وطن) سوى تصور هلامي وخيالي لمزرعة نائية مجهولة ومهملة ما لها من راع , وإلا, فتدمير الصروح الوطنية التي كانت قائمة من قبل , مثل الخطوط الجوية السودانية و هيئتي النقل النهري و الميكانيكي ومعهما مشروع الجزيرة , لا يمكن أن يتم في حضور رجل دولة قلبه نابض بحب التراب فعلاً لا قولاً , فما نسوقه هنا من مطالبات لرجل الدولة بأن يتمتع بعشق الأرض , و أن يتعلق قلبه بتضاريس الوطن من سهول وهضاب , ليس رومانسية سياسية ولا خيال ساذج ولا حتى استجداء للمستحيل , لأن معظم اخواننا في الجوارين الإقليميين العربي والإفريقي قد نهضوا من ذلك السبات العظيم , الذي و للأسف ما زلنا نرفل تحت غطاء وساداته الناعمة والسميكة الدافئة , فأولئك الجيران قاموا بأضاءة الشموع ثم لعنوا الظلام , فاستطاعوا أن يحققوا قدراً كبيراً من مطامح شعوبهم , التي كان سقفها الأدنى الخبز والعيش و الوقود و الدواء و الكساء والإيواء , فالاصطبار على نظام استمرأ جزر لحمة الوطن , واعتاد على بيعها كومة بعد أخرى في مزادات أسواق التجارة غير النزيهة , لا يأتي مثل هذا الصبر والاصطبار و ذلك الركون إلا من شعب عديم الهمة لا يستحق أن يعفر وجهه بتراب الأرض.

ويظل السؤال المكرور و المعهود يطل برأسه في توقيت هذه المناسبة الحزينة , وهو: متى نغزو العالم بمنتجاتنا الغذائية ؟ إذ ماتزال بلادنا تحمل وسم وديباجة (سلة غذاء العالم) , فمتى تمتليء خزينة البلاد الإتحادية بالفوائض من عائدات المعادن النفيسة و اللحوم الكثيفة و الجلود؟ , وكيف ندرب أجيالنا الحاضرة على مهارات استخدام السنارة ونلقنهم فنون اصطياد الكائنات البحرية , لكي نخرج من مأزق جيل ما بعد الاستقلال , ذلك ألجيل الذي باع السنارة برمتها , و تركنا لاهثين وراء مواعين جيراننا الطافحة والناضحة بما طاب من شهي الأسماك.

إسماعيل عبد الله
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 503

خدمات المحتوى


إسماعيل عبد الله
إسماعيل عبد الله

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة