المقالات
السياسة
مقاومة نظام الإنقاذ من التجمع إلي ثورة ديسمبر 2018 (2)
مقاومة نظام الإنقاذ من التجمع إلي ثورة ديسمبر 2018 (2)
03-15-2019 08:04 AM

في أعقاب توقيع اتفاق نيفاشا وبداية ما يسمي الشراكة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني وما صاحبه من زخم دولي أصيب الحراك السياسي المعارض بخمول شديد خاصة الوضع المعقد في العلاقات والتحالفات السياسية فالحركة الشعبية كانت حليفة لعدد من التنظيمات علي رأسها الحزب الشيوعي والاتحادي وقوي اليسار القومي وفي ذات الوقت شريكة للنظام في اطار اتفاقية السلام واصبح واضحا ان الجميع ينتظر نهاية مباراة القمة بين الشركاء وما ستنتهي اليه من وحدة ام كونفدرالية ام استقلال وكل ذلك أدي الي حالة الكسل السياسي غير المحمود وانعكست هذه الحالة علي العاصمة بشكل اكبر وانصرف الناس الي دنياهم إلا القليل وانشغلوا عن النظام الذي كانت تكسوه عافية البترول والرضا الدولي بعد نيفاشا.

حالة الجمود في العاصمة نتج عنها تململ النخبة السياسية المعارضة في الاقاليم والتي كانت تمنح تفويضاً مفتوحاً لقاطني العاصمة للمبادره والتأسيس للفعل السياسي المعارض وأصبح مثل الامر الحتمي ان لا تأتي مبادرة سياسية الا من المركز العاصمي الذي يحتكر الاعلام والزخم الفكري، تحول هذا التململ الي حوارات عميقة وكانت مدينة القضارف في مقدمة عواصم الاقاليم ببروز منظمة قضارف ضد الفساد وجاء ميلادها بمبادرة من الناشط السياسي الأستاذ جعفر خضر ومعه ناشط آخر مهتم بقضايا الفساد وبمشاركة كل من الاستاذ الطاهر الساير وعبد اللطيف الضو (الحزب الشيوعي) وعبد الوهاب وهارون (حزب الامة) والمحامي رمزي يحي (الحزب الاتحادي الديمقراطي الاصل) والمحامية نادية سيد أحمد (الحركة الشعبية لتحرير السودان) واهتمت قضارف ضد الفساد بقضايا الاعتداء علي المال العام انطلاقاً من تقارير المراجع العام وملفات الفساد التي حققت فيها المنظمة بعد حصولها علي وثائق تؤكد التجاوزات واهتمت أيضا بقضايا الغلاء وزيادة أسعار فاتورة المياه وفرض زيادة كبيرة علي المدارس والمساجد في تخلي واضح عن دورها تجاه المؤسسات التعليمية ودور العبادة وهي بطبيعة الحال مؤسسات خدمية غير ربحية. تم مواجهة الناشطين في قضارف ضد الفساد ببلاغات في الشرطة واصدرت المنظمة بيان اوضحت فيه الامر جاء فيه (تم القبض على بعضنا بتهمة توزيع بيان!! وتم فتح بلاغ بتهمة ترويج أكاذيب!! ولا يزال جهاز كمبيوتر وملحقاته وطابعة بحوزة الشرطة ونحن في انتظار محاكمة لا تأتي...).

وجدت قضارف ضد الفساد تفاعلاً كبيرا من المهتمين خاصة وأنها قد تأسست في حقبة الوالي الفاسد عبد الرحمن الخضر التي استشرى فيها الفساد المالي والاداري وقدم عبد الله عبد القيوم (الحركة الشعبية) دعماً لقضارف ضد الفساد بمبلغ (500.000 جنيه /قديم).

انطلقت بعدها مبادرة القضارف للخلاص وهي المبادرة التي تأسست علي ضرورة قيام فعل سياسي مستقل عن الاحزاب ويتعاون معها في ذات الوقت لتنظيم الرفض الشعبي الواسع وبلورته الي فعل سياسي ملموس وانطلقت هذه المبادره يدعمها شباب من القوي السياسية المعارضة يعملون تحت لافتة هذا التجمع السياسي المستقل ووجهت المبادره في بدايتها بالرفض المبطن والمخاوف وعدم المرونة السياسية من بعض الحزبيين ولكن بعد عدة مواكب ومسيرات تهتف ب (لا .. لا للغلاء) وغيرها من الشعارات المناهضة للنظام انخرط الكثيرين من شباب الأحزاب في المبادرة وتحدثوا في ندواتها ومخاطباتها وقادوها الي التأثير الكبير علي الشارع في مدينة القضارف وانخرط شباب غير منظمين سياسياً في المبادره وقدموا تضحيات وابدوا شجاعة وبسالة كبيرة داخل معتقلات الامن وشهدت المخاطبة التي اعلنت فيها المبادرة مقاطعتها لانتخابات الوالي التي مثلت اكبر زخم سياسي لمبادرة القضارف للخلاص شهدت هذه المخاطبة تدخل عنيف من عناصر جهاز امن النظام وتم اعتقال 8 افراد من قادة المبادرة.

أعقبت الفترة بعد سبتمبر 2013 فترة من الجمود والتكلس السياسي الذي لازم معظم القوي السياسية، لا سيما في العاصمة وحتي عضوية الحزب الحاكم فقدت الحماس في التعاطي مع برامجه وبدأت في هذه المرحلة القضايا المناطقية تأخذ حيزاً أكبر من زي قبل وظهر ضعف الاستجابة لدي النظام في معالجة المشاكل الناجمة عن السدود وتعويضات الاراضي المتأثرة وغيرها من القضايا ومنها علي سبيل المثال لا الحصر قضايا سد مروي/ سيتيت / وغيرها من الاحتكاكات مع الشرطة في الاسواق والعشوائيات ومناطق اعادة التخطيط. وبدأ شيئاً فشيئاً تصاعد الرفض الشعبي لسياسات النظام وما تفعله في معاش الناس وعلاجهم وتعليمهم حيث اصبح معروفاً تنصل الدولة من قطاع الخدمات بالكامل لا سيما التعليم والصحة وقد ساعد كوادر هذه الفئات المنظمين سياسياً في كشف سوءات النظام وتقصيره الكبير في تمويل هذين القطاعين وحتي الاخرين الذين تجنبوا المجاهرة بآرائهم في المؤسسات كانوا يملكون الحقائق للمواطنين والارقام الحقيقية للنسبة المخصصة في التنمية وهي نسبة ضعيفة جداً لا تفي بأدني احتياجات التسيير وكانت المحصلة النهائية خدمات صحية وتعليمية متدهورة يوما بعد يوم الي ان تدمرت بالكامل وهرب الناس الي القطاع الخاص للتعليم والعلاج ومن لا يملك القدرة استسلم شاكياً الحاكمين الي الله.

صعدت القوي المعارضة مناهضتها للنظام متخذة اشكالاً مختلفة من النشاط حيث ظهرت حركات شبابية معارضة مثل (شرارة / قرفنا) دفعت العمل المعارض الي الفضاء العام في الاسواق والتجمعات السكانية لشرح رؤيتهم كشباب مناهض للنظام وسياساته وقدمت تجارب جيدة يضيق هذا المقال عن سردها. يمكن القول ان العاصمة دخلت في حالة سكون سياسي الا من محاولات حزبية هنا وهناك وبرزت مظاهر اخري لرفض النظام في اوساط الشباب الذين انعزلوا بتصوراتهم واحلامهم وحنقهم حتي عن الفئات العمرية الاكبر في المجتمع وظلوا علي هذا الحال الي انفجارهم العظيم في ديسمبر 2018 كما سيأتي ذكره في سياق المقال.

تضافرت عوامل كثيرة سياسية واقتصادية وساعدت علي اندلاع ثورة ديسمبر 2018م الثورة غير المسبوقة في تاريخ السودان مع نظام ايضا يختلف كثيراً عن سابقيه نظامي (نميري وعبود) ويأتي الاختلاف الكبير في الايدولوجيا المتطرفة والقاسية التي يعتنقها النظام الحالي والمستقاة من فكر جماعة الاخوان المسلمين وهي جماعة لا تعترف بالتعددية بكل انواعها وتسعي دوماً الي الانفراد بالحكم واستخدم هذا النظام انطلاقاً من هذا الفكر الاقصائي عنفاً مفرطاً لا مثيل له في تاريخ السودان ويشابه ما حدث من انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان في الكنغو ورواندا وترسخ هذا العنف في ذاكرة الشعب الذي يرفض هذا المسلك ويرفع من قيم التسامح، ايضا الطبيعة الامنية للنظام كرست لحالة عامة من عدم الشفافية والضبابية في الأداء الرسمي للحكومة لا سيما اجهزتها السيادية ومؤسساتها القومية ذات الميزانيات المفتوحة الشئ الذي أوجد حالات كبيرة وخطيرة من الفساد المالي والاداري في دهاليز مؤسسات الحكم مما انعكس تدريجيا علي المركز المالي للدولة وقدراتها الانتاجية واحتياطها النقدي وعائدات الصادر وغيرها من الاعمدة الرئيسة التي تحمل بناء الدولة. وانخفضت مؤشرات الانتاج وزادت معدلات التضخم حتي بلغت نسبة التضخم 70 في المئة في السودان الذي يعاني من أزمة اقتصادية منذ عام 2011، وهو العام الذي انفصل فيه جنوب السودان عن السودان الشمالي، الذي كان يؤمن 80 في المئة من موارد العملة الأجنبية التي كانت تأتي من إيرادات النفط، وتزامن ارتفاع أسعار المواد الإستهلاكية مع تطبيق موازنة 2018، التي أقرت زيادة سعر الدولار إلى 18 جنيها، مقابل 6.9 جنيه في موازنة عام 2017 .

كما باتت أعداد ماكينات الصراف الآلي التي تعمل في العاصمة الخرطوم محدودة، إذ لا تسمح للمواطنين بسحب أكثر من 10 دولارات في اليوم الواحد خشية قيامهم بتحويل مدخراتهم إلى عملاتأجنبية، كما أن أحد أسباب زيادة أسعار القمح هو توقف الحكومة عن استيراد القمح وتكليف القطاع الخاص بتلك المهمة، فارتفعت أسعار كيس القمح الذي يزن 50 كيلو غراما من ( 24 دولارا إلى 65 دولارا ) للكيس الواحد، الأمر الذي دفع ببعض أصحاب المخابز إلى إغلاقها بسبب ارتفاع تكاليف انتاج الخبز. (المصدر: تقرير BBC عربي بعنوان مظاهرات السودان: أسبابها وخلفياتها – بتاريخ/ 2 يناير/ كانون الثاني 2019).

تتمثل العوامل السياسية في العجز الواضح لجهاز الدولة عن الايفاء بالمتطلبات الحياتية للمواطنين فمنذ العام 2011 بدأت الاختناقات في الوقود والمحروقات والخبز والدقيق والزيادة المطردة في اسعار كافة السلع واصبح كل صاحب سلعة يتذرع بارتفاع الدولار واصبح من المعتاد ان تشتري سلعة ما صباح اليوم ثم تعود لشرائها عصراً فتجد ان سعرها قد زاد وانتشرت ظاهرة الاحتكار بصورة كبيرة خاصة في غاز الطبخ حيث وجد بعض السماسرة والتجار فرصتهم في المزايدة في اسعار الغاز الذي ارتفع سعر ملء الاسطوانة من 32 جنيه حتي وصل الي 500 و600 جنيه ولم تضع الدولة اي معالجة لهذا الامر وظلت الاسر تنفق عشرات الجنيهات في مطاردة اماكن الغاز بــــــــــــ(الركشة) مما زاد أعباء الحياة وضاعفها لان كل أسرة أصبحت تنفق ثلاثة امثال دخلها الشهري دون ان تواكب هذا الغلاء الفاحش زيادة في الرواتب بالقدر الكافي لردم الهوة بين الدخل والصرف.

القشة التي قصمت ظهر البعير تمثلت في السياسات النقدية التي لجأت اليها الحكومة لمنع تدهور الجنيه امام الدولار والمدهش وما يدعو للسخرية في هذا القرار ان تمنع الحكومة عن كافة المواطنين اموالهم المودعة لدي البنوك وهي تستهدف المضاربين في الدولار!!! تمنع من رصيده 5000 و10000 ومن يريد سحب راتبه من البنك ان هذا الاجراء الغريب يقودنا مباشرة لفهم طبيعة النظام وتركيبته التي من ضمنها تجار العملات وحلفاءهم من الوزراء والمتنفذين وهو ما يوضح عجزهم عن محاربة الظاهرة الا من خلال حجب اموال الجميع ومعلوم حجم الضرر الذي يقع علي اصحاب الحاجات المستعجلة كالعلاج والتعليم والسفر والضرورات اليومية، وبتطبيق هذا القرار الظالم بدأ التململ في الاوساط الشعبية غير المشغولة بالصراع السياسي وهي فئة عريضة وبداخلها فئة مؤثرة جداً وهي فئة التجار هذه الفئة المتصلة اتصالاً يومياً بالجماهير والتي تؤثر وتتأثر بالأوضاع التي يعانيها المواطن كما أنها الفئة القادرة علي فضح النظام السياسي بالقاء اللوم عليه في كل ما يتصل بغلاء الاسعار والضرائب والجمارك والرسوم وتستطيع تشكيل الرأي العام بسهولة كبيرة من خلال التفاعل اليومي والمكثف مع الجماهير.

نواصل...

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 358

خدمات المحتوى


سليمان موسى
سليمان موسى

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة