المقالات
السياسة
من أين جاء هؤلاء؟ حركات حركات جننو البنات
من أين جاء هؤلاء؟ حركات حركات جننو البنات
03-11-2019 11:21 AM

عبد الله علي إبراهيم

لا أعرف من كشف عن "من أين جاء هؤلاء؟" على وجه الدقة مثل تلك الأهزوجة الراقصة لأطفال قالت:

قوة البشير قوة فاسدة

جننو البنات قوة فاسدة

حركات حركات

قوة فاسدة

فمتى أردنا الإجابة على سؤال الطيب صالح، لا مجرد تكراره بمثابة احتجاج على عصبة الإنقاذ كما ظللنا نفعل لثلاثين عاماً حسوما، لقلنا إنها جاءت من تبخيس ثقافي واجتماعي أساسي للمرأة كجنس. فلا استحقاق لها مستقلاً عن وصاية الرجال الذكورية ونصوصها الدامغة. فهذه الذكورية قد تقبل بعد لأي بما لا مفر من قبوله بحكم الزمن مثل تعليم المرأة دون أن تتنازل عن عقيدتها في أن المرأة مجرد "عِرض وعَرض" لا مواطنة.

وقفت على "تجنين" البنات في عمود نشرته في التسعينات بعد وقوفي على انفعالات بنات من الأسرة ومتاعبهن مع نظام الإنقاذ في التوظيف من فرط وسوستها المركزية في جنس النساء. ووجدت أن الاحباط المؤسسي للبنات من الإنقاذ تجسد في عبارة " قهمه " التي ترددت مراراً على لسان أولئك البنات. والقهمة هي تكدير الخاطر، وإتلاف فرص المحاولة والنجاح والمستقبل، واضطهاد للبنات ليس لأنهن جنس بشري لم يخترنه فحسب، بل لجريرة لم تقع. والقهمة هي وضع اجتماعي اتخذت فيه الوساوس الأبوية (البطريركية / الذكورية) منزلة التشريع متذرعة ببعض التدين السفلي في مثل الذي رأيناه من قانون النظام العام.

و"تجنين البنات" قديم بالطبع ليس للإنقاذ فيه سوى فضل المناولة. وسأعرض لنسب قهمة الإنقاذ للبنات في تاريخنا الحديث. فلم تشرع المرأة في مخاطرة جديدة إلا خرج سلف الإنقاذ ليجعلوا منها خطاً أحمر لا سبيل للمرأة تخطيه. فلما ثار موضوع حق المرأة في التعليم في ثلاثينات القرن الماضي خرج سلف الإنقاذ بريبتهم غير الذكية يسفهون أحلام من دعوا له.

فتحت مجلة "النهضة" (1931)، لمحررها محمد عباس أبو الريش، صفحاتها في ثلاثينات القرن الماضي للجدال حول تعليم المرأة الذي دار بين من أراد لها تعليماً بلا سقف، ومن قيد تعليمها بأدائها لوظيفة الأمومة خير قيام. ومن حجبها عن التعليم بالمرة. ومن أطرف جوانب ذلك الجدل أنه دار في حد أطرافه بين والد وابنه على الملأ. فكان الدكتور محمود حمدي في طرف تعليم المرأة بغير قيد أو شرط بينما استمات والده الشيخ حمدي، الذي كان يكتب بتوقيع "رجعي"، في حجب التعليم عن المرأة من كل وجوهه. أما عرفات محمد عبد الله، صاحب مجلة "الفجر" (1934 ) فكان، خلافاً لثوريته المعلومة، على رأي تعليم المرأة لتكون زوجة صالحة مع "إعدادها" لكسب قوتها في وقت الحاجة متى لم تتزوج أو ترملت.

ابتدر الدكتور حمدي باب الاجتماعيات لمجلة "النهضة" بمقال عن تعليم المرأة. وهو عنده تعليم كتعليم الرجل "كلاهما واجب اجتماعي مقدس يفرضه العقل قبل أي شيء آخر" ووصف منطق من وقفوا في سبيل ذلك التعليم بأنه "منطق عامي" اتسم ب" السخافة" التي تولدت عن "عامية أولياء الأمور وتطرف وراثي شديد في عاداتنا حرصاً على العرض وذلك أن البعض يعتقد أن التعليم مفسدة للأخلاق". ولم يسعد المقال والده الشيخ. فكتب للمجلة، بتوقيع رجعي، قائلاً إنه وجد في "النهضة" مقالات ممن حملوا "على أهلهم وعشيرتهم حملة شعواء" عبرت عن كراهته فيهم". وساقه ذلك للظن بان المجلة إنما ظهرت خصيصاً لتكون ميداناً فسيحاً يتفشى من السودانيين وليس أداة إصلاح على الحقيقة". وعليه جاز، والحال ما هو عليه، أن نسمي المجلة "هيصة" لا نهضة". وعاب على محمد أحمد المحجوب وابنه بأنهما إنما يحكمان على أهلهما بالكلمات المحفوظة من بعض الأمم الملحوسة الخارجة عن الأديان المتمردة على الأخلاق.

ومن جهته عارض أحمد يوسف هاشم الذي تلقى تعليمه في معهد أم درمان العلمي، والمعروف لاحقاً ب"أبو الصحف السودانية"، ومؤسس جريدة "السودان الجديد" على دكتور حمدي معارضاً فكرته في وقوع الحب قبل الزواج كشرط للسعادة الزوجية. ورأى في ذلك خلوة بأجنبية لا تجربة مستفادة منها. وقال إن حمدي إنما يدعو إلى "إلحاد وطفرة، نعوذ بالله أن نتردى في مهاويها، وأنت خبير بأن حقائق الأشياء لا تقبل الطفرة، وهو حسبنا ونعم الوكيل."

وتواترت الكتابة عن موضوع المرأة وبدا أنها سخنت حتى وجه المحرر بالكف عن الخوض فيه. فاحتج على قراره الدكتور عبد الله عمر ابو شمة قائلاً إن موضوع المرأة ليس بالشيء التافه الذي "يريد محرر النهضة أن نكف الكلام عنه، او نحوله إلى نقطة أخرى من مواضيع الحياة الكثيرة المتعددة. ويطالبنا المحرر أن نفكر في الرجل وتعليمه وثقافته وبعث الشعور القومي. ولكنني أريد أن أتساءل: كيف نقرر بكل ذلك إذا كان النصف الأهم عندنا مشلولاً. لا تظن أن المرأة يجب أن تكون بعيدة عن أفكارنا والتحدث فيما يشغل كل أوقاتنا وخصوصاً نحن معشر الشباب الذين أصبحنا لا ننظر للمرأة كما يراها غيرنا أداة للمتعة وسد مطالب الرجل. وكيف نحصل على ترقية الرجل إذا أمه لا تشترك في تهذيبه وزوجته لا تشجعه." وكان أبو شمة قد عبر عن هذه المشاعر الشابة الموءودة في قصة قصيرة نشرها عنوانها "خيبة امل" يحلم فيها حسن أفندي بفتاة أحلام هي زوجة "يحبها حباً حقيقياً، وتحادثه في كل مواضيع الحياة، وتتفسح معه على ضفاف النيل، وتؤم معه محلات السينما، وتذهب معه إلى السوق فتختار ملابسها وأدوات منزلها." ولكنه ينتهي إلى زواج إحدى بنات عمه المتوفي "وأي واحدة منهن تستطيع أن تجر الساقية بمفردها وانتهت الأحلام."

لقد ذهبنا بسؤال الطيب صالح البلاغي "من أين جاء هؤلاء" مذاهب في استكار الإنقاذ لا فهمها. ومن تبعة مهندس للروح مثل الطيب أن يستنكر خروق الإنقاذ لطرائقنا وعذوبتنا وأشواقنا إجمالاً. ولكن من المعيب أن يكون سؤال هذا الروائي العذب هو مبلغ علمنا من الإنقاذ لعقود ثلاثة. يكفي أن تقلبه على لسانك فينكشف عوار الإنقاذ ويستبين. وكان الله يحب المحسنين. وأردت بهذا المقال القيام بتبعة المؤرخ وهو تدوين "نسب الغول" في عبارة شيقة للمرحوم عبد الله بولا.

[email protected]

image





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1286

خدمات المحتوى


التعليقات
#1816886 [كوج]
0.00/5 (0 صوت)

03-12-2019 09:08 AM
لا أعرف من كشف عن "من أين جاء هؤلاء؟" !!!؟
كيف لا تعرف عمن كشف؟ ولزمتو شنو تعرف وأنت تعرف أن صاحب المقولة هو الذي كشف عن مقولته هذه والتي تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة!؟ عاوز تعرف مثلاً ما هي الصحيفة أو التلفزة التي نقلت عذه العبارة للطيب صالح؟ ولماذا بالضبط وما أهمية ذلك عندك؟ وهل يساعد ذلك على فهم العبارة مثلاً؟ أم هذا تشكيك خفي منك بنسبة العبارة إلى قائلها الذي يجمع عليه الجميع بأن الروائي العالمي الطيب صالح هو الذي قالها ومن ثمّ فإن التساؤل عمن نقلها عنه أولاً ضربا من التشكيك في نسبتها إليه ابتداءً!
وليه التشكيك أصلاً؟ هل لا يناسب الطيب صالح أن يكون قائلها مثلاً وترى أنها مدسوسة عليه وتريد أن تبرئه منها؟ ماذا تريدنا بالضبط أن نفهم؟!؟!


ردود على كوج
Qatar [كوج] 03-13-2019 01:49 AM
كدا خلينا من بصمتك عارفنك إنت بتبصم ساي، كدا ورينا الفهمتو إنت انا تراني الفهمتو كتبته ورينا البروف دا قاصد شنو بإنو ما عارف من كشف عن مقولة "من أين جاء هؤلاء؟" !
إنت زعلان بس عشان مرة قلنا ليك ما تشتم الناس ساي كن ما قادر ترد بكلام مفيد وتاني ما تجي متلب كلما انتقدنا البروف خليه هو يرد هو بروف وإنت مين يا حي الله. البروف دا أنا بعرفو أكتر منك ومن قنوط ميسوري..ما تجي ناط تاني وتحرجنا معاه كان بهمك أمره

France [عمر التجاني] 03-12-2019 08:41 PM
اكاد اجزم وابصم بالعشرة انك لم تفهم حرفا واحدا مما رمى إليه البروف. يا هذا كان عليك استذكار تلك المقالة جيدا قبل ان ترسل تعليقك المضحك.


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة