المقالات
السياسة
أما آن لهذا البلد أن ينهض (1)
أما آن لهذا البلد أن ينهض (1)
03-07-2019 04:23 PM

مُحمّد التجاني عمر قش

أظهرت الاحتجاجات، التي شَهدتها البلاد مُؤخّراً، جُملةً من المُعطيات التي تستدعي التّوقُّف عندها من أجل الدِّراسة والتّحليل ومن ثَمّ اقتراح بعض المُعالجات المُمكنة. وأولى تلك المُعطيات تململ الشعب جَرّاء وطأة الظُروف المَعيشيّة الطاحنة التي كادت تفقد السُّودانيين كرامتهم بالوقوف لساعاتٍ طويلةٍ حتى يحصلوا على رغيف الخُبز في بلدٍ عُرِفَ بأنّه سلة غذاء العالم! بيد أنّ أسوأ المُعطيات هو الانقسام الحَاد في الشّارع السُّوداني تجاه قضايا الوطن؛ فهُنالك مجموعةٌ من الناس قد ضَاقَت ذرعاً بالوضع بعد أن نَفَدَ صبرها وأعيت بها الحيل أو حَارَ بها الدليل؛ ولذلك رفعت شعار "تسقط بس" دُون التفكير في عواقب ذلك السُّقوط مهما كانت النتائج كارثية ووخيمة! ومن جانب آخر، ترفع مجموعة أخرى شعار "تقعد بس" ورُب قلة من هؤلاء قد أهمتهم مصالحهم، وفئة منهم يخشون من المصير المجهول والدّمار والخراب الذي قد يحل بالسودان في حال سُقوط الحكومة القائمة بشكلٍ مُفاجئ، ممّا يعني سُقوط الدولة برمتها، مثلما حدث في بعض دول الربيع العربي. وكلا المجوعتين لديهما مُبرِّرات مقبولة جداً؛ فمن جانب فشلت الحكومة حتى الآن في تقديم حُلُولٍ جذرية للمُشكل الاقتصادي والسِّياسي على حَدٍّ سواء، فلا هي سَعت إلى توفير مُتطلبات العيش الكريم للمُواطن، ولا أطلقت الحُريات العَامّة المَكفولة بمُوجب الدستور، ولا حتى نَفّذت مَخرجات الحوار الوطني والمُجتمعي الذي كَانَ يُرجى أن يضع الحكم في المسار الصحيح من الجوانب كافة، حتى تُقام انتخابات حُرّة ونزيهة تضمن التداول السلمي والسلس للسُّلطة في البلاد، وبالتالي تتجنّب مَغَبّة السُّقوط في مآلاتٍ لا يعلم مُنتهاها إلا الله!.
أمّا المُعارضة فهي غارقةٌ في وحل التّخبُّط والتشرذم والتّفتُّت بحيث أنّها لا تملك رؤيةً واضحةً من شأنها أن تخرج البلاد من عُنق الزجاجة ومسلسل الثورات ثُمّ الحكم العسكري والانتخابات وهكذا دواليك.. ومن الواضح أنّ هنالك قُوةً أو قُل حراكاً شبابياً جديداً له مطالب واقعية جداً ولكنه لا يمتلك الخبرة الكافية والتجربة الناضجة للتعبير عن تلك المطالب سوى التظاهرات، التي استغلها تيارٌ معلومٌ، بما لديه من جاهزية، مهما كانت ضعيفة، لتحريك الشارع باستخدام وسائط التواصل الاجتماعي وتضخيم حجم الاحتجاجات والشائعات والأخبار المُلفقة وبعض الحكايات المُصطنعة، ودَغْدَغة مشاعر رُموز الطائفية الذين لا يزالون يحلمون بقيادة البلاد رغم أنهم قد فقدوا البوصلة السِّياسيَّة ولم تعد لديهم القدرة حتى على جمع شتات أحزابهم أو التّأثير عليها.. ومِمّا يُلاحظ أيضاً فشل الأجهزة النّظامية والشُّرطية وعَجزها التّام في التّعامل مع الأحداث بشيءٍ من الحكمة والتّعقُّل، بل إنّها بدلاً من ذلك لجأت إلى العُنف المُفرط والاستخدام غير القانوني لوسائل القمع والتّعذيب حتى أزهقت بعض الأرواح وألّبت مُنظّمات حُقوق الإنسان داخلياً وخارجياً دُون إدراك من تلك الأجهزة لخُطورة مثل هذا التّصرُّف على مُستقبل وحاضر علاقات السودان الخارجية؛ خَاصّةً مع مُنظّمات الأمم المتحدة والدول التي لا تقر تعذيب الأفراد وتُبيح التظاهر السَّلمي. ومِمّا كشفت عنه تلك الاحتجاجات أنّ الحكومة قد سكتت عن الفساد تماماً، ولذلك فإنّ المُحتجين قد ردّدوا هتافات تُشير بوضوحٍ إلى أنّ الفساد قد استشرى حتى تكوّنت صورة ذهنية عن الإنقاذ وهذا ما أعطى دافعاً لبعض الناس للخُرُوج إلى الشوارع؛ خَاصّةً في أوساط الشباب وخريجي الجامعات من الذين لم يجدوا فُرصة للحُصُول على وظائف في القطاع العام أو الخاص؛ ولذلك أصبحوا ساخطين على الوَضع بشكلٍ واضحٍ! ومِمّا زاد الطين بلّه تلك الأخبار السيئة التي تتحدّث عن مئات من الشباب السوداني الذين فقدوا أرواحهم وهم يعبرون البحر المتوسط في رحلة مجهولة إلى أوروبا! في واقع الأمر إنّ الشباب يمثلون قُوة جديدة إذا لم تحسن السُّلطات القائمة التّعامل معها سوف تتحوّل إلى رصيدٍ مُدمِّرٍ جداً يسهل تحريكه من قِبل كَثيرٍ من الجهات المناوئة للسُّودان والإنقاذ على وجه الدقة. ويبدو أنّ الحزب الحاكم غَارقٌ في سعيه إلى إحكام اللعبة السِّياسيَّة وكسب الوقت استعداداً لانتخابات 2020 دُون الالتفات إلى مَا يَدور حوله من تغيير كبير في نظرة الشعب، كَمَا أنّ المؤتمر الوطني لم يعد قادراً على استحداث مخارج معقولة من هذا الوضع المَأزوم سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً؛ لأنّه حتى هذه اللحظة، لم يعلن عن خُطةًٍ واضحةٍ للتّعاطي مع الرَّاهن الذي أدّى إلى تلك الاحتجاجات، للأسف الشديد. ومِمّا يزيد الطين بلّه فشل القيادة السِّياسيَّة على مُستويات الحكم كافة في إدارة ملف التّنمية والخدمات، فلجأت إلى وُعُودٍ أشبه ما تكون بوعود عرقوب، بمعنى أنّها قد لا تَتَحَقّق أبداً...!
باختصار شديد، لا الحكومة ولا المُعارضة لديها رؤيةٌ واضحةٌ للخُرُوج من المُشكل ولا أيّ منهما قادرٌ على توجيه طاقات الشباب بتقديم نموذجٍ قيادي، أو قدوة، بالمَعنى الأصح، يُمكن أن يلتف حولها الشباب وتُوفِّر لهم الإرشاد والتوجيه حتى يتحوّلوا إلى قُدراتٍ بَنّاءة يُمكن أن تُشكِّل رَصيداً بَشرياً يعوّل عليه مُستقبلاً. وما هذا إلا غيضٌ من فيض.





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 270

خدمات المحتوى


التعليقات
#1816342 [كمال السر]
0.00/5 (0 صوت)

03-08-2019 06:15 AM
يلا يا كوز ياتافه قال لا الحكومة لا المعارضة !عامل فيها مستقل


ردود على كمال السر
Romania [توتو] 03-08-2019 09:42 PM
أخي هذا الكاتب ليس بكوز بل هو مواطن حر .. يعني free citizen .. ونراه قد حدد بالضبط أين يكمن الخلل إلا وهو حكومة الكيزان الملاعين ... والمطلوب منه الانحياز لجانب شعبه بوضوح ...


#1816318 [كوج]
0.00/5 (0 صوت)

03-07-2019 09:17 PM
طيب إنت حلك شنو وانت منهم وليس من المعارضة؟ أين موقعك من الاعراب وليي الغربان!


#1816317 [كوكاب]
0.00/5 (0 صوت)

03-07-2019 09:15 PM
هل تعلم يا أيها الكاتب أن العملة السودانية قد انهارت تماما بنسبة 100% ... حيث أن ورق الأشجار له قيمة أعلى من أي ورقة نقدية سودانية .. مم يدل أن ما يسمى بالكيزان والحركة الإسلامية قد ارتكبوا من الموبقات والفساد ما يشيب لهوله الولدان لعنة الله تغشاهم أجمعين هم والرقاص عمر بشكير بتاعم .


محمد التجاني عمر قش
محمد التجاني عمر قش

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة