المقالات
السياسة
من وحي الثورة: ثقافة الثورة والوعي المصاحب لها
من وحي الثورة: ثقافة الثورة والوعي المصاحب لها
03-04-2019 11:37 PM

سجلت يوميات الثورة بروز ثقافة يمكن أن نطلق عليها ثقافة الثورة، من أهم سماتها تشكل وعي غيرعادي ميز سلوك المتظاهرين في الشوارع، هذا السلوك الحضاري الذي ابداه الثوار والمحتجين كان مثار إعجاب كبير لكل متابع لثورة ديسمبر، وكان ذلك الوعي قد لفت اليه الانظار داخليا وخارجيا، عندما ترجم الي التزام بالسلمية، التي نودي بها شعارا للثورة واصبحت هتافا يردده الثوار، وكانت تلك رسالة في غاية الأهمية. كذلك تجسدت هذه الثقافة بصورة واضحة في تعامل الثوار أثناء القيام بالاحتجاجات في الشارع ، وكيف انهم ساعدوا الباعة الذين يعرضون بضائعهم في الأرض على ازاحتها حتى لا يدهسها المتظاهرين، وطالب البعض من المتظاهرين الشراء من بائعات الكسرة والبائعين على الأرصفة اي شيء لان يوم التظاهر يعطل عمل السوق، وحتى لا يتضرر هؤلاء الكادحين، ومن مظاهرها تصرف الشباب في حادثة صاحب العربة التي هشمت القوات الامنية زجاج عربته، أو التعامل السلمي مع سائق عربة القوات الامنية التي انقلبت فاخرجوا السائق وقالوا له نحن اخوانك وتركوه ولم يتعرضوا له بسوء وغيرها . فلا توجد مقارنة بين هذا السلوك المنضبط والسلوك المنفلت للقوات الامنية مع المتظاهرين .

هذا السلوك مرده الي الوعي الذي تحلى به المتظاهرين في تلك الاحتجاجات. ومما لا شك فيه ان الوعي كقيمة فكرية سلوكية يمثل سلاحا هاما في المعركة من أجل المستقبل. هناك عدد من العوامل ساعد في وجود ثقافة مقاومة للثقافة التي انتجها النظام منها : الفترة الحرجة والمعاناة التي عاشها الشباب، ومن رحمها جاء ميلاد هذه الثقافة وفي معيتها ذلك الوعي، وفي جانب منه كان رد فعل للوضع الذي دفعهم اليه النظام، فما اختبروه وعايشوه من تجارب استثنائية في مواجهة ظروف الحياة الصعبة في هذا العمر الذي تتشكل فيه شخصية وفكر الإنسان حيث وجدوا أنفسهم مدفوعين للعمل في مهن هامشية لا تتناسب مع مؤهلاتهم التي حصلوا عليها بتضحيات أسرهم، كل لك ايقظ فيهم روح التحدي لتلك الظروف التي واجهوها بجلد ومن غير سند، فكانت تجربة الكثير من الشباب في الحياة اليومية بالفعل استثنائية، ومنها استمدوا التحدي.

كذلك اسهمت الادبيات التي ظل الكتاب من مختلف المشارب يرفدون بها وسائل التواصل الاجتماعي خاصة المواقع والصحف إلايلكترونية من كتابات تحلل وتنقد الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، اضافة إلى ما وجده بعض الشباب من ذوي الانتماءات السياسية في ادبيات تنظيماتهم السياسية.

هذا الوعي كان من أهم عوامل نجاح الثورة، فالسلوك الذي افرزته ثقافة الثورة تمثل به ومارسه كل من شارك في الثورة وأصبح نمطا سلوكيا للثوار جسدته شعاراتهم " سلمية سلمية" وكانت هذه علامة تميزت بها ثورة ديسمبر، فرغم الغضب الذي يملأ نفوسهم والاحساس بالظلم والإهمال، لكنهم استطاعوا كبح غضبهم وسيطروا على انفعالاتهم ولم يسجل خروج على هذا السلوك المنضبط ، ولم تسجل اية حالة تخريب عدا في اليوم الأول عندما قام المتظاهرون بحرق مقر حزب المؤتمر الوطني في بعض المدن. فكان الفصل الأول في كتاب هذه الثقافة ، أن الخروج للشارع كان من أجل مطالب مغيبة هي الحرية والعدالة والسلام وليس التخريب.

د. الصادق محمد سلمان
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 303

خدمات المحتوى


د. الصادق محمد سلمان
د. الصادق محمد سلمان

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة