المقالات
السياسة
الغريب - قصة قصيرة
الغريب - قصة قصيرة
03-20-2019 03:59 AM

الغريب
.......
و نظر عمى " عامر " إلى الأفق البعيد لبرهة ، ثم ابتسم قائلا و المسبحة تتدلى من أصابع يده النحيلة " جاءنا يا بنى ذات يوم صيفي قائظ . بدت الشمس حينها و كأنها أدارت ظهرها إلى الكون كله لتصب شواظها على قريتنا . كنا قد خرجنا للتو من المسجد بعد أن فرغنا من أداء صلاة الظهر " . و أردف و هو يميل طاقيته إلى حافة رأسه كعادته كلما أوغل في السرد " فجأة وجدناه أمام باب المسجد . كانت يداه مغطيتين بالشعر الكثيف و الطين ، وكذلك أعلى صدره المطل من وراء جلبابه الممزق ، أما رأسه فبدا أصلعا كبيضة دجاجة . كان جائعا ، و منهكا ، و هزيلا و نازفا . لم يقو حتى على تحيتنا ، بل سقط على الأرض كشجرة اجتثها إعصار . حملناه في الحال إلى ديواني الكبير هذا . أحضرنا له الحكيم من الشفخانة فضمد جرحه ، و أطعمناه من اللحوم ما يكفى لجيش جرار " . سألته " ألم تتساءلوا عن أصله و فصله ؟ " فنظر في عيوني بحدة ثم قال " الهواجس و التساؤلات هذه هي سمة جيلكم أنتم . أما نحن فلم نكن نسأل الضيف و عابر السبيل أن يرينا بطاقته الشخصية لنكرمه" و مد عصاه الخيزران الطويلة و أشار في شكل دائرة في الفضاء مردفا " هذه القرية التي تتحول الآن إلى مدينة صغيرة ، هذه البيوت الإسمنتية الباردة التي تراها ، كانت قديما مبنية من الطين و أمام كل واحد منها راكوبة قش عملاقة يجلس تحتها أصحاب البيت و جيرانهم طوال اليوم ، و هذه " الايريلات " المرتفعة إلى الفضاء كأرجل عاهرات وهمية ، و التي لا تجلب لكم سوى المشاهد العارية و الثقافات الملتوية، ما كنا نعرفها . كان هناك تلفزيون واحد في بيت جدك الكبير . زمان ، كنا نجتمع في دكان جارنا المرحوم " ود خريبان" عقب كل صلاة عصر و نتسامر حتى منتصف الليل . كنا نصلى المغرب و العشاء أمام الدكان . كنا شلة نقية فيها مختلف المشارب الفكرية ، و حتى " محمود الشيوعي " الذى جاءنا من بلاد السوفييت بشهادة اقتصاد كان يقرأ معنا "راتب المهدى" في عيد الأضحى " . نظرت إلى عمى " عامر " ، متأملا وجهه الأسمر الوسيم ، عيناه جميلتان كعيني ظبية ، أنفه طويل مستقيم و شفتاه رقيقتان لكن في حزم . قالت لي عمتي إن جدى رأى في المنام أن شيخا أحضر إليه خروفا نقشت على وبره الشهادة المحمدية ، و طلب منه أن يهبه هدية لابنه " عامر " . قالت كذلك إن الرجال كانوا يوقرونه و لا يعصون له أمره منذ صغره . أما النسوة فكن يتشببن به ، ويتغنين به علانية ، و منهن من كانت يغمى عليها حين ينزل إلى ساحة الرقص متمايلا بقامته المديدة كصاري السفينة . و قال لي رهط كثير من القرية إنّ عمى هو من قام بتربية أبى بعد وفاة جدى ، رغم أن جدتي كانت هي زوجة جدى الأخيرة . . كان حياة عمى " عامر" مزيجا غريبا بين الجد و اللعب ، بين الإقبال على الآخرة و الركض وراء ملذات الدنيا . ربطتني به علاقة حب متبادلة منذ صغرى ، فكنت بمثابة ابن أخيه الأثير و كان أحب خلق الله لي . أدخلني إلى خلوة القرآن منذ نعومة أظفاري و أشرف على تعليمي الحكومي ، بل إنه خاصم أبى حين ارتأى الأخير أن يخرجني من المدرسة لأساعده في فلاحة الأرض . و لعل الفضل الأكبر في كونى درست "صحافة و إعلام" يعود إلي عمى دون أهلي . كان يصر أن أرافقه حين يسافر إلى القرى المجاورة مهنئا و معزيا . ذكروا لي إنه كان متفوقا في دراسته لكنه اضطر أن يضحى بأحلامه الأكاديمية حين توفى جدى تاركا له مهمة تربية إخوته و أخوانه - و ما أكثرهم ! سألته " و هل أعلمتم الشرطة بالأمر ؟" فقهقه حتى بدأ صدره يصدر صوتا ككرير ماكينة سيارة قديمة و قال " الشرطة ؟! و هل كنا وقتها ندرى شيئا عن الجرائم ؟" ثم صمت هنيهة قبل أن يستطرد " ذات عام زارنا مرشحون كثير ، هذا تابع للحزب الفلاني و ذاك للحزب الفلتكانى ، يختلفون طولا و عرضا و يتفقون في الابتسامات البلاستيكية و الوعود الجوفاء . أذكر منهم واحدا قصيرا بشكل مضحك ، اضطررنا أن نوقفه على كرسي ليخاطب الجمع . قال لنا بأنه ، حال فوزه ، سيبنى لنا شفخانة و مدرسة و مركز شرطة و جمعية تعاونية و سيحفر لنا قنوات إضافية للمشروع . طبعا حين فاز لم نر وجهه بعدها . لكن حكومته أحضرت لنا جوز عساكر قصار القامة جلسوا معنا سنين عددا دون أن يحدث أمر ذو بال في القرية ، فتزوجا منا و عملا بالزراعة مثل بقية أهل القرية " سألته و أنا أضغط على يده بحب " و ماذا حدث بعد أن أحضرته إلى ديوانك ؟ " حينها تنهد طويلا ثم أردف بأسى و صوته يتهدج " حدث أن القرية منذ تلك الليلة لم تعد كما هي . أتعلم يا " أحمد " : كنا قبل قدوم " عثمان العالم " نعيش في قريتنا هذه في وئام غريب . كان يعيش معنا في أطراف القرية من لا يماثلنا دينا و لا سحنة . صحيح كانوا يصنعون الخمور ، و كانوا لا يزوجوننا بناتهم ولا نزوجهم بناتنا ، لكنهم كانوا إخوة لنا ، يقفون معنا في الأفراح و الأتراح ، بل إن منهم من يرافقنا إلى المقابر لدفن موتانا و كانوا حين يحضرون إلى سرادق عزائنا يقرأون الفاتحة و يحيوننا بتحية الإسلام . لم نكن من أولياء الله الصالحين الذين تشد إليهم الرحال ، لكن لم يكن سفيهنا ليجرؤ على رفع عينيه إلى جارته أو بنت فريقه . كانت " ست العرقي " تعيد لك باقي مبلغك إن أخطأت أنت و دفعت لها مبلغا إضافيا ، و لم يكن اللص فينا يسرق شيئا من دار جاره . أذكر أن شيخ الطريقة كان يذهب إلى ملعب القرية ليشاهد الصبية يلعبون كرة القدم ، و كان يستمع إلى أغنيات " عبد العزيز داؤود" .فجأة بدأ الحقد يتفشى بين الخلق . بدأت البيوت تتهاوى و كأن زلزالا ضربها . أذكر أن " عثمان " حضر إلى القرية يوم السبت . استيقظنا يوم الأحد على ولولة زوجة "ود خريبان " . ركضنا إلى البيت فوجدنا ديوان الرجل قد سقط عليه فتوفى في الحال . و حتى اللحظة لا يعلم أحد منا ما حدث لذاك الديوان العملاق . بعد يومين تهاوت عربة بنسوة في الخور الذى يمد القرية بماء الأمطار للشرب و الزراعة . كن عائدات من عزاء في قرية صغيرة مجاورة . علمنا فيما بعد أن " ود برناوي " - السائق - كان ثملا يومها و هو أمر لم نعهده عنه أبدا " . و مسح عمى دمعة ترقرقت على عيونه و استطرد " بعد خمسة أيام تعارك شابان في السوق . استل أحدهما خنجرا و أغمده في بطن الثاني فأرداه قتيلا " سألته و الفضول يلتهم خيالي " و ماذا حدث بعد ذلك ؟ " أنزل عمى رجليه عن عنقريبه الى الأرض و قال " تلك الجمعة خطب فينا " عباس المبروك " إمام المسجد . وكعادتنا كلنا أنصتنا إليه : مزارعون ، معلمون ، سائقو كاروهات تجرها الخيول ، سائقو البكاسى التي تشبه الصفائح القديمة ، بناؤون ، صائدو أسماك ، عاطلون عن العمل ، بعض القواعد من النساء و بعض الصبية . قال إن ذاك الغريب الذى جاءنا فجأة و كأن باطن الأرض قد تقيأته إلى خارجها هو أس المصائب ، و إنه ليس ببشر و إنما شيطان رجيم و علينا أن نقتله . نظرنا إلى الإمام في لا تصديق . حتى إمامنا بات يحرض على القتل !
فجأة ، انسل " عثمان العالم " – الغريب - من بين الخلق في المسجد العتيق . وقف أمامنا بقامته الطويلة ، ووجهه الوسيم ، و ابتسامته الخلابة . حيانا في أدب جم . قال لنا إن المصائب إنما هي ابتلاء من الله ، يبلو بها أقوياء الإيمان من ضعافه ، و ذكر لنا أن قدر " ود خريبان" أن يموت شهيدا تحت أنقاض ديوانه ، كما أن نسوة القرية قد استشهدن لأن الغريق شهيد بنص الحديث . و أمرنا أن نخرج أولئك الذين ظلوا يعيشون معنا سنوات طويلة من القرية لأنهم ٍسبب المصيبة ، فهم يصنعون الخمر التي احتساها " ود برناوي " مما أدى إلى سقوط العربة في الخور و بالتالي موت النسوة . صمت جدى لبرهة و استطرد " كانت في حديثه طلاوة و عذوبه غريبة ، فاستمعنا إليه و حواسنا سليبة ، و دواخلنا مبتلة بمطر وسيم ، و عيوننا مغرورقة بالدمع . لم تكن حركة شفتيه تتناسق و الكلمات الخارجة منهما . بدا لي – و كنت حينها جالسا في الصف الأمامي – و كأنه يتحدث بشفاه أخرى غير التي في فمه . خلاصة الأمر أنه لم يكد يفرغ من حديثه ، حتى بدأ المصلون يهتفون بسقوط " " عباس المبروك" . ثم نصبوا "عثمان " إماما للمسجد بدلا عنه في ذات اللحظة .
بعد أسبوعين توفى عمى " عامر " في صمت . كنت قد ذهبت إلى " الخرطوم " لقضاء بعض الشئون و حين عدت فوجئت بالفاجعة . قال أبى إن عمى استدعاه تلك الليلة و وصاه على إخوانه و أخواته وكأنه كان يعلم بتاريخ موته ثم أعطاه طردا ليسلمه لي . فتحته بعد أيام من الوفاة فوجدت فيه تنازلا لي عن بعض الحقول في القرية . تلك الليلة تمددت على فراشي و صوته يرن في دواخلي " ثم جاء " عثمان العالم" . نصبناه إماما لنا . بعد شهر كان قد أصلح أكبر تاجر ذرة في القرية و أضحى يتحكم في أرزاقنا . تزوج أربعة نسوة دفعة واحدة ، و أصبح يطلق و يتزوج مثلما يشاء ، و كلما حدثناه في أمر أقنعنا بعكسه بسهولة غريبة . أذكر إنه مرة أقنع رجلا بتطليق زوجته ليتزوجها هو . نعم ، تغير بقدومه كل شيء . الجار ما عاد يعرف شيئا عن جاره ، بتنا يموت فقيرنا جوعا و يموت غنينا تخمة ، هاجر شباب القرية إلى المدينة و قويت عيون النسوة فبتن يدخن النرجيلة و يرقصن أمام الغريب و يضحكن بأصوات مجلجلة أمام الوالد و الأخ . عاد رجلا الشرطة إلى مخفرهما ليحاربا الجريمة مع جنود آخرين بعثت بهم الحكومة " .
سافرت إلى " الخرطوم" بعد ذلك للعمل ، و اقترنت بزميلة لي هناك ، لكن الوشائج بيني و بين قريتي لم تمت ، فظللت أزور الأهل في الأفراح و الأتراح ، بل و أزورهم بلا مناسبة حتى تقوى الجذور بين أبنائي و أهلهم الطيبين ، و بذلت قصارى جهدي أن أوصل صوتهم المبحوح إلى آذان من ندعوهم ظلما بالمسؤولين !
ذات صباح ، اتصل بي أبى . قال لي إن القرية قد استيقظت فلم تجد " عثمان العالم " . تبخر فجأة مثلما قدم . ذهب الناس إليه في ديوانه الأنيق ليحيوه و يسألوه أن يدعوا الله لهم لينزل الغيث ، فقد أجدب الغيم و أناخ الصيف بكلكله على أضلاع القرية الرقيقة . دلفوا إلى بيته فلم يجدوا سوى زوجاته ساهمات يقلبن أيديهن في حيرة . قالت أكبرهن " بات معي ليلة أمس ، و كان كعادته رقيقا مجاملا . عند الصباح ذهبت لأيقظه فوجدت الفراش ملطخا بالدماء و لم أجده . تلاشى كالدخان !" .
ذاك اليوم أعدنا " عباس المبروك " إلى إمامة المسجد !!
.......................

مهدي يوسف
جدة
الجمعة 23 مارس 2012
[email protected]





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 341

خدمات المحتوى


التعليقات
#1818214 [كنشكة]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2019 11:54 AM
إقتباس من روائع الطيب صالح ... ذلك الذي يجيء ثم يختفي فجأة لك التحية وأرجو أن تواصل في كتابتك


#1818182 [الصاعق]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2019 08:32 AM
شكراً ،، عمل رائع
ارجو أن يمدنا الكاتب برابط لاي اعمال اخرى له أو صفحة أو حساب على مواقع التواصل منشورة فيه قصصه


مهدي يوسف
مهدي يوسف

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة