المقالات
السياسة
أما آن لهذا البلد أن ينهض (2)!
أما آن لهذا البلد أن ينهض (2)!
03-14-2019 10:38 PM

أما آن لهذا البلد أن ينهض (2)!
محمد التجاني عمر قش
تناولت الحقة الماضية طرفاً من جملة المعطيات التي أسفرت عنها الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة، حيث أشرنا إلى أن ثمة قوة شبابية هي التي تشارك في تلك التحركات؛ فقد جاء على لسان رئيس الجمهورية ما نصه: "إن معظم المحتجين من فئة الشباب وأغلبهم من العنصر النسائي، ومن الفئات كان الأطباء والمهندسون في مقدمة المحتجين، وقال إن دوافع كثيرة قادت الشباب للاحتجاج، ذلك لأن حجم الوظائف المتاحة لا يوازي أعداد الخريجين، كما أن تطلع الشباب أكبر من الواقع"! بالطبع من حق الشباب أن يتطلع إلى مستقبل أفضل، ليس فقط بالحصول على وظيفة بل بإيجاد رؤية وطنية واضحة تستوعب هذه الطاقات الشبابية وتوظفها للنهوض بالسودان وإلا تحولت إلى قوة مدمرة تماماً. وبالجملة يمكن القول إن هنالك خللاً واضحاً في الوضع السياسي والاقتصادي في السودان؛ وهذا الوضع يحتاج لمعالجة مستدامة وناجزة يمكن أن تضع البلاد على المسار الصحيح للتنمية والنهضة، وفي ذات الوقت تجنبها تكرار مثل تلك الأحداث المؤسفة! وهذا لن يتحقق بالمناورات السياسية والوعود بل بالسعي الدؤوب والاستفادة من تجارب الدول التي مرت بأزمات مشابهة وخرجت منها باقتصاد قوي واستقرار سياسي ووحدة صف وطني، وأقرب مثال على هذا ما حدث في رواندا. وكما هو معلوم فقد مرت تلك الدولة الإفريقية الصغيرة بأسوأ كارثة إنسانية تشهدها القارة في القرن المنصرم. وحين تولي الرئيس بول كاغامي مقاليد الأمور قال في كلمة شهيرة وجهها للشعب "لم نأت لأجل الانتقام، فلدينا وطن لنبنيه، وبينما نمسح دموعنا بيد، سنبني باليد الأخرى." وبهذا التوجه نهضت رواندا اقتصادياً بالتزامن مع نهضة اجتماعية شملت جميع نواحي الحياة، فكيف تحققت تلك النهضة أو إن شئت فقل المعجزة؟ إحدى السياسات التي اتبعتها رواندا هي سياسة مشاركة المواطنين في صناعة الإنجاز وهو ما يولد لديهم الإحساس الدائم بالمسؤولية تجاه هذا الانجاز ويدفعهم للمحافظة عليه. إن ما حدث في هذا البلد مثالٌ حي على قدرة الشعوب على النهوض في أحلك الظروف، إذا توفرت رؤية واضحة وإرادة سياسية وشعبية لتنفيذها. نهضة رواندا قامت أساساً على العدل منهجاً والتسامح طريقة للتعامل من أجل تجاوز الإحن بين مكونات المجتمع، مع ترسيخ مبدأ الشفافية، مما أحدث تحولاً في تفكير الأفراد والجماعات حتى أفاق الناس من غفلة كادت تودي بهذا البلد الذي أصبح نموذجاً لنهضة دول العالم الثالث. اقتصادياً، اهتمت رواندا بالزراعة والتنمية المنصفة مع مراعاة ما تتميز به كل منطقة من مصادر طبيعية حتى أصبحت واحدة من أفضل الدول الاستثمارية في أفريقيا، والأكثر أمنا وجذبا لرواد الأعمال. فما بال السودان يشكو مواطنوه الجوع بينما يقال عنه أنه سلة غذاء العالم؟ هذا أمر جد مخجل، بل هو كارثة في بلد تتجاوز المساحة القابلة للزراعة فيه أكثر من 84 مليون هكتاراً، مع توفر المياه سواء من النيل أو الأمطار أو المياه الجوفية، مع وجود ثروة حيوانية تقدر بأكثر من 120 مليون رأساً. بالطبع لن نتحدث عن الثروة المعدنية وخاصة الذهب الذي لم يدخل في دورة الاقتصاد بشكل فعّال؛ نظراً للفساد والتهريب وسوء إدارة الموارد بعد أن أضعنا عائدات النفط بالتخبط وعدم الحنكة. باختصار شديد إذا نجحت الحكومة في تحقيق توافق سياسي وبسط قدر من الحريات وفق منظومة قانونية ونظام إدارة مدنية حديثة، فإن السودان جدير بأن يحقق طفرة تنموية تستوعب طاقات الشباب الذين تحدث عنهم السيد رئيس الجمهورية عند لقائه مع قادة الصحافة. لكن يبدو أن التنظير والتسويف هما المعوقان الرئيسان لنهضة السودان حتى الآن. وإن كانت الحكومة قد نجحت في الحفاظ على استباب الأمن والاستقرار النسبي مقارنة ببعض الدول، إلا أنها عجزت عن تقديم رؤية شاملة من شأنها تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وتصحيح البيئة السياسية تعزيزاً للاستقرار ومن أجل إتاحة فرصة المشاركة في دولاب الحكم لأكبر شريحة من الناس، ليس عن طريق المحاصصة بل عبر انتخابات تجرى تحت مراقبة دولية وبشفافية كاملة، وهذا لن يتحقق إلا بإتاحة مزيد من حرية التعبير والشورى والتكوينات الحزبية المسؤولة التي تضع مصلحة البلاد العليا نصب أعينها حتى تتشكل قوة معارضة واعية تسهم في الحراك السياسي على المستوى الوطني. كان الناس يتوقعون أن يفضي الحوار الوطني وما تمخض عنه من توصيات إلى تسوية المسألة السياسية بشكل جذري، لكن يبدو أن الحزب الحاكم غير مستعد أو راغب في مشاركة الآخرين إلا على طريقته، ويريد الانفراد بكعكة السلطة دون إنجاز يذكر خلال السنوات الماضية حتى وصل الوضع إلى ما نراه الآن. لابد من طرح المسألة السياسية والشأن الاقتصادي على طاولة النقاش مرة أخرى بإشراك فئات الشباب وكافة شرائح المجتمع وبرؤية جديدة تضع المصلحة الوطنية في أعلى سلم الأولويات بعيداً عن المحاصصة بين الأحزاب السياسية فقط، فالسودان وطن قابل للنهضة وهو يسع الجميع ولديه مصادر طبيعية وكوادر بشرية لا يستهان بها.





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 295

خدمات المحتوى


محمد التجاني عمر قش
محمد التجاني عمر قش

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة