المقالات
السياسة
الراحل الدكتور/عبد الحليم صبار ... العبقريُ النابه
الراحل الدكتور/عبد الحليم صبار ... العبقريُ النابه
03-24-2019 02:46 PM

الراحل الدكتور/عبد الحليم صبار ... العبقريُ النابه

الأسطر التالية رغم ما يبدو من خصوصيتها – وهى رسالة للصديق صلاح بندر – الا أنها بعض رؤية لسيرة العزيز الراحل الدكتور عبد الحليم صبار .. ذاك العبقري النابه.

أخى العزيز صلاح
كان نبأ رحيل العزيزالدكتور عبد الحليم صبار والذى جاءنى منك امس أمر مروع وخسارة فادحة للوطن ولي شخصياً ، ولقد عجبت وأنا فى السودان أن يمر خبر مثل هذا دون أن يزلزل الميديا المحلية ، والتى لا تنفك تصدعنا كل صباح بأخبار من تتقاصر قاماتهم عن عبد الحليم .
تعرفت على عبد الحليم أول وهلة فى صيف 1973 حين جاءنا بجامعة البصرة للإلتحاق بكلية الطب هناك . أقبل علينا بملامحه النوبية وطلته الوسيمة التى تحاكى بهاء ملوك النوبة القدماء . كنا ثلاثة طلاب سودانيين بالجامعة .. عبد الحليم وتاج السر مكى وشخصي. وأول ما لفت نظري ونحن نستقبله بمحطة القطار بالبصرة الكم الهائل من الكتب المكدسة فى حقائبه والتى تغطى معارف متنوعة وثقافات شتى بجانب الكتب الأكاديمية . أدركت يومها أننى موعود بصحبة استثنائية مع رجل مختلف عن كل من ألفت من الصحاب والأقران . راح عبد الحليم يدهشنا كل يوم بعمق اطلاعه وذهنه الثاقب المرتب الذى وسع شتى المعارف من الطب الى السياسة الى علوم الإجتماع والفنون والآداب ، ومضى يحدثنا عن محطات حياته الأكاديمية التى اضطربت بفعل قناعاته السياسية ووعيه المبكر.
افادنا بأنه التحق بكلية الطب بجامعة الخرطوم عقب انتهائه من المرحلة الثانوية وما لبث أن غادرها مجبراً الى اليونان بجامعة أثينا ملتحقاً بكلية الطب هناك بسبب التزامه السياسي والخط النضالى المبكر الذى التزم به وهو فى شرخ الشباب ويفاعة الصبا. فى اليونان راح ذهنه المتوثب يلتهم اللغة اليونانية القديمة والمعاصرة ومعها تاريخ وحضارة الإغريق حتى أتقنها واصبح حجة فيها مثل ما أتقن الانجليزية والعربية الفصحى والالمانية لاحقاً ، مما اذهل زملاءه من الطلاب اليونانيين ، ولكن وعيه والتزامه الأممي بقضايا الحريات ومناهضة الشمولية اينما كانت حال دون اكماله للدراسة باليونان ، إذ راح ينشط مع جماعات اليسار اليونانى فى مناهضة حكم جنرالات الجيش اليونانى بقيادة الجنرال بابادوبلس الذى وأد ديمقراطية اليونان عبر انقلاب عسكري. اعتقل عبد الحليم بسبب هذا النشاط والالتزام وتم ابعاده من اليونان وهو فى سنواته الأول من دراسة الطب .
لعلك تذكر ياصلاح فلم (زد) الشهير الذى يغطى هذه الحقبة من تاريخ اليونان التى عايشها حليم هناك ، وعندما عُرض الفلم بالعراق راح يأخذنا الى السينما عشرات المرات وهو مأخوذ بروعة الفيلم ، ومضى يشرح لنا ما لم نكن نعرفه عن تلك الفترة التى عالجها الفلم . وبجانب الفلم كان مأخوذاً ايضاً بشخصية بطل الفيلم الدكتور لامبراكيس (جسدها النجم الفرنسي ايف مونتان) . كان الطبيب لامبراكيس نائباً بالبرلمان عن الحزب الاشتراكى اليوناني وطبيباً مرموقاً نذر نفسه للمسئولية المجتمعية عبر انشاء شبكة من المستشفيات الخيرية لمعالجة الفقراء ، فتم ترتيب اغتياله بواسطة جنرالات الجيش على يد مجموعة من الغوغاء . ولعل هذا الإنفعال بتلك الشخصية هو الذى عزز توجه حليم نحو دراسة الطب فى تلك الفترة المبكرة ، ولم يكتف حليم بالرؤية السياسية للفلم فراح يلفت نظرنا لجمال الموسيقى التصويرية للفلم التى وضعها الموسيقار اليسارى اليونانى ميكس ثيودراكس ، والى روعة التمثيل للمثلة اليونانية ايرين باباس والإخراج المتقن من المخرج كوستا غافراس مما يعكس جانباً آخر من اهتمامات حليم الثرية والمتعددة.
وطالما نحن – ياصديقي صلاح - بصدد الحديث عن تجربة الراحل العزيز صبار فى اليونان فمن المهم أن أحكى لك عن زميلنا الطالب العراقى (كوستا) بجامعة البصرة الذى كان هجيناً من الدم الإغريقى واللسان العامى العراقي . كان ابواه لحماً ودماً من الاغريق الذين هاجروا الى العراق فى وقت مبكر ، بينما هو بحكم النشأة والميلاد عراقياً كامل الدسم لا يفقه الا النذر الضئيل من ثقافة ولغة اهله من اليونانيين . التقى حليم بزميلنا كوستا هذا وراح - ولك أن تعجب – يعلمه لغة أهله الاغريق كتابةً وقراءةً فى دروس منتظمة ، يواظب عليها كوستا وهو غير مصدق أن هذا الشاب الأسمر القادم من افريقيا وشموسها الإستوائية هو من على يديه سيعرف ويتقن لغة أمه وابيه. وذات يوم أقبل علينا والدا كوستا وهما يحملان الهدايا والحلويات والأطعمة اليونانية التقليدية وراحت ام كوستا تقبل رأس حليم وهى تقول أنها لا تصدق هذه المعجزة. ذاك هو حليم ياصلاح بكل ما فى هذه الواقعة من دلالة على ثقافته الموسوعية وعقله الوثاب .
جاءنا حليم فى البصرة ملتحقاً بكلية الطب بعد أن أقعده التزامه الفكري والسياسى عن مواصلة دراسة الطب باليونان ، وفى تقديري أن شقيقه المهندس المرموق عبد الله صبار هو من يسر له هذا الأمر، فقد كان معمارياً متميزاً فى المنطقة العربية . وكانت مكاتبه الاستشارية الهندسية تشرف على الكثير من الإنشاءات الكبيرة وتتوزع فى العديد من العواصم مثل بيروت ودمشق وبغداد والكويت وبقية العواصم الخليجية . ولعل عبد الله بجانب حبه للشقيق الأصغر أدرك ببصيرته القدرات الذهنية والفكرية الهائلة لدى حليم فتعهدها بالرعاية الأبوية الحانية ، وبالمقابل كان الأخير يكن لشقيقه الأكبر حب واحترام جارف . أحرز حليم طوال السنوات الثلاث التى امضاها معنا بكلية الطب بجامعة البصرة (73 – 76 ) تميزاً اكاديمياً باهراً فى دراسته كان حديث اساتذته وزملاء دراسته فى الكلية ، ولعلى لا أبالغ اذا قلت أنني كنت موقناً أن حليم سيغدو واحداً من أعظم أساتذة الطب ليس فى السودان أو الاقليم بل فى العالم لو لم يترك مسيرته الأكاديمية فى مجال الطب ليتحول الى هواه الآخر فى الحفاظ على الثقافة واللغة النوبية .
كذلك مضى حليم فى سنوات البصرة يحدث حراكاً ووهجاً باهراً فى المنتديات الطلابية بما كان يقدمه من إسهام فكري وثقافى وسياسي ، على الرغم من المخاطر التى قد يتعرض لها جراء هذا النشاط من قبل سلطة البعث الحاكمة بكل ما فيها من نزعات شمولية واقصائية فى تلك الفترة . راح عبد الحليم فى تلك الفترة ينشط فى اقامة وشائج سياسية ومساجلات فكرية مع كافة التيارات السياسية الحزبية والطلابية وسط الطلاب العرب من مختلف البلدان : حزب البعث .. الحزب الشيوعى العراقى .. التنظيمات السرية للطلاب الأكراد .. الفصائل الفلسطينية المتعددة .. الجبهة الشعبية لتحرير البحرين .. جبهة التحرير البحرينية .. الجبهة الشعبية لتحرير ظفار .. الحزب الشيوعى الإيرانى (توده) .. الحزب الشيوعى السورى بجناحيه (جناح خالد بكداش والجناح الآخر) ... جبهات التحرير الاريترية الثلاث .. الفصائل السياسية فى اليمن الجنوبى .. طلاب يمثلون فصائل اليسار المصرى .. بجانب ممثلى الاحزاب السياسية فى المغرب العربى .... الخ. وكان حليم بجانب هذا التواصل والإنشغال الأممي والاقليمي يجد وقتاً للتميز فى دراسته الأكاديمية وفى إثراء زاده الفكري عبر القراءة المنهجية الحرة فى كل المعارف الكونية .
كنا فى وسط كل هذا الزخم الذى يحتوى حليم نجد وقتاً للتسامر معه فى حوارى وازقة البصرة ، نشرب الشاى ونلعب الطاولة والضمنة معه فى المقاهى ونرتاد دور السينما وهو يتحفنا بقفشاته البارعة ونكاته المسبوكة خصوصاً عن اهله النوبيين ، فقد كان يملك حساً فكاهيا يجعلنا نموت من الضحك . كنا فى جولاتنا تلك فى طرقات البصرة واسواقها نتحاشى المرور امام المكتبات واسواق الكتب لعلمنا أن حليم إذا ما دخل الى تلك المكتبات لن نستطع إخراجه منها إلا بعد ساعات طوال ، فقد كان به شره دافق نحو القراءة والكتب مما يفسد كل برامجنا الليلية معه .
أخى صلاح . تلك كانت حصيلة ثلاث سنوات قضاها حليم معنا فى البصرة ، بل قضيناها نحن فى ضيافة عبقريته الأخاذة وثقافته الموسوعية وتحليلاته السياسية والإجتماعية البارعة بحيث شكلت تلك السنوات على قصرها معالم فهمنا المستقبلي للحياة . وللمرة الثالثة – بعد جامعة الخرطوم وجامعة اثينا – يتصادم الإلتزام الفكرى والسياسي لحليم مع مساره الأكاديمي فيُرغم على قطع دراسته فى العراق ليتوجه صوبكم بجامعة الإسكندرية التى أكمل بها حصاد تأهيله المهنى كطبيب نابه بكلية الطب بجامعة الاسكندرية ، وهى فترة خبرتها أنت وزملاؤك وآمل أن يتسنى لك رصدها وتوثيقها . ولعلك تذكر أن علاقتنا بحليم لم تنقطع ، فقد كنا نأتيكم كل صيف من العراق فى اجازاتنا السنوية للننعم بصحبته وصحبتكم فى الاسكندرية خلال الاعوام 76 و 77 وننزل معه بشقته التى يتقاسمها مع الأخ محمد طاهر سراج النور.. كنا يومها مجموعة من اصدقاء حليم : د. جبارة محمود عبد اللطيف ومحمد عثمان ابوهاشم وعمر ابراهيم ومصطفى باشا وآخرين .
وللأسف الشديد وربما بسبب مشاغل الحياة لم يتسن لى التواصل مع حليم الا بالنذر القليل خلال السنوات التالية ، وأذكر يوم أن التقيته فى سرادق العزاء الذى أقامته الحركة الشعبية للراحل الدكتور جون قرنق بفندق القرين فيلدج فى اليوم الثانى لموته . يومها كانت الخرطوم تحترق تحت وطأة العنف الإثنى جراء الصدمة القاسية ، وأعمدة الدخان والحرائق والعنف على الطرقات تجعل من التحرك فى شوارع الخرطوم مغامرة ومخاطرة غير محمودة العواقب ، لكننى ومعى نفر من الأصدقاء من بينهم الراحل محمد اسماعيل الأزهرى آثرنا أن نمضى لتقديم واجب العزاء رغم تلك العواقب . هناك التقيت بحليم فتعانقنا بحرارة ومازلت أذكر جيدا نص الكلمة الأخاذة التى القاها مرتجلاً فى تلك المنصة فأخذت بعقول المعزين وأفئدتهم ، وكانت ترياقاً عملياً فى مواجهة العنف الإثنى الذى اندلع فى طرقات الخرطوم يومها.
أخى صلاح
لقد شقّ علي رحيل حليم ، ولعلك تذكر عندما باغتني أنت بالنبأ المفجع أمس بالتلفون قلت لك أنه كان على طرف لسانى أن أسألك عن أحوال صديقنا المشترك حليم قبل أن يفجعنى خبر الرحيل .
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته بقدر ما وهب لوطنه وأهله ولنا جميعاً.
.

الفاضل حسن عوض الله
امدرمان 24 / اغسطس / 2017
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 523

خدمات المحتوى


الفاضل حسن عوض الله
الفاضل حسن عوض الله

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة