المقالات
المنوعات
عباس سانتينو: نقوش على دفتر الأحوال
عباس سانتينو: نقوش على دفتر الأحوال
03-24-2019 11:22 AM

قبل سنوات خلت قرع باب منزلنا المتواضع بأمدرمان ذات صباح شتوي جميل من صباحات ديسمبر وباقي صقيع الليل يواصل معركته غير المتكافئة مع شمس الشتاء، شخص أبنوسي الجلدة، طويل القامة مديدها، يحمل في عينيه تثاقل وطيبة ظاهرة للعيان ويرتدي ملابس يبدو أنها من نوع (عبد الواحد) وهو بهذا الحال سألني إن كنت (عاوز أغسل عربية) وهذا ما كان وبعدها نقدته ما طلب وذهب لحال سبيله، وتكرر هذا المشهد في الجمعة اللاحقة والتي تليها ونشأت بيننا إلفة عرفت منها أن اسمه (اباس) ولكن (العرب) يقولون له (عباس) ووالده يسمى سانتينو وهكذا برز في حينا عباس سانتينو الذي عرفناه.

ظل عباس سانتينو يقدم خدماته المتنوعة لأهل الحي قاطبة من غسيل و(مراسيل) وردم للمجاري والمطبات وساعده في ذلك امتلاك معظم أهل أم درمان القديمة (للمعاول) و(أب راسين) و(الطورية والكوريك) لزوم تصريف مياه الأمطار وما شابه، وقد كان وفياً ومطيعاً وعالي التهذيب في التعامل، واكتسب شعبية واسعة ونال محبة الجميع وحظي برضاء الكل.

وفي الأشهر المنصرمة لم يحضر كما هي العادة وعلمنا أنه قد وجد ميتاً في أحد الأسواق وساد حزن مبطن بالمرارة أوساط الكثيرين، وشاءت المصادفة أن يكون ظهوره الأخير ايضاً في بدايات ديسمبر ونهاية العام وفي ذات الشتاء والذي ربما أحس ببرده وهو ينام في إغفاءته الأخير في فناء السوق، مطوياً على الأرض وملتحفاً السماء. وقربه ارتمى الكيس الذي طالما حمل به الصابون وقطع القماش!!

لقد استهزأ عباس سانتينو بالعديد من الأشياء فهو لم يحمل أية ورقة ثبوتية ولم يحمل جوازاً ولا رقماً وطنياً ولا بطاقة ولا حتى جنسية، ولم يحمل ولا شهادة ميلاد وكان اسمه هوما اختاره هو رغماً عن لوائح الإحصاء والسكان، لقد عمل وكسب المال على قلته ولم يدفع رسوماً ولا ضريبة ولا غرامة ولا مخالفة حتى، لم يقرأ ولم يكتب ولكنه تعلم الكثير من العلوم والمهارات، لم يتعرض للتطعيم والتحصين ولم ينم بمستشفى، فقد عاش حراً ومات حراً!!

وقيل إنه قد وجد قربه بقايا طعام ومشروب وكذلك أشرطة كاسيت (للكابلي) و(اللحو) فمات بذلك شبعاناً وروياناً وطرباناً، ولعله بتواجده القصير بيننا قد فهم الكثير من معضلات هذا البلد والذي عجز الكثيرون عن فهمها وحلها منذ عشرات السنين، ولعله أدرك السر ولكنه لم يبق ليخبرنا به وإنما اكتفى بأن أخذ (كيسه) ورحل!!

الجريدة





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 513

خدمات المحتوى


التعليقات
#1818996 [من الثوار]
1.57/5 (5 صوت)

03-25-2019 10:08 AM
العنوان المناسب ( أخذ كيسه ورحل )

_____________________________________

تري كم من أمثال (عباس سانتينو ) في الشعب السودانى قذ أخذ كيسه ورحل ؟
لو كنت أملك حسا أوملكة درامية لجعلت من هذه القصة مسرحا تراجيديا تتجلى من بينه (عبثية )الحياة التي يعيشها الإنسان السودانى في مآساته الطويلة الممتدة مع واقعه السياسي منذ أن نال البلد إستقلاله ,


#1818910 [كوج]
1.79/5 (6 صوت)

03-24-2019 06:35 PM
???!!!؟؟؟


بروفيسور علي بلدو
بروفيسور علي بلدو

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة