المقالات
السياسة
ورش العَرَق السُدى: عاملات بين عنوسة القلب والعقل
ورش العَرَق السُدى: عاملات بين عنوسة القلب والعقل
03-07-2019 12:23 PM

عبد الله علي إبراهيم

(في مناسبة يوم المرأة أعيد نشر هذه الكلمة التي نشرتها في نوفمبر 2012 عن أوضاع العاملات الوخيمة في المنطقة الصناعية بالخرطوم بحري)

يتعبأ العالم هذه الأيام لدرء العنف عن المرأة. ولا أعرف عنفاَ ضدها استثارني مثل ما قرأته عن استغلال البنات العاملات في المنطقة الصناعية بحري في تقرير كتبته مها عبد الخير لهذه الصحيفة (القرار، 18 نوفمبر 2012) والعنف فيه مزدوج. شقه الأول هو المخدمون الذين أساؤوا إليهن في شروط خدمتهن إساءة لا تغتفر. فيومية العاملة عشرة جنيهات ولا تزيد عن العشرين في أحسن الأحوال. وعليهن تدبير مواصلتهن ووجبتهن خلال العمل. فتدفع الواحدة منه خمس يوميتها للمواصلات وبعضه للفطور. ووجدتهن الصحفية مها في "تذللهن" لتوفير حق المواصلات. فتجمعن ينتظرن البكاسي المكشوفة لتحملهن "فضل ظهر" ما وسع أصحابها. وهن حزنانات وواعيات. فقالت مها إنهن يتفادين العربات الصالون وغيرها خشية التحرش الجنسي الفاشي.

أما الدولة فوزرها أكبر. فهي لم توظف هؤلاء الفتيات وفيهن حملة بكلاريوس ودبلومات كما كان النظام قبلاً. ولم تؤمن للقطاع الخاص اقتصاداً منتجاً ذا سعة لعمالة كبيرة كما رأينا في الشكاوى التي تواترت من أصحاب العمل عن خراب منشآتهم بالضرائب المجازفة. واستأثرت الواسطة بالمبذول من الوظائف لأولاد الأكرمين وبناتهم. ومن جهة أخرى فاضطرار هؤلاء الفتيات للعمل بهذه الشروط الوحشية سببه الدولة. فلا يبدو أن الدولة اتصلت بمتاعب هؤلاء الفتيات أبداً. فقد تحدث المسؤولون في مكاتب العمل عن ما كفلته الدولة لمثلهن من مثل خصم الضمان الاجتماعي حتى لو كن مؤقتات في العمل لا دائمات. بل ومن حق مكتب العمل تفتيش المنشأة بلا سابق إنذار للتأكد من التزامها القانون. ولكن ذلك في كَراس الحكومة. ولا يبدو مع ذلك أن الدولة لامست متاعب هؤلاء الفتيات عن كثب. فهن قليلات الشكوى لمكتب العمل لأنهن يعرفن أن بدائلهن جاهزة. والمائة مائة وأردب. غلبانات.

قصة مها عن العاملات الشابات محزنة جداً. فقد تدنى جنون الربح بالمخدمين الرأسماليين إلى درك الحيوانية. فنقلت مها عن أحد العاملات قولها إن يدها انجرحت في الورشة خلال عطلة العيد فلا نالت حافزاً للعمل في يوم مقدس ولا تكفل المصنع بعلاجها. ولم أسمع في أجندة المعارضة من سعى بالنقابة (أو حتى بمجرد العلم بأوضاعهن) لرد مظلمة هؤلاء النساء اللائي اقتحمن سوق العمل بصورة درامية وتراجيدية. ولن نعفي اتحاد العمال الرسمي من الوزر لأنه غير مكترث لهذه البشاعة التي ترتكب بحق جماعة منه.

وأكثر ما شق عليّ كتقدمي دعا لعمل المرأة من باب تحريرها من الاتكال على أياً كان إلا طوعاً ومحبة أن أسمع أن هؤلاء العاملات اضطررن للعمل طالما لم يأت الزوج المرجو. كنا نريد لهن الزوج المرجو والعمل معاً لا أن يكون الزواج، الذي هو مودة، عملاً مدراً للأجر.

العاملات في "ورش العرق السدى" (في عبارة إنجليزية عن استغلال العمال الفظ الغليظ) ببحري من بؤر المستقبل التي سيقوم عليها تجديد السودان لا مجرد إسقاط هذا النظام أو ذاك. فشقاؤهن مركب من الجنس والطبقة معاً. وهذا بارود قذائف سودان آخر للكادحين لمن جاء إلى الشعب بقلب سليم.

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 468

خدمات المحتوى


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة