المقالات
السياسة
المهدية وإيرلندا القرن التاسع عشر: لتمتد أيدي هذا البطل الإسلامي الجديد لتلتقي مع جهود الاشتراكيين الأوربيين
المهدية وإيرلندا القرن التاسع عشر: لتمتد أيدي هذا البطل الإسلامي الجديد لتلتقي مع جهود الاشتراكيين الأوربيين
03-06-2019 02:05 PM

لولا ثورة ديسمبر لكان انعقد في يناير المنصرم مؤتمر عن الثورة المهدية دعت له هيئة شؤون الأنصار. وقَصَد المؤتمر إلى تجديد النظر التاريخي في الثورة المهدية التي اكتنفتها غائلة كتابات من هواة تاريخ وضجرين من التاريخ أرخصت بها إرخاصاً مؤرقاً. ورتبت ذهني لتكون ورقتي للمؤتمر عن المصادر التاريخية التي غرف منها كتاب تلك الغائلة. ولم يقم المؤتمر عن الثورة بسبب الثورة التي استجدت. وذكرتني الملابسة بكلمة للينين. فقد كان يكتب عن علم الثورة وتاريخها يوم قامت الثورة الروسية في 1917. فطوى صحائفه وكسر قلمه قائلاً إن الامتاع الحق أن تصنع ثورة لا أن تكتب عنها.

أردت في ورقتي التي لم تتم كشف الغرض من وراء تلك المصادر التي رجع إليها مؤرخون هواة وضجرون من التاريخ وغيرهم لتسخيف المهدية. وهذه الكتب هي "السيف والنار" لسلاطين، وكتاب القس جوزيف أوهروالدر "عشر سنوات في أسر المتمهدي" وكتاب ريجنالد ونجت "المهدية والسودان المصري". وهي كتب أما أعدها للنشر ونجت وإما كتبها هو. وما يطعن فيها كمصادر للمهدية أنها خرجت من مطبخ استخبارات الجيش المصري الذي أشرف عليه ونجت وكان نعوم شقير مؤلف "تاريخ السودان وجغرافيته" موظفاً صغيراً فيه.

كانت هذه الكتب جزء من آلة الاستخبارات الإعلامية لإقناع البريطانيين بوجوب غزو السودان وتخليصه من حكم الخليفة عبد الله. ونصح المؤرخ ساندرسون، رئيس شعبة التاريخ بكلية الآداب بجامعة الخرطوم في الستينات، في وقت باكر أن نأخذ هذه الكتب بكثير من الشك متى كتبنا عن عصر الخليفة لأنها دعاية محض. فالوقائع لا ترد فيها للتاريخ وإنما لتسوئة المهدية، والتحريض عليها، والتأليب. وأراد صقور "استعادة السودان" بهذه الكتب كسب الرأي العام في بلد "ديمقراطي" للبرلمان ولاية على المال العام للضغط على حكومة رئيس الوزراء قلادستون ليخرج من معارضته لغزو السودان ويأتي في خطهم. وكان قلادستون صريحاً في أن المهدية ثورة تحرر بها السودان من نظام ظالم ولا سبب لحربهم. ولم يوظف الصقور الكتابات المغرضة عن المهدية فحسب بل والمسرح كذلك كما تجده في كتاب "الدعاية والإمبراطورية" للأكاديمي البريطاني جون ماكنزي (1984). وقيمة مخطوطة محمد مصطفى موسى "الأصداء العالمية للثورة المهدية" في أنها فتحت إرشيفاً بريطانياً معاصراً لشعب إيرلندا الذي ثمن المهدية في ضوء شاغله الوطني للتحرر من قبضة الإمبراطورية الجارة. وهذه زاوية أخرى للنظر للمهدية بخلاف ما اعتدنا عليه من أدب "الجداد الإلكتروني" لونجت.

كان تعلق الإيرلنديين بالمهدية سبباً لصحفهم لتغطية أخبارها بكثافة. فنشرت صحيفة لهم في 17 ديسمبر موضوعاً بعنوان "مقابلة مع المهدي" غاية في الطرافة. وهو عن لقاء أوليفر باين المراسل الصحفي الفرنسي بالمهدي بقرب مدينة الأبيض. وقال إن المهدي حياه بابتسامة عذبة وصافحة بود وترحاب. وللزلفى ربما قال باين للمهدي إنه أسلم وهجر المسيحية. ورد عليه المهدي قائلاً: "إن كان اعتناقك الإسلام من اجل أن تصلنا وتبقى بيننا سالماً دون أن يصيبك مكروه فإننا نفضل أن تبقى على دينك الأصلي فنحن لا نكره الناس حتى يكونوا مسلمين". ونقل باين للمهدي حماسة أوربيين آخرين لحركته في سعيها لتحرير بلادها. وقال الصحفي إنه وضَح له أن المهدي مطلع على جغرافيا أوربا السياسية ونزاع بريطانيا وفرنسا. من ذلك قوله له إنه يستغرب أن فرنسا لم تناصر الثائر أحمد عرابي في مصر في حين تعارض الوجود البريطاني في المنطقة. وقال كذلك إن المهدي كان حسن الاطلاع على حركة عرابي.

وجاءت الصحف بوجوه لتضامن أوربي مع المهدية. فانعقد اجتماع سري بين باين الفرنسي وقوميين إيرلنديين في باريس تواثق على رمزية المهدي كبطل لتحرير شعبه من عدو مشترك لأحرار العالم. وعرض الإيرلنديون ابتعاث 500 ضابط منهم ممن خاضوا الحرب الأمريكية ليحاربوا تحت راية المهدي. وعرض الإيرلنديون تزويد الثوار في السودان بتكنولوجيا الديناميت لاستخدامها في حرب بريطانيا.

أما ذروة الطرافة في كتاب محمد المصطفي فهي الرحلة التي قام بها جي جي أوكيلي، السياسي القومي الإيرلندي والنائب البرلماني، للسودان ليقف بنفسه على مجريات المهدية ولقاء المهدي. واستصحب في الرحلة الويساس أخاه الرسام المشهور. ومتى بلغوا دنقلا منعهم حاكمها مصطفي ياور من نزول السودان جنوباً. وبررت بريطانيا ذلك على لسان وزير خارجيتها بتعارض الزيارة مع سياسة بلده. ولم يخف أوكيلي حماسته للمهدية تحت قبة البرلمان. فقال "لتمتد أيدي هذا البطل الإسلامي الجديد لتلتقي مع جهود الاشتراكيين الفرنسيين والألمان لأنه رجل يتفق قلبه معهم وإن كان هو (أي المهدي) أكثر عمقاً منهم في هذا الشأن". وحيّا كسر السودانيين للمربع الإنجليزي في أبي طليح ضد الفرقة التي بعثت بها بريطانيا لاستنقاذ غردون وعادت أدراجها حين سمعت بمقتله. فقال إن افتراض بريطانيا بصمامة مربعها الذي لا يقهر مجرد اسطورة اثبتت زيفها بوجه رجال حملوا رماحاً لن يثنيهم عن النصر سوى الموت.

من حسن الطالع أن يعلم السودانيون في أيامهم الثائرة المباركة هذه أن لثورتهم في القرن التاسع عشر سجلاً غير ما دون جداد ونجت الإلكتروني. كان لهم، كما تقول العبارة، في الإيرلنديين حبيب في بيت العدا (الأعداء).

image
الصورة لألويساس أوكيلي، أخ ج ج أوكيلي القومي والبرلماني الإيرلندي، الذي صحب أحاه في رحلته للسودان وله لوحات مشهورة من رسومه في السودان.

عبد الله علي إبراهيم





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 374

خدمات المحتوى


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة