المقالات
السياسة
الحرية والسلام والعدالة
الحرية والسلام والعدالة
03-09-2019 08:31 PM

إنه شعار الثورة الذي أختاره الشعب , مفردات بسيطة وطموحة اختزلت الأهداف في ثلاث كلمات لا رابع لها , وتعتبر هذه المفردات الثلاث بمثابة التحدي الحقيقي لمنظومات الحكم التي سوف تأتي بعد إسقاط الإنقاذ , أولها الحكومة الانتقالية ثم تليها الحكومة المنتخبة ديموقراطياً من جماهير الشعب الممكونة والمسلحة بالصبر , فتركة البشير مثقلة بالديون المادية و المعنوية والسمعة السيئة , وليس بالأمر السهل أن يقوم البديل الديموقراطي بانتشال الوطن من وهدته بين عشية وضحاها , فالتخريب الذي لحق بمؤسسات الدولة يحتاج إلى جهد صادق وعمل بناء , ليعيد صياغة المصالح والدوائر الحكومية بما يتفق و المعايير الدولية في الإدارة , و أبجديات الحكم الرشيد المبني على المؤسسية و الشفافية والمساءلة.

الحرية مطلب شعبي ظل يمثل الهاجس المخيف لجميع أنظمة الحكم , التي تعاقبت على كرسي السلطة في البلاد منذ خروج البريطانيين و إلى اليوم , فأينما ذكرت كلمة الحرية انتفض المتزمتون دينياً و هاجموا دعاتها , و أمطروهم بوابل من الكلمات الصارخات ونعتوهم بأفظع الأوصاف , دون الرجوع إلى أساسيات المنهج الذي ينطلقون منه , ألا وهو تثمين دور هذه الحرية ذات نفسها و ورودها كنصوص صريحة واضحة و بليغة , أوحى بها رب العالمين لرسوله الأمين ومنها على سبيل المثال لا الحصر : قوله تعالى (فذكر إنما أنت مذكر , لست عليهم بمسيطر) , و (لكم دينكم ولي دين) , و (فمن شاء فاليؤمن و من شاء فاليكفر) , و(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ... إلى آخر الآية).

ففي المرحلة المقبلة من تاريخ الأمة السودانية , لا يريد الناس كبتاً و لا تأمراً أو تنمراً من أحد , سواء كان ذلك إلجاماً لإعلامهم وصحافتهم الحرة أو خصماً من حرياتهم العامة والفردية , مهما كانت كينونة هذا (الأحد) , إن كان جهازاً للأمن وشرطة للنظام العام , وأمن للمجتمع الآمن والمفترى عليه بعدم تمتعه بالأمن والأمان , أو كان قضاءً أعرجاً يكيل بمكيالين في قضايا هذه الحريات الشخصية و العامة , فبدون الحرية لا يمكن لأي أمة من الأمم التي تشاركنا هذا الكوكب أن تنهض , و بغير هذه الحرية لا تسطيع الشعوب أن تسموا نحو آفاق النماء الاقتصادي و الرقي الاجتماعي و الاصلاح السياسي.

والعدالة لا تسود بين مجتمعات مظلومة ومقهورة بواسطة جهاز وسلطة الدولة , فالعدل أساس الحكم , كبديهة شائعة يعرفها راعي الأبقار في فيافي المجلد والنهود و بابنوسة , فلو أن هؤلاء الجباهجة قد طبقوا مقصد الآية الكريمة:( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئآن قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أٌقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون) قولاً وفعلاً و عملاً , بدلاً من أن يستهلكوها ويتاجروا ويستثمروا في كلماتها ومعانيها ليشتروا بها ثمناً قليلا من عرض الحياة , لكفوا المتظاهرين والمتظاهرات و الثائرين والثائرات شر القتال وهدر الدماء و فداحة خسائر علب البنبان الدولارية , فالعدل لا يحتاج إلى مباني شاهقة مرسوم على يافطتها ميزان كبير متعادلة كفتاه , وإنما ينبع من الضمير الحي والسريرة الأمينة المبرأة من الغرض و الرياء والشوفونية .

فالذي يقدم على تولي وظيفة دستورية في الحكومة الانتقالية القادمة , سيواجه أعظم عبء وطني تمر به البلاد , وأولى هذه الأعباء والمسؤوليات هي مواجهة الظالمين و المفسدين , الذين أكتنزوا القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة , فبالضرورة يجب أن يكون من بينهم الأقارب و الأهل و أبناء العمومة و الأشقاء و الأصهار , بناءً على تركيبة المجتمع السوداني الذي تتشابك وتتداخل وشائج القربى بين أفراده , فالامتحان الذي سوف يواجه طاقم مجلس وزراء حكومة الانتقال , صعب للغاية , ولن ينجح فيه إلا من تسلح بالنزاهة و الأمانة و حسن السيرة و نقاء السريرة , وفي هذا الخصوص من الواجب الاستعانة بمن خدموا في المنظمات الأممية , ومعهم أولئك الذين أداروا مصالح بعض الشركات العالمية ذات الصيت الحسن من أبناء السودان البررة, وهم كثر.

أما طموح الشعوب السودانية في الحصول على السلام و الأمن و الأستقرار , لا يضاهيه أي طموح آخر , فكثير من الأسر المنكوبة بآثار ومخلفات الحرب , في جبال النوبة و جبال الأنقسنا و جبل مرة ,(المثلث الملتهب), سوف يكون يوم عرس هذه الشعوب هو ذلك اليوم الذي تتحقق فيه العدالة , وتنجز فيه آلية الحقيقية والمصالحة مهامها , فمنظومة حكم ما بعد زوال الطاغوت , عليها أن تخرج من عبائة ثقافة التفاوض التآمري في سعيها لحل أزمات هذا المثلث الملتهب , هذا الخروج الذي سوف يكون المؤشر الفاصل والدال على مدى جدوى إزاحة منظومة الإسلام السياسي , فتلك الثقافة التآمرية يقودها منهاج (نحن) و(هم) , تلك العقدة وذلك الصراع التقليدي بين نخبتي المركز و الهامش , الذي ظل مشتعلاً ناراً حارقة منذ عقدين من الزمان , وفي حقيقة الأمر إنّ جميع أبناء الوطن هم شركاء أصيلون فيه دون إمتياز لأحد منهم على الآخر , ويجب أن يغيب منهج تأطير رمزية ومفهوم الحارس الأمين لمقدرات الوطن وصونها عن بعض المكونات المجتمعية حصراً , وأن يتم خلع ثوب العمالة المدعاة والمفتراة الذي ظل يلبسه إعلام الحكومات النخبوية المركزية , لرموز النضال والتحرر الوطني القادمين من مرتفعات هذا المثلث الملتهب ردحاً من الزمان.

فالسكين التي سوف تقوم بتقطيع أوصال كعكة الاحتفال بالانتصار على منظومة الهوس الديني , يجب أن يمسك بمقبضها كل من (أبكر) و(كوكو) و(أوشيك) و (سيد أحمد) و(فقيري) , حتى يتم إخراج لوحة الخلاص الوطني من كابوس الظلم و الطغيان بطريقة شاملة , وفي صورة وطنية زاهية بهية وخالصة من شوائب الجهوية و المناطقية و القبائلية و العشائرية , ومبرأة من أمراض الاستعلاء الاقتصادي و الاجتماعي و الفئوي و الجندري , الذي انتعش و نما و استشرى بين مكونات سكان السودان لأكثر من نصف قرن.

إسماعيل عبد الله
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 330

خدمات المحتوى


اسماعيل عبد الله
اسماعيل عبد الله

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة