المقالات
السياسة
ثمار الثورة السودانية
ثمار الثورة السودانية
03-07-2019 08:22 PM

بشهادة إعلام وصحافة الغرب , فقد حققت هبة ديسمبر إنجازاً عظيماً , تمثل في اعتراف رأس النظام بالقصور الكبير والفشل السياسي و الاقتصادي الذريع الذي أوصل البلاد إليه , وجاء هذا الاعتراف الضمني بتعطيله للدستور وإصداره لأوامر الطواريء , ما يعتبر اختراقاً مهماً قام بتنفيذه الثوار في مسار الانتفاضة الشعبية السودانية , حيث أخذت ثمار شجرة هذه الهبة الوطنية العارمة تنضج ويقوى عودها , الأمر الذي جعل رموز النظام المتهالك يركنون وينزوون إلى خانة الدفاع , بعد أن كانوا في سابق الأوان يتهجمون على الثوار ببائس وفقير الألفاظ , فعندما كانت تنطلق الاحتجاجات والتظاهرات المناهضة لحكمهم , يطلون من نوافذ استديوهات القنوات الاخبارية , فيهاجمون دعاة الحق من مواطني الدولة السودانية بعنجهية و كبرياء زائفين , و تنطع أجوف لا يتسق و كفاءة رجال يفترض أن يكونوا من خيرة المتحدثين , باسم منظومة حكم تدعي رعاية مصالح مواطنيها , فما زالت أراشيف قنوات التلفزيونات العربية والاذاعات الاقليمية , تنضح بمثل هذه النماذج من التصريحات الرعناء , التي اشتهر بها كل من الحاج ادم يوسف و أمين حسن عمر , و ربيع عبد العاطي ومصطفى عثمان ومامون حميدة , وكثيرون من منسوبي هذا النظام الانقاذي المترنح.

فأولى هذه الثمار تتمثل في تحرر العقول و القلوب من فوبيا المستقبل المجهول , وعدم الاكتراث من التحذير المغرض حول ماهية البديل للنظام الحاكم , وتلاشي الخوف من أيلولة مفاصل سلطة الدولة إلى أياد غير حريصة على أمن وسلامة الوطن و المواطن , مع حلول أواصر الثقة و المحبة و التماسك المجتمعي مكان هذه المخاوف في نفوس الناس , وزوال فزاعة الحركات المسلحة و افتضاح الأسباب الحقيقية للترويج الحكومي لفرية الأذى المحتمل , الذي سوف يلحق بالمواطن المدائني في حال حدوث انهيار وسقوط النظام , هذا إضافة إلى تعري النظام ذي السجل الحافل بجرائم الحرب والإبادة الجماعية والتطهير العرقي , و انكشافه أمام هذا المواطن المدائني المعتم على وعيه إعلامياً وسايكلوجياً , و شيوع وانتشار معرفة هذا المواطن اليقينية بأن منظومة الحكم التي يقودها المشير , لا تفرق بين هذا الشخص أو ذاك , في التنكيل و البطش والتعذيب و القتل إذا ما حاول اعتراض سيرها , فانقشعت بذلك سحابة الفرز الجهوي و الاستقطاب القبلي و المناطقي الذي كانت تمارسه جماعة الاسلام السياسي , واستشعر كثير من المواطنين في شمال و وسط السودان إحساس الندم و الأسف في قرارة أنفسهم , كونهم لم يحركوا ساكناً إبان اشتعال قرى جنوب كردفان ودارفور و جنوب النيل الازرق , بحمم براكين نيران قنابل الطيران الحربي الحكومي , الذي قتل الطفل و المرأة والعجوز المسن دون رحمة.

ومن القطوف الدانية لهبة ديسمبر , مزاحمة المرأة للرجل في هذا الحراك الثوري , واصطفافها معه الكتف حذو الكتف , كظاهرة تقدمية في أوساط مجتمعات سيطرت عليها النظم الراديكالية والرجعية خمسون عاماً , فدور هذه المرأة السودانية الرائد في مجريات أحداث الحياة السياسية على المستويين الوطني و الإقليمي , برز بشكل أوضح من خلال هذا الزخم الثوري الضاغط , الذي استدعى قيم ومزايا التراث السياسي والاجتماعي السوداني العريق والمتراكم , من أعماق التاريخ , حيث كان للكنداكة و الميرم و الحكّامة الدور التكاملي والمتساوي مع دور المك و السلطان و شيخ القبيلة , في التناغم والأنسجام حيال مجابهة تحديات الوجود وصعوبات تحقيق الحياة الكريمة للشعوب , دون تعارض ولا تفاضل بين الجنسين في الخصائص الجندرية أوالبايولوجية , فإرث الشعوب لا تسطيع طواريء الزمان و لا إرهاصاته العارضة أن تفصل بينه وبين تمدده نحو الأجيال الحاضرة , و لا يمكنها أن تحد من فاعليته .

والملاحظ كذلك تطور الغضب الشعبي و ارتفاع سقف طموح الناس الراغبين في التغيير السياسي الجذري , فعلى الرغم من خطاب المشير الذي أعقبه بقراراته الكبيرة , إلا أن تلك القرارات الطارئة لم تشفع لتوسلاته أمام محراب المواطنين المقهورين والساخطين على نظام حكمه الطويل الأمد , فنمو وازدهار ثمار شجرة الثورة السودانية مقابل ذبول أوراق شجرة زقوم المؤتمر الوطني , واجتثاثها من جذورها بفأس زارعها و ساقيها وراعيها المشير البشير , بعد أن أوكل مهمة الجزر و التقطيع والامساك بعود هذه الفأس إلى خبير الكسح و المسح أحمد هرون , كل هذا يدل دلالة واضحة على قرب مقدم موسم الحصاد الكبير , ومجيء موعد قطف الثمار الكثيرة و الوفيرة لشجرة الثورة السودانية , التي وصفها أحد المغردين العرب بأنها ثورة شعب صبور ومكابد عمل على إنضاجها بلهيب جمر نار هادئة , حتى تؤتي أكلها غير منقوصة كمنقصة صويحباتها في إقليمنا الشرق أوسطي.

من أمثالنا الشعبية (طول الصيف ينجض الحمّيض) , وبما أن هذا الحراك الثوري و الوطني السوداني الخالص , قد بدأ في شتاء ديسمبر من العام الماضي عبوراً إلى فبراير و مارس من ربيع العام الجديد , فنقول : إنّ طول أمد موسمي الشتاء والربيع سوف يعمل على تقديم منتج أكثر نضجاً , و أشهى مذاقاً ولذةً من ثمار فاكهة الثورة الشعبية والهبة الشاملة , فاذا جاز لنا اختزال هذه الانتفاضة الشعبية في رمزية الفرد المناضل من أجل حقوق المقهورين , يمككنا أن نطلق عليها الكلمات الخالدات لزعيم التحرر الوطني الهندي المهاتما غاندي , حين قال:(في البداية يتجاهلونك , ثم يسخرون منك , ثم يحاربونك , ثم تنتصر).

إسماعيل عبد الله
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 299

خدمات المحتوى


اسماعيل عبد الله
اسماعيل عبد الله

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة