المقالات
السياسة
فاطمة محجوب عثمان: بت أم النصر المنجضة الحلة نجاض (2-2)
فاطمة محجوب عثمان: بت أم النصر المنجضة الحلة نجاض (2-2)
03-23-2019 07:23 AM

في عيد الأم أنشر مقدمتي لكتاب الأستاذة فاطمة محجوب عثمان، شقيقة أستاذنا عبد اخالق محجوب، وعنوانه "مذكرات بت شقية" قيد النشر. والكتاب بشكل كبير عن طفولتها وصباها وشقاوتها في أربعينات وخمسينات القرن الماضي بحي السيد المكي بأم درمان. واتخذت من شقاوتها الاستثنائية الممتعة خيطاً لنظم حيوات نساء ورجال عمرت الحي. والكتاب في تصويره تلك الحيوات وثيقة للتاريخ الاجتماعي قل مثيلها عندنا. واسمحوا لي نيابة عنكم أن أهنئ فاطمة بعيد الأم، وأشكرها لسهرها الطويل على كتابة هذا التاريخ، سائلاً الله له الصحة وطول العمر.

كانت أم درمان تخترع نفسها للمرة الثانية في ظل الاستعمار كما اخترعتها من تراب في عهد المهدية. فنرى نادياً للكِتاب الحديث ينعقد في بيت ناس فاطمة بعد أن انعقد للمدينة مجلس حول "الراتب" للإمام المهدي يوماً. وكانت تؤم النادي وجوه من الحركة الوطنية أحمد محمد صالح، وعرفات محمد عبد الله، وأحمد بشاشة، وعثمان إبراهيم وآخرون. ويستجد في المدينة شره للمعرفة من وسائط مبتكرة مثل شغف على محجوب، شقيقها، بالصحيفة شغفاً جلب له تنكيد أصحابه. وتجد شواغل جديدة مثل كرة القدم وناديها. وكان والد فاطمة من مؤسسي الهلال ونُسبت إليه عبارة معلقة بالنادي "الهلال عقيدة". وحضر لمأتمه في 1958 معزون مستحدثون هم أسرة النادي.

ورشح حب الكرة على صبية حي ناس فاطمة فكانوا يمارسونها في ميدان الحديد الذي سبق أن كان موضعاً لمقابر شهداء من المهدية نُقلوا إلى غير المكان ليكون ساحة للصبيان. وكانت الصبيات تفد لمشاهدة منافساتهم. كما كوّن شباب الحي نادي النهضة لاجتماعهم المسائي والأنس والحفل. وعرفوا طرائق الانتخاب لمواقع القيادة. وجاءت عدوى المسرح للبيت من المدرسة فنصبت فاطمة مسرحها فوق طاولة المكوى. وظهر من بين منازل حي المدينة بيت طريف بلا نساء هو "بيت العزابة".

واتسع الحي في المدينة لسيمفونية الأصوات الروحية من عقائد أهله الخليط. فتجد مسلمات يتلقين العلم عن مهارات التطريز وحتى مبادئ القراءة والكتابة على يد قبطيات. بل وجد أطفال الحي طريقهم للمدرسة الإنجيلية التي زكاها لأهلهم عنايتها بالنظافة بغض النظر عن الدين. وكانت تعلو إلى عنان سماء الحي أماديح الختمية والأنصار الإسماعيلية. وتقترب أنفاس الخلاف الحار بينها ولا تلتهب لأن المدينة سعة. ويسمع الحي عن بكرة أبيه في الضحى تلاميذ مدرسة الهداية الخاصة ينشدون "يا قريب العفو" للشيخ لمحمد بن ناصر المغربي الشاذلي (1129).

كان مفتاحنا إلى كل هذه العوالم هو فاطمة بنت الحي الشقية. وبلغت من الشقاوة أن قالت عنها امرأة تضررت منها "دي الشقية المنجضة الحلة بت أم النصر". وفاطمة عندي تركستر (trickester) في مصطلح المأثور الشعبي. والتركستر مثل أبو الحصين عندنا شُغله تدبير المقالب، والقيام بما تنكره الأعراف والسلوك المرعي بعامة ويخالفه. واخترت أن أعربها ب" بهلول" ناظرأ لمصطلح شعب الرباطاب في دراستي لهم. فالبهلول عندهم مثل التركستر ماكر طريقه إلى العبث بالناس الإضحاك والشيطنة. بل قال أحدهم إن البهلول "شيطان خلاص". وفاطمة محجوب بهلولة جداً

ووجوه شيطنة صباها كثيرة منها الغَيرة على الحق مثل فك وثاق خروف ضحية وعذرها أنه كان في هجير الشمس وله أن يبحث عن ظل يأويه. والهذر من وجوه البهللة. ومن مقالبها أنها أغرت أحداً من حولها ان يجمع روث بهائم الحلة لأن أحد البنائين أبدى رغبته في شراء المادة. وشقي الرجل يلملم الروث وجاء به للبناء الذي شكره، ولم يدخل يده في جيبه لأنه لم يطلب روثاً أصلاً. ولكن البهلولة "المنجضة الحلة" قطعت ذلك من رأسها. وعرف جامع الروث أنه شرب مقلباً من فاطمة.

ومن وجوه هذه الشيطنة الجراءة في أمر لا تقره أعراف سنها ونوعها. فاستلفت ريالاً من شغالة. وزاد الطين بلة أنها، لكي تطلب الريال، دخلت بيت معلمين عزابة. وجاءت الشغالة في آخر اليوم لتطلب منها رد الدين أمام أبيها. وعوقبت في كل هذه الحالات وغيرها عقوبة لم يأبها السوط فيها.

إننا نجرجر قدمينا منذ عقود في قبول أوراق اعتماد المدينة السودانية وتراً مستحقاً في قوس الوطن. فهي كما نراها من كتاب فاطمة خرجت من بيوتها ومؤسستها الحركة الوطنية والنقابية والإبداعية والرياضية. ولكن ما تزال طلاقة المدينة قيد نظر ممن يجترون كتبهم العتيقة لفحصها ولجمها. فهم لا يرونها بما جمعت ووعت بل بما لا يرونها قد جمعت ووعت. فهم لا يرونها تنشأ أمام ناظريهم فحسب بل ينكرون أنهم، شاءوا أو لم يشاؤوا، طرفاً أصيلاً فيها. وحكاية فاطمة استثنائية لأنها عن بيت خرجت منه واحدة من أميز الحركات السياسية الحداثية وهي الحزب الشيوعي الذي إن درست تاريخ السودان المعاصر بدونه ضللت ضلالاً بعيدا.

[email protected]





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1012

خدمات المحتوى


التعليقات
#1818668 [ميمان]
5.00/5 (1 صوت)

03-23-2019 11:51 AM
الحزب الشيوعي لم يخرج من بيت فاطمة ولم يكن عبد الخالق اول سكرتير له ولا كان الثاني ولم يكن عبد الوهاب زين العابدين ام درمانيين ولا عوض عبد الرزق ولا قاسم أمين ولا ابراهيم زكريا ولا الشفيع احمد الشيخ ولا عز الدين علي عامر فعن أي حزب ام درماني تتحدث يا عبد الله؟


#1818646 [قنوط ميسزوري]
0.00/5 (0 صوت)

03-23-2019 10:06 AM
التحية لفاطمة محجوب عثمان هكذا كإنسانة فقط مثلها مثل كل نساء السودان . ولكنك لم تبدِ في يوم من الأيام إهتماماً دقيقين لمرأة ناجية من مذبحة (محرقة) الوضعين مثلا أو إبادة دارفور ولكنك لطالما سخرت ممن ذهبوا بأنفسهم لتتبع مثل هذه النماذج الإنسانية أيضاً! ترف المثقفاتية!! لا تثريب عليك والتحية لفاطمة ولكن نساء السودان دون مزايدة ومفاضلة


ردود على قنوط ميسزوري
Sudan [محمود] 03-24-2019 04:54 PM
(الجلابي) لا يفرق بين ال غ وال ق ومع ذلك يريد ان يجعل نفسه حكما!!!!

((بواصل تحليلك من خلال ردودك القادمة فترغبونا))

(فترغبونا فترغبونا)

ما أنت بالحكم التـُـرضى حكومته

ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل

United States [الجلابي] 03-24-2019 02:53 AM
عندي فضول شديد اعرف انت منو وليه متتبع الزول ده كده

من خلال متابعة كده حااحاول احللك :
1/الاغلب انك من خلفية دارفوريةاحتمال بس مااكيد
2/ذكي ومثقف ومتعلم جدا واضح من خلال ردودك
3/ماصغير انت كبير نسبيا بالعمر لانو الجيل الجديد بجوط في كتاباتو ز مع ذ والغين مع القاف جوطة شديدة وفي تعليقك اعلاه قلتا لم تبد وقمتا بالجزم بحذف حرف العلة ودي مليون واحد من جيل مابعد 1989 مابفهمها
4/ليك اختلاف فكري شديد او اختلاف اكاديمي او اثني مع الدكتور بس الاغلب فكري والله اعلم
5/انت شخصية معروفة للدكتور وللعامة ولذلك بتخفي نفسك بااسم فيهو تبخيس لقدر الزول ده

بواصل تحليلك من خلال ردودك القادمة فترغبونا
طبعا قبل كم سنة سالتك انت منو بس مارديت
اوعك وحذاراك تظن انو انا الدكتور والا حااعيد تقييمي في النقطة الثانية من تحليلي


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة