المقالات
السياسة
فك ارتباط!
فك ارتباط!
02-25-2019 03:10 AM

رغم ان كل التسريبات التي سبقت خطاب الرئيس السوداني عمر البشير يوم الجمعة الماضي جاءت على لسان أعلى قمة الهرم الأمني والاستخباراتي إلا أنه لم يفصح صراحة عن ايا منها في خطاب القصر سوى عن نقطة إعلان حالة الطوارئ مما يرجح التفسيرات التي تلت ذلك والتي تشير إلى أن كل ما حدث قصد به تشديد القبضة الأمنية لمواجهة مد الشارع المتزايد الرافع لمطالب وطنية مشروعة وواقعية وتخلو من أي مصالح فئوية او حزبية وتصب جميعها في اتجاه تنحية النظام الحالي الذي تسببت الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها في وصول الاقتصاد السوداني إلى مرحلة الانهيار الكلي والتي تجسدت ملامحها في تدهور قيمة صرف الجنيه السوداني الذي يتم تداوله حاليا عند مستوى ٧٥ جنيه مقابل الدولار الواحد في حين كانت تساوي قيمته صبيحة انقلاب الجبهة الاسلامية في الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ نحو ١٢ قرشا فقط إذا ما أخذنا في الاعتبار الأضفار التي سحبتها الإنقاذ فيما بعد. ووصلت معدلات التضخم والبطالة وعجوزات الميزانية إلى أضعاف أضعاف ما كانت عليه قبل الإنقاذ.
وكان فقدان السودان لنحو ثلث مساحته السيادية والجغرافية ووقوع بعض مناطقه تحت سيطرة دول اجنبية أخرى من اهم وأبرز السمات المعبرة عن الأخطاء الجسيمة التي وقعت فيها حكومة المؤتمر الوطني وهي اخطاء استوجبتها النزعة العارمة للتشبث بالسلطة حتى وإن انكمشت مساحة البلاد إلى شبر واحد رغم الزج بآلاف الشباب في حرب عقدية لم تكن محسوبة النتائج ولم تكن ذات مبررات كافية والدليل على ذلك ان كل ما انفق على تلك الحروب في الجنوب ودارفور كان كفيلا ببناء وطن يسع الجميع وتسخر موارده لخدمة التنمية في بلد يجلس على تلة من الموارد والكنوز التي لو استخدمت بشكل صحيح لكفتنا شر الوقوع في براثن الشحدة والتحول إلى لقمة سائقة لاشباع نزعات ورغبات القوى الإقليمية المتصارعة ولما اصبحنا سلعة تباع وتشترى في أسواق السياسة الدولية والإقليمية.
فك الارتباط الذي كثر الحديث عنه خلال الساعات الماضية هو مربط الفرس وهو الاختبار الحقيقي أمام اي رئيس في اي بلد كان. لا يعقل أن نتحدث عن بديهيات فهنالك طريقان لا ثالث لهما فإما أن يكون الرئيس ايا كان رئيسا قوميا لبلده وشعبه وإما أن يكون حاكما لبلده بأمر حزبه وهنا تكمن الكارثة.
بدء من سياسة التمكين التي أصابت مؤسسات الخدمة المدنية في مقتل وتسببت في الفشل الاقتصادي والسياسي والأمني الذي تعيشه البلاد حاليا ومرورا بالتراخي الواضح مع ظاهرة الفساد التي كلفت الشعب السوداني مئات المليارات من الدولارات وانتهاء بتحويل موارد الدولة إلى مال مستباح ترضع منه مؤسسات حزب المؤتمر الوطني من اتحادات شباب ومرأة وطلاب وغيرها بلا هوادة كل هذه السياسات اصابت الاقتصاد السوداني في مقتل وخلقت نوعا من الغبن الظاهر في نفوس الشباب وجعل سلامة عنصر المواطنة عرضة لخطر كبير لدرجة اننا بتنا نعيش في دولتين دولة المؤتمر الوطني التي يعيش فيها اهل الحظوة من المنتفعين والمنتمين للحزب والذين يستطيعون فعل الممكن والغير ممكن يركبون الفارهات ويستخدمون بطاقات الوقود المجانية ويتسابقون في الأسفار الخارجية على حساب الشعب بلا مبرر ويتسلحون ببريستيج مصطنع بسطوة الحزب يمكنهم من الدخول إلى صالات المطار وأي مكان محظور كما لو كانت البلاد ضيعة خاصة بحزبهم. وفي الجانب الاخر بعيش الغالبية العظمى من افراد الشعب السوداني في جمهورية السودان الشعبية جل يومهم في البحث عن لقمة العيش والمواصلات ومواجهة صلف الحياة وقساوتها التي لا تنتهي.
هذا السرد الذي يعكس واقع تغلقل حزب المؤتمر الوطني في كافة مفاصل وتفاصيل الحياة هو أساس الأزمة وهو العنصر الأساسي الذي يجب ان تنطلق منه عملية فك الارتباط إذا كانت هنالك رغبة حقيقية في استعادة دولة المواطنة والمؤسسات وهو الضمان الوحيد الذي يمكن ان يخرج بالبلاد إلى بر الأمان.
فك الارتباط يعني قرارات فورية ومنطقية وسهلة يتمثل أهمها في الحل الفوري لكافة التنظيمات الحزبية التي يعلم الرئيس قبل غيره انها ترضع مباشرة من ثدي الدولة وأنها احد اهم اسباب الازمة الاقتصادية، وأعني هنا كافة الاتحادات الشبابية والنسوية والطلابية والمنظمات الهلامية الأخرى التابعة لحزب المؤتمر الوطني وينفق عليها صراحة من مال الشعب...هذا لعمري عار وجرم لم يحدث ارتكابه في اي بلد من بلدان العالم على مر التاريخ.
فك الارتباط الحقيقي يعني تقديم جميع العناصر التي أثرت على حساب الشعب لمحاكمات نزيهة وعادلة وشفافة يمنح فيها الجهاز القضائي كافة صلاحياته وباستغلالية كاملة دون اية وصاية او تدخلات سياسية.
فك الارتباط يعني لجم السنة عناصر حزب المؤتمر الوطني الذين يتطاولون ويتسافهون على أبناء الشعب السوداني ويتعاملون معهم وكأنهم بهائم في زرائبهم الخاصة. لا يعقل أن نتحظث عن دولة مواطنة تفتح فيها قنوات وصحف الحكومة الممولة من مال الشعب لأصوات تسيء للشعب وتطالب بمسحه وقتله وتصم تلك المؤسسات الإعلامية نفسها اذنها وتغمض عينها عن الانتهاكات وأعمال القتل التي يتعرض لها أبناء الشعب السوداني لمجرد مطالبتهم بالحق في حياة حرة وكريمة.
باختصار فك الارتباط يعني دولة المواطنة التي يقودها رئيس لكل السودانيين ...رئيس مقتنع بان الحل يكمن في وقف الفظاعات التي ارتكبها ولا يزال يرتكبها حزب المؤتمر الوطني في حق الشعب السوداني باسم الشرعية....رئيس لا يفسر الدعوة لمحاسبة الفساد بانها تشفي والمطالبة بدولة المواطنة والمساواة بانها دعوة للاقصاء...

كمال عبدالرحمن مختار
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 402

خدمات المحتوى


التعليقات
#1814797 [alnaeem]
0.00/5 (0 صوت)

02-25-2019 02:48 PM
فقط أردت تصحيح معلومة ان الدولار كان بحوالي 12 قرش في 1989م والحقيقة بعد شطب الاصفار الثلاثة نجد ان الدولار كان 12 مليم حيث ان الجنيه يساوي فقط 100 قرش ولكنه يساوي 1000 مليم. حقيقة لقد انخفضت قيمة الجنيه خلال هذه الثلاثين سنة حوالي 675 مرة أي ان قيمته تتدهور باكثر من 20 ضعف كل سنة


كمال عبدالرحمن مختار
كمال عبدالرحمن مختار

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة