المقالات
السياسة
محمد إبراهيم نقد (1930-2012): كنت قايلك مشلخ
محمد إبراهيم نقد (1930-2012): كنت قايلك مشلخ
03-24-2019 07:15 AM

محمد إبراهيم نقد (1930-2012): كنت قايلك مشلخ

(من أوقح ما تلقاه ثورة ديسمبر من إعلام الثورة المضادة أنها دسيسة شيوعية. وأهل هذا الأعلام يعرفون عن بواعث الشباب للثورة ما لا يعوزهم للحزب الشيوعي. ويعرفون عن مروءة (مروة) الحزب الشيوعي "العجوز" ما لا لن يزعم بها هو نفسه قيادة للثورة. ولكنه دس رخيص يتذرعون به دون مواجهة حقيقة هذه الثورة وتضاريسها وحقائق أنفسهم. ومن هذه الحقائق أن سنواتهم الثلاثين في الحكم وضعتهم في مقارنة مع الشيوعيين خرجوا منها خاسرين خسراناً مبيناً. ومتى تأثر الشباب بالشيوعية كان من باب سلبي، أي من باب وقوفهم على سوءة صفوة الإسلاميين الحاكمة. وسيرى الشباب في الشيوعيين، متى أرادوا، سهراً على الوطن في مقام سماه التجاني عامر "دراويش وفرسان". وأنشر في مناسبة الذكري السابعة لوفاة زميلنا المرحوم محمد إبراهيم نقد، سكرتير الحزب الشيوعي من 1971 إلى 2012، كلمة في بطره بالسودان أي العزة به، في قول "طبقات ود ضيف الله"، بطراً تفرغ به لخدمته عمراً بحاله).

كنت على خلاف كثير من الشيوعيين أعتقد بوجوب أن يكتب الكادر السري للحزب مثل نقد عن حياة التخفي عن نظم الأمن بين أكناف سواد السودانيين. أعرف أن أستاذنا عبد الخالق محجوب نفسه لم يرتح لما كتبه عمر مصطفي المكي في "الميدان " عن سنواته الست تحت الأرض خلال حكم عبود. وحجة الشيوعيين في الصمت عن هذه التجربة أنهم ربما يحتاجون لها. ولم نطلب منهم كتابات تكنيك التخفي ولكن عن الرجال والنساء الرائعين (وربما غير الرائعين) الذين وفروا لهم أن يقضوا حاجتهم بالكتمان بشجاعة غير عادية. لقد عشت بنفسي سنوات تحت الأرض في السبعينات واشهد أن فدائية من آووني ونبلهم وكرمهم أفراداً وأسراً نووية أو ممتدة هو الذي يثبتني على شغفي بالتغيير بينما سقط في نظري الرفاق الذين دخلت تلك الحلبة معاً لأجل القضية. فالكشف عن تلك التجربة هو وصول إلى شفرة ثقافة الجلد والشهامة وحب الحرية الغائرة في شعبنا وقواه الكادحة.

من أبدع ما قرأت بعد وفاة نقد كلمة بعنوان "أسرار عملية خاصة" للدكتور الفاتح عمر مهدي اختصاصي العيون بمستشفى النيل. وهي العملية التي أجراها للشيخ محمد صالح (65 عاما) من مواطني مدينة الخرطوم. وكان توقيت العملية مساء يوم وقفة عيد الأضحى في الغرفة رقم 4. وخلا المستشفى من الجميع ما عدا الدكتور والدكتورة زوجته وأمه. فقد منح العاملين عطلة ليومين سبقا العيد. قال الفاتح لمحمد صالح:

- العين الشمال بها ماء أبيض واليمين بها جلطة وماء اسود.

تبسم الشيخ لقضاء الله وقدره. وأسلم عيونه للطبيب. وكانت تلك أغرب عملية أجراها د. الفاتح. فلم يحدث أن أجرى عملية لمريض بغير زحام للأهل والأصدقاء من حوله. ولم تحتمل زوجته وحشة المكان و"هملة" الرجل. فترقرق الدمع في عيونها. ولما فرغت العملية وكشف عن العين بدا للمريض أنه لا يصدق ما رأى. وأدمع. وتفرس في وجه الطبيب وقال مداعباً:

-كنت قايلك مشلخ. شكراً.

كان الشيخ محمد صالح هو رجل يبحث عنه جهاز كامل في الدولة للأمن ولا يعرف لحظتها أنه كان بالغرفة رقم 4 بين يديّ جراح عيون حمّال أمانة وصائن ذمة. كان الشيخ هو محمد إبراهيم نقد سكرتير الحزب الشيوعي رتب له رفاق أطباء تلك العملية بمستشفى النيل. ولم يكن الفاتح شيوعياً. ولكنه اقترب منهم كما لم يفعل طوال حياته وقرأ صفحة غراء من كتابهم من حيث لم يحتسب: من مريض رهن يديه. ورأى في وحشة الرجل المفروضة وازدحام عيونه بالمياه الضارة سهراً على قضية ما، أي قضية، نبلاً ربما مسخ في ذائقة أهله أنفسهم. ووصف دمعة الامتنان التي أشرق بها نقد حين رأى ما لم يكن يراه قبل العملية بأنها "دمعة لؤلؤة: عزيزة بطعم النيل وحلاوة السودان". وغطت أسرة الدكتور على وحشة نقد ووحدته فأخذته إلى شقتها ليستجم من وعثاء العملية فكانوا له أطباء وأهلا. وخرج نقد حين هبط الليل وحيداً يلوي على شيء:

أيها الراحل في الليل وحيدا موغلا منفردا

انتظرني . . .انتظرني

فأنا أرحل في الليل وحيدا ضائعا منفردا

في الدهاليز القصيات انتظرني

في العتامير وفى البحر . . . انتظرني

انتظرني في حفيف الأجنحة

وسماوات الطيور النازحة

حين تنهد المزارات

و تَسْوَد سماء البارحة

انتظرني . . . انتظرني

(من شعر أبو ذكري)


عبد الله علي إبراهيم
[email protected]





تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 990

خدمات المحتوى


التعليقات
#1819088 [مسجون في الغربة]
2.00/5 (5 صوت)

03-25-2019 09:56 PM
الشيوعيين علي علاتهم أفضل من الأسلاميين رحم الله الأستاذ محمد إبراهيم نقد


تسقط بس


#1818906 [ودالعوض]
1.94/5 (5 صوت)

03-24-2019 06:11 PM
مايعجبني في الشيوعيين وبالذات القدماء منهم . نظافة يدهم ولسانهم. وتدهشني سودانيتهم خلقا ولبسا وثقافة.اتمنى ان يكون الجيل الجديد على نفس المنوال. ولا يتأثروا بامراض المجتمع السوداني التي احدثتها فترة حكم الكيزان


#1818812 [سيف الدين خواجة]
1.94/5 (5 صوت)

03-24-2019 09:46 AM
شكرا يا برف شخصيا لا اعرف كدح في الوعي بين الجماهير سابقا مثل الحزب ما يعجبني فيهم ايمانهم بالقضية من اجلها بنكران مشهود وتضحية غريبة عجيبة ليس لهم نظير في هذا الايمان وقد مضوا لا يلوون علي شئ اعطوا ما اعطوا برضا غريب علي النفس البشرية واحتمال انبياء وشكرا لشعر ابو ذكري الذي ليس له ذكري في يثقافتنا ليتك تكتب عنه بحثا حتي تعرفه الاجيال المشوه بالانقاذ!!!


ردود على سيف الدين خواجة
Saudi Arabia [قارئ] 03-25-2019 11:39 AM
سلامات خواجة
كتب الأستاذ كمال الجزولي عن الراحل أبو ذكرى ، بعنوان نهاية العالم ليست خلف هذه النافذة ارجو ان تجدها في أرشيف سودانيل
وتقبل تحياتي ،،،


#1818809 [قنوط ميسزوري]
2.88/5 (4 صوت)

03-24-2019 09:43 AM
ورحم الله دكتور الفاتح عمر مهدي وتقبله في عليين


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة