المقالات
السياسة
بُري: ساتشرات "أدبة" المدينة
بُري: ساتشرات "أدبة" المدينة
03-02-2019 02:30 PM

لو كان من حي في العاصمة، التي جئتها من عطبرة الداخلة الجديدة عام 1960، انتمى إليه وجداناً فهو حي بري. سكنت في غيره لسنوات. فيها السكني المعلنة وفيها الخفية التي اضطرني إليها تفرغي للعمل ضمن كادر الحزب الشيوعي المتفرغ في النصف الأول من السبعينات. وسكنت بري "أوجرياً" بلغة أهله، أي دافع إيجار لا في العير ولا النفير. أجرت في 1968 داراً لنعمة حريز أجمل بنات جيلها في بري قاطبة. وزرتها مريضة في مدينة العين وكان وجهها الندي وحده الذي ينازل الداء ويناكفه. رحمها الله. ثم عدت أوجرياً لبري المحس في 1978 لدار لكمالا عثمان اسحق التشكيلية المعروفة. ونعمت بصحبة مرموقة من أل حريز وأل إسحاق وآل بشري عند دكان سراج وفي الجخنون.

ولمحبتي لبري انقبضت نفسي لما تعرض له الحي في يوم 26 فبراير على يد قوات الطوارئ. فاجتاحته قوة غاشمة منها قوامها بين 1200 إلى 1400 فرد من الشرطة، وقوات الدعم السريع على 132 عربة تاتشر بلوحات وغير لوحات. وجاء في اللوحات الرموز ق د س (قوات الدعم السريع)، و ج ا و: ه ع (جهاز المخابرات هيئة العمليات)، و17 بوكس من الأمن السياسي، و4 دفار شرطة، وسيارة لإطلاق قنابل الغاز، ومجنزرة لودر لاقتحام المتاريس، وركب مصوران على بوكس تويوتا هايلوكس لغرض والتقاط صور للمتظاهرين. وتراصت التاتشرات من عند بداية صالة برستيج ببري المعرض الى السفارة العراقية ليطلق أفراد الأمن منها الغاز المسيل للدموع نحو المنازل لمدة 10 دقائق بطريقة عشوائية وكذلك القنابل الصوتية . وبعد 7 دقائق تم اقتحام بري الدرايسة وبري اللاماب وبري المحس بواسطة 27 عربة تاتشر بيضاء. ونزل أفراد القوة يكسرون زجاج ما صادفهم من سيارات الناس. ومزقوا لساتك بعضها بالسكاكين. وقاموا باعتقال من صادفهم وضربه واقتحام المنازل. وتعرض المارون بشارع المعرض لإيقاف عشوائي وتفتيش عن الهوية وضرب بالعصي. وجرى تجنيب كل عربة مظللة والتحري مع ركابها. ودخل الأمن في استفزاز ممنهج مع رواد سوق 4 وركاب الباصات عند المحطة.

وهذا العدوان المبين على بري هو ما اسماه أستاذنا عبد الخالق محجوب "عنف البادية" على المدينة في سياق الحملة لحل حزبه في 1965. وكان رأس السهم فيها جماعة الأنصار استدعتها قيادتها من الريف لإرهاب الحزب باقتحام دوره وترويع أعضائه. وشاعت الفكاهة أن الأنصار كانوا يسألون من مروا به عن موضع "حلة الشيوعيين" في المدينة لقضاء وطر منها. ولم يسعد مصطلح عبد الخالق الكثيرين لأنهم لم يروا اختصاص البادية بالعنف دون المدينة. ولكنني استبعد أن يكون قصد ذلك التمييز بل كان ما استنكره فعلاً هو عنف المدينة التي "تستأجر" قوى من الريف، مظلومة في حد ذاتها، لترويع خصوم مشروعها السياسي.

ما تزال المدينة عندنا هوية لا تعترف بها دوائر التقليديين والمحافظين. وما يزال الحكم عليها في الغالب مما نرجع فيه لشروط القرى والبادية المعتقد أنها "مستودع أصالتنا الثقافية". فالطلاقة في المدينة في نظر هذه الدوائر مجرد "انطلاقة". ولم أجد من عبر عن هذه الريبة في المدينة والحداثة مثل الطيب مصطفي في تعليق له عن واقعة شباب توك المعروفة ب"واقعة وئام". فالثقافة والوسائط الحديثة وتوظيف النساء في نظره رفعت كلها من صوت النساء قياساً بأمهاتهن اللائي قدسن الحياة الزوجية (بطريقته بالطبع)، بل وفُتن في هذا الرجال المتصندقين في ذكورتهم. ووجد الدكتور محمد محمود، من جهة أخرى، هذه الريب غلبت حتى في تعليق للسيد الأمام الصادق عن نفس الموضوع برغم رشاقته الحداثية.

ليست هذه المرة الأولى ل"مدن السودان تنتفض" لأجل أن تكون هويتها حقيقة سودانية مثل حقائقه الأخرى. كان هذا أرق المدينة في أكتوبر 1964 وفي أبريل 1985:

من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدة والسير

من غيرنا لصناعة الدنيا وتركيب الحياة القادمة

وكانت بري يوم 26 فبراير على مرمي ساتشرات خرجت بعدها وعتادها ل "أدبة المدينة" التي خرجت منتفضة لصناعة القيم الجديدة والسير.

وبري مدينة كانت في خدمة المشروع الحداثي في بدئه وما تزال. ونواصل.

[email protected]





تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 1285

خدمات المحتوى


التعليقات
#1816020 [Khalid Osman]
0.00/5 (0 صوت)

03-05-2019 02:16 PM
Kamala Ibrahim Ishaq and not Osman Ishaq


#1815945 [الدنقلاوي]
0.00/5 (0 صوت)

03-04-2019 09:03 PM
نذكرك بموضوع تبرعات المغتربين والمهاجرين لدعم الثورة وخاصة محاكم الطواريء نازلة غرامات في الثوار والشباب ديل ما عندهم التكتح أقل شيء ناس برة يلموا ليهم حق الغرامات وده أضعف الإيمان


#1815558 [#تسقط بس]
1.00/5 (2 صوت)

03-03-2019 12:56 AM
ع ع ابراهيم مايخدعكم يا شباب بكلامو المعسل ده
العجوز القنوط المابخجل ده عضو وجزء من كتيبة السلاح الالكتروني
اختشى يالمثقف العضوي البيجرح النسيم خدودو


#1815543 [قنوط ميسزوري]
1.00/5 (2 صوت)

03-02-2019 10:24 PM
هذا عنف الإسلاميين ولا لجاجة في توصيفه أكثر أو أقل


#1815529 [one of the good old days teachers]
1.00/5 (2 صوت)

03-02-2019 05:48 PM
? It was a comment on Mr Abdillahi Ali Ibrahim words لوزم امتاع الاستاذ عبدالله بن على بن ابراهيم ومؤانسته why was my comment blocked? I am not a ROBOT من فضلكم اعيدو التعليق ليطّلع البروف عليه!


#1815527 [كوج]
1.00/5 (2 صوت)

03-02-2019 05:40 PM
ياخي بدون لف و دوران عبد الخالق قصد بالبادية خشونة وفظاظة تعامل البدوي مع ناس المدينة تعامله مع الأشياء في البادية ولا أقول تعامله مع الحيوانات الأليفة والوحشية، لأن غلظة الطبع منسوبة إليه لا الحيوان، بل المقصود افتقار البدوي للترقق المطلوب في التعامل مع أهل المدينة فجلهم من المثقفين والموظفين والتجار والعمال المتعاملين معهم والتمييز بين أهل الحضر والبادية في هذه الصفة ما زال قائماً ولا منكر لذلك، ودونك ما يكتب عن العقل الرعوي وعمران المدن.


#1815517 [ابن البندر]
1.00/5 (2 صوت)

03-02-2019 04:20 PM
ما يحدث هو عنف القرويين الذين قال عنهم المرحوم عبد الوهاب بوب المحامي إنهم جاءوا بكل خبث القرية إلى العاصمة. ومن المفارقة أن القرويين الخبثاء يحيطون بالعاصمة جغرافيا ويعتلون قصورها المركزية الرئاسية والسكنية، فقد قال لي أحد معلمي المدارس الأولية من الرباطاب إن أهل العاصمة الحقيقيين هجروها واحتلها أقوامٌ ما معروفين. العاصمة يا بروف فقدت طعمها ونكهتها التي عهدناها واستعاضت عنها برائحة روث البهائم، فالأمر يحتاج لإعادة هيكلة العاصمة بعد إرجاع الهكسوس إلى بواديهم.


#1815516 [سارة غبدالله]
1.00/5 (2 صوت)

03-02-2019 03:44 PM
رحم الله نعمة واسكنها فسيح جناته رحمها الله كانت اخت وصديقة كنا نعمل فى
حقل التعليم كانت جمبله فى كل شيء فى خلقها قى سحنتها اخت للجميع
صرنا اصدقاء فى الثانوى العالى فى مراحل الدراسةعملت نعمه فى عمان والامارات
احى صلاح ابنها خلده اسمها بصيدلية لشفاء الناس تحمل اسمها


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة