المقالات
السياسة
الإسلاميون وتحيُّز الإرساء
الإسلاميون وتحيُّز الإرساء
03-03-2019 08:47 PM

الإسلاميون وتحيُّز الإرساء

إذا ما سألت أحدهم: هل المسافة من هنا إلى القمر أقل أم أكبر من 64 ألف ميل؟ ثم طلبت منه بعدها بأن يُقدر المسافة للقمر، فإن ذلك الشخص سيختار رقماً قريباً من 64 ألف ميل. أما إذا ما سألت شخصاً ثانياً نفس السؤال مستخدماً الرقم 350 مليون ميل هذه المرة، فإن المسافة التي سيقدرها الشخص الثاني ستكون قريبة من 350 مليون ميل. وهكذا سيكون ديدن الشخص في حال اخترت أي رقم عشوائي آخر. اختيار الرقم العشوائي هنا مثال لما يُدعى بالإرساء، وظاهرة تعلق المتلقي النفسية بذلك الرقم العشوائي تُدعى بتحيُّز الإرساء، والتعلق يتم بغض النظر عن العلاقة الموضوعية للرقم العشوائي بالسؤال، فمجرد استخدام الرقم العشوائي يؤدي في أغلب الأحوال لحالة التحيز عند المتلقي. وهذا كان تفسيراً لمعنى الجزء الثاني من عنوان المقال.


أما الجزء الأول بالعنوان وبداخل المقال، ألا وهو استخدامي لمفردة "الإسلاميين" فإنه استخدام غير مبني على تعريفي لهم، وإنما كدلالة لفظية يطلقونها هم أنفسهم على أنفسهم. وغرضي من استخدام هذا الإطلاق اللفظي أيضاً هو تبيينه أولاً كأحد مظاهر تحيُّز الإرساء، فقد كان الناس مسلمين دونما تَـنَـطُّع، حتى أتى حين ٌ من الدهر نصّب بعضُهم أنفسهم في مقام ٍ أرفع من المسلمين، وأطلقوا على أنفسهم مسمى إسلاميين بمسميات شتي عبر التاريخ وإن كانت تحمل نفس الدلالة الضمنية للفظ. فتم إرساءٌ متحيِّز من جانب هؤلاء الإسلاميين صار فيه إسلام الناس لا يكفي للانتماء للإسلام، بل يجب على الناس، في ذهنية الإسلامي، أن يصيروا إسلاميين لكي يكونوا ضمن الفئة الناجية. فما تم هو أن الإسلاميين قد عزلوا أنفسهم فيما يحسبونه مكاناً فوقياً بشكل وصائي على المجتمع الذي هو من حولهم، وذلك بحسبان الإسلامي لأن فهمه هو الفهم الصحيح للدين ومن عداه فهو إما جاهل أو ضال أو مارق أو مُتفلِّت، إلى آخره مما يقوله الإسلاميون. فالإسلامي لا يعتبر الآخرين أصحاب شراكة مكافئة بالمجتمع، بل ينظر لهم من علٍ في عزلة فوقية هي في حقيقتها انبتات تحتي. إذ أن الإسلامي في ظنه لفوقيته هو في حقيقة الأمر منبت اجتماعياً وشعورياً. فالمجتمع يلفظ الوصاية، ويرفض النظرة الفوقية، وبالتالي فإنه يعزل الأوصياء الفوقيين إلى تحت، وذلك شيء طبيعي.


ثم إنه في هذا المنعطف التاريخي الذي نمر به، فإن كثيراً من الإسلاميين لا يألون جهداً في تصوير الصراع الدائر في الساحة السودانية على أنه صراع ما بين أسلمة الدولة وما بين الدولة المدنية. وحتى أولئك الذين ينادون بالابتعاد عن هذه الثنائية يصورون أن الابتعاد المتوق إلى صيرورته هو اتخاذ موضع وسط ما بين هذين القطبين الرئيسيين الذيْن تدور الأفكار والكائنات حولهما ومن بينهما، وذلك تعبير عن تصور هؤلاء الإسلاميين. وهدفنا في هذا المقال تبيين خلل هذا التصوير المُرسي لتحيُّزات شائهة، ومن ثم نزع ما حولها من طبقات كثيفة من التغبيش وسبر الغور لِتَضَحَ بضع أمورٍ نحسبها أصوب وأجلي.


يشرع تحيُّز الإرساء الذي يمارسه الإسلامي في تصوير أن أسلمة الدولة هي مقابلٌ للدولة المدنية، وأن الأسلمة والمدنية هما أقصى نقيضين للتطرف. وهذا في نظرنا نصف حق نتج أكثر الأحيان بسبب تقوقع الإسلاميين التداولي الفكري، وأحياناً أخرى ربما عن قصد. فالإسلاميون في قوقعتهم وعزلتهم دائماً ما يعطون حجماً مضخماً لأنفسهم من ناحية العدد ويمنحون عُلُوّاً غير مستحق لفكرهم من حيث الصلابة والعمق، وهذا بعض ما عنيناه بالقوقعة.

وما نعنيه بنصف الحق هنا هو أن الأسلمة هي في تقديرنا فعلاً موقف متطرف فلسفياً وبحكم التجربة. وللطرافة فإن الإسلاميين أيضاً قد فطنوا إلى تطرف الأسلمة عن طريق التجربة. وهي نتيجة صحيحة نتفق معهم عليها رغم أنهم لم يصلوا لها مثلنا مسبقاً كنتيجة فلسفية، بل وصلوا لها فقط استسلاماً من بعد لأْي ٍ كمُخرَج للتجربة. أي أن إرساء الإسلامي القَبْلي لأسلمة الدولة يبدأ من اعتباره الأسلمة وسطاً، وبعد تجربة ولأي ٍ يتوصل الإسلامي ولو جزئياً إلى أن الأسلمة فيها تطرف، رغم أنها لم تكن موقفاً متطرفاً في ذهنية الإسلامي عند بدء تجربة أسلمة الدولة.


أما ما عنيته بالنصف الباطل هنا، فهو وضعهم للدولة المدنية كطرف نقيض لأسلمة الدولة. والحقيقة أن الدولة المدنية هي الموقف الوسيط، وليس كما هو في مخيلة الإسلاميين في شكل تحيُّز إرساء مقصود أو مُتوّهَم. فالدولة المدنية تقف على مسافة واحدة من كل معتقد، أي معتقد كان أو لا معتقد، وهي الدولة التي تضمن وتصون حرية الاعتقاد أو اللااعتقاد للجميع، وهي المنظومة التي تضمن حرية ممارسة العقيدة أو اللاعقيدة. فالدولة المدنية إذن بحكم التعريف والممارسة هي الوسط الذي يتوهم أو يحاول الإسلاميون إرساءه تحييزاً كنقيض للأسلمة على الطرف الآخر من الطيف وبالتالي تصويره كمتطرف ذاتي.


ولكمال تصويرنا، فما هو الطرف النقيض من المتطرف من الطيف؟ إن ذلك الطرف النقيض يمكن أن يتخذ أشكالاً عدة، وسنختار منها مثالاً. النقيض للأسلمة السياسية هو دولة تحارب الدين وتقمع حرية العقيدة وحرية ممارسة العقيدة بما في ذلك الحرمان من بناء دُور العبادة وممارسة النسك الدينية. وبتاريخ الإنسانية بضع منظومات قد تبنت ومارست ذلك النقيض، وليس هدفنا هاهنا هو استرسال تاريخي في ذلك الشأن. ولكن إذا ما أعدنا التمعن في الأسلمة السياسية فإننا نجد أنها هي نفسها تلك المنظومة المتطرفة ضد حرية التدين، وذلك لأن الأسلمة تمارس تلك الحرب نفسها على كل أرباب العقائد الأخرى باستثناء النسخة التي تُقر بها وتتبناها منظومة الأسلمة السياسية من إسلام.


في مثال آخر لتحيُّز الإرساء عند الإسلاميين، فإنهم هذه الأيام يبادرون بالشكوى من أن الجماهير السودانية تدعو لإقصائهم، ومن ثم يتضرع الإسلاميون بأن يسعى الجميع لبناء دولة لا يتم فيها إقصاء أحد بما فيها هم أنفسهم. وأبدأ أولاً هنا بتثبيت أني لا أدعو إلى إقصاء أحد، بل أؤمن بالسعي لاستيعاب كافة أطياف الوطن داخل دولة مدنية ديمقراطية تحتفي بالتنوع. ولكن، هذا لن يمنعني من تناول موقف الإسلاميين بعين النقد. كما وأني سأبين بأن النقد لا يعني الإقصاء كما يحاول الإسلاميون إرساءه. ففكرة أن النقد هو إقصاء، هي فكرة مُقصيه في حد ذاتها، إذ أن حرية النقد وحرية التعبير هي قيمة استيعابية وليست قيمة إقصائية. وليس غريباً أن تكون أدبيات الإسلاميين عبر التاريخ هي أدبيات ناقدة للآخر، ولكنهم لديهم حساسية لتناول الآخرين لأدبياتهم وفكرهم بالنقد. فهم يسمحون لأنفسهم بما يتجاوز حدود حرية التعبير بما يصل إلى مرحلتي التهديد والقتل، بل وتنفيذ ذلك على خصومهم، ولكنهم يسارعون للشكوى لدى بوادر أي نقد لمنهجهم. بل إن فكر الإسلاميين هو أصلاً إقصائي بالضرورة، لأن ارتكاز كيان سياسي ما على القداسة هو تلقائياً مقلص بل ومزيل لأي مساحة للتداول المُؤنْسَن أخذاً وعطاءً، وذلك لأن استلهام القداسة يؤدي بالضرورة إلى إسكات أي صوت بشري مغاير.


المفارقة الأخرى في شكوى الإقصاء من جانب الإسلاميين أنهم يمارسونها من على برج عاجي وهم يجلسون منذ ثلاثين عاماً على دكة حكم دولة تئن تحت نير نظام شمولي كليبتوقراطي (لصوصي) وتمكيني مُقصي ومشرد للكفاءات غير ذات الولاء. فيظن من يسمع جأرهم بالشكوى أنهم يقفون في موضع واحد مع الجماهير التي يتم قهرها وقمع حرياتها قتلاً وتعذيباً وسجناً وتشريداً بمعسكرات النازحين وسحقاً اجتماعياً واقتصادياً. وحين التحدث عن محاسبة، يسارع الإسلامي إلى وجوب مساواة الجميع حساباً منذ استقلال السودان، بل ومن زمن المهدية. فهم في هذا المثال يحاولون إرساء أن لا فرق في إيلاء أولوية لهذه اللحظة التي نعيشها الآن بكل آلامها الماثلة الناشبة بأنيابها ومخالبها على صدر شعبنا، وما بين تاريخ انقضى منذ عقودٍ وقرون.


نخلص في هذا المقال إلى أن الإسلاميين يمارسون تحيُّز الإرساء لتصوير أن مواقفهم المتطرفة هي مواقف وسطية وان ممارساتهم المُجحِفة هي ممارسات طبيعية عادلة، وفي نفس الوقت فإنهم يُحاولون ترسيخ وإرساء مواقف الآخرين الوسيطة على أنها مواقف متطرفة. وبعضهم يمارس ذلك نتيجة لتقوقعه الفكري والتداولي، بينما بعضهم الآخر يفعله تعمداً لأسباب دعائية مغرضة.

د. علي التلوبي





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 371

خدمات المحتوى


د. علي التلوبي
د. علي التلوبي

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة