المقالات
السياسة
حكومة مكافآت البشير
حكومة مكافآت البشير
03-15-2019 08:01 AM

ليس غريباً أن تأتي التشكيلة الوزارية الجديدة مثل سابقاتها من التشكيلات الهزيلة و الباهتة , فكما وعد المشير عمر حسن أحمد البشير في خطابه الطوارئ في فبراير المنصرم , بعد أن قام بحل الحكومتين المركزية و الولائية , بأن حكومته الوليدة والمرتقبة سوف تكون منظومة حكم مختلفة , وسوف تحتوي على وزراء ذوي كفاءة ومهنيون خُلّص , وأنها حكومة ذات مهام محددة , وليست كما تبينت وبانت ملامحها بورود أسماء نفس الشخوص , عند الإعلان عن قائمة وزراء هذه المنظومة الجديدة يوم أمس , فما تم من كشف للنقاب عن تعيين شخصيات مكررة ومعهودة ما هو إلا مجرد مكافآت وظيفية , دفع بها السيد المشير إلى عدد من المقربين إليه في الإذعان والسمع من الوجوه القديمة , وذلك لما قامت بتقدميه هذه الوجوه من فروض ولاء كفيف و طاعة عمياء للسيد حادي ركب القافلة , ونسبة لهذا السلوك الممل لن تزال الغمة عن صدر الوطن المكلوم , ولا يمكن أن ينبلج نور الصباح إلا بحتمية السقوط الداوي وغير المشروط لكامل المنظومة (من ساسها لي راسها).

في الخاطر مقولة مشهورة لوالي الخرطوم الأسبق تنص على : (الفشل يولد الفشل) , إنّها جملة متداولة لذلك الانقاذي العتيق والذائع الصيت , الفريق الركن عبد الرحيم محمد حسين , مجسداً المثل القائل :(خذوا الحكمة من أفواه المجانين) , فعلى الرغم من اللغط الذي يدور حول شخصية هذا الرجل المثيرة للجدل, إلا أنه سجل اعترافاً واضحاً ظلت تتداوله المنتديات وتتهكم به الأسافير نتيجة للفظه تلك العبارة الصادقة , فسجل سيئة الذكر (الإنقاذ) حافل بالمشاريع الفاشلة , سواء كانت المقاولات العقارية ومنها (مبنى جامعة الرباط) , أو الفعاليات السياسية التي يمثل خلاصة عصارتها ما سمي (الحوار الوطني) , فالإخفاق والفشل ظلا يمثلان الصبغة الرئيسية لمنظومة حكم الاسلام السياسي في السودان , وأصبح اضمحلال مؤسسات الدولة و التردي الخدمي و تدهور الأخلاق مادة خصبة لصناعة النكتة , ودافع قوي لإبداء السخرية بحق أفعال ورموز منظومة الهوس الديني.

ومن قرائن الأحوال في محاولات المشير اليائسة لترميم أعمدة حكمه , التي تآكلت بسبب صمود طلاب وشباب ديسمبر في هبتهم وثورتهم المجيدة , يتأكد للرائي أن مسألة السقوط الإجباري للمنظومة الانقاذية قاب قوسين أو أدنى من الحدوث والتحقق , وأنه لا يوجد أي منقذ ومخلص أو جبل, بمقدوره أن يعصم هذه المنظومة وزعيمها من الطوفان , وأي طوفان!! , إنّه تسونامي الشعب المهدور الكرامة منذ صبيحة الثلاثين من يونيو , من ذلك اليوم المشؤوم الذي أرخ لبدايات عصر الظلام , فتلك الأمواج العاتية التي هزّت كيان سفينة الإنقاذ , البارجة التي قيل أنها لا تبالي بالرياح ولا تأبه بالأعاصير , لقد أمست الجماعة الإخوانية مثل الطريدة التي أرهقها عنت و رهق تعقب صيادها الماهر , فكلما توقفت برهة عن الركض للتمتع بشيء من الإنجمام, باغتتها كلاب ذلك الصياد اللاهثة بألسنتها المزبدة , فيتلقى ظهرها ضربات كرباجه المحدودب , وهو يسعى حثيثاً للانقضاض و الإجهاز عليها.

سيحفظ التاريخ لسلسلة الحكومات المتعاقبة للسيد المشير , حقها الحصري و ملكيتها الفكرية في اختراعها لمنهج وأسلوب (الدمع السخين لنيل الأنواط و النياشين) , الذي برع في تطبيقه كلا الوزيران الكبيران , بشارة جمعة أرو وأحمد بلال عثمان , وتبعهما على ذات المنهاج الكثير من الوزراء الطامحين و الطامعين , فمنذ بداية عهد الدولة الحديثة في السودان لم تشهد لجان اختيار الوزراء و الدستوريين , مثل شاكلة هذه المنهاجية البكائية الدامعة التي صارت علامة مميزة , ويافطة بارزة تقف على جنبات الطرقات المؤدية إلى القصر الرئاسي , لقد أشفق الشعب السوداني أيما إشفاق عندما رأى الدموع المنجرفة على وجوه وزراء حكوماته , منهمرة خوفاً وطمعاً ورهبةً من ضياع الجاه و السلطان , وعلم أن الكفاءة ليست وحدها الفيصل في حسم عملية ترشح المواطن الصالح , لشغل شاغر الوظيفة الدستورية العليا في بلاده , وإنما هنالك خبرات ومهارات أخرى , هي عبارة عن خليط من العاطفة المصطنعة والمتكلفة , مضاف إليها بعض إلمام بشئون الكوميديا وفنون المسرح , تعمل جميعها في تناغم تام من أجل إنتاج ما يسمى (بالوزيرالإنقاذي) , وفي هذا الخصوص , فإنّ صفة (الإنقاذي) تعتبر هي الصفة الأكثر شمولاً من وصمة (الكوز) , في تعريف ألذين استرزقوا من الاستوزار و استغلال الوظيفة الدستورية العامة في عهد حكومات الإنقاذ , وأولئك الذين ساهموا في تثبيت أركان حكم الكيزان في السودان, لأن مصطلح (إنقاذي) يشمل الأنصاري المندغم والختمي المتوالي و البعثي والشيوعي المتماهيان.

وخلاصة القول أن التغيير الحقيقي لابد أن يبدأ من الجذور ثم يرتقي ليلحق بالفروع , فطريقة التجيير و تبييض القشور ولى زمانها , خصوصاً مع المد الشعبي الماثل في شوارع مدن السودان المنتفضة اليوم , المدن التي تعلو سقوف مطالبها و تزداد أجيالها وعياً على وعي مع كل صباح يوم جديد , فالكبار و الصغار ألموا بأسباب استمرار استيطان داء الضائقة الاقتصادية , و خبروا الدروب المؤدية لحلها و بسط رغد العيش في ربوع البلاد , لذا , على الناصحين المتكأين داخل بهو صالون سيد القوم , أن يقولوا له إن المعضلة الرئيسة تكمن في وجودك على رأس الهرم يا سيد القوم , وعليهم أن يبحثوا معه سبل التنحي المبكر الذي سوف يقلل من كلفة نزع الملك الباهظة الثمن , فكلما تقادمت الأيام كل ما ازداد هذا العبء أضعافاً مضاعفة.

إسماعيل عبد الله

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 624

خدمات المحتوى


اسماعيل عبد الله
اسماعيل عبد الله

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة