المقالات
السياسة
الجيش لماذا...؟ (1)
الجيش لماذا...؟ (1)
03-28-2019 11:43 PM

اكرم إبراهيم البكري

ونعني بالجيش هنا القوات المسلحة المنظمة في فرق واسلحة وكتائب وغيرها من التشكيلات المدربة على الطاعة بموجب تراتبية واضحة في التسلسل وبالطبع لا نقصد القوي غير النظامية المسلحة في خدمة عقيدة او طبقة معينة او حزب محدد.
لعب الجيش السوداني دوراً هاماً في التاريخ الحديث والمعاصر وطالما اعتبر الجيش ممراً لسدة الحكم في اي انقلاب عسكري حدث ابتداء بنوفمبر 58 ومرورا بمايو 69 انتهاء بشمولية النظام الاسلاموعروبي 89 .
يعتبر النظام الحالي المسيطر على مقاليد السلطة في السودان هو الاسواء من نوعه فهذه المرة الاولي التي تمر فيها البلاد بنظام شمولي قابض عمل على تشكيل كل ملامح الحياة السودانية وقام بإعادة صياغة كاملة للمجتمع السوداني بما يتوافق ورؤى التنظيم الحاكم.
هنالك علاقة قوية بين الجيش والسياسة بالأخص في السودان ليس كما يتبادر للذهن بانها قائمة على الخطاء او عارض من عوارض الابتلاء السياسي السوداني بل هي نتاج لمراحل تاريخية وطبيعية بحسب التكوين الاولي الحديث لدولة السودان ما قبل ثورة اللواء الابيض فنشوء وتأطير دولة السوادان كان بما يعرف بمؤتمر الخرجين فالظواهر التاريخية التي قوقعت الحجم الطبيعي للسودان في رؤية استلاب ثقافي اسلاموعروبي عملت مع قوي الرجعية الطائفية فيما بعد على اعادة انتاجها وفق بني اجتماعية وثقافية قائمة على الاقطاع جعلت الجيش السوداني جزء من هذه المؤسسة الاقطاعية وفقا لمعايير السلطة والمنفعة الحزبية .
وبالرغم من كل هذا نجد ان الجيش في السودان قد لعب دوراً هاماً في عملية التغيير السياسي ولعل اكتوبر 64 وابريل 85 خير شاهد على انحياز الجيش للثورة ضد الدكتاتورية الحاكمة في ذلك الوقت ففي تلك الفترة نجحت النخبة العسكرية في ان تشكل نوعاً الدرع الواقي للثوار والخروج من حكم الفرد الي مساحة الحرية التي سقطت فيها النخبة المثقفة لعدة أسباب أهمها النرجسية وغياب الوعي الديمقراطي داخل الأحزاب.
فالعامل المشترك في كل الثورات في انتفاضة اكتوبر وابريل هو انحياز الجيش الي الشعب والذي سهل عملية التغيير الي الوضع المدني بغض النظر عما حدث بعد ذلك من تجربة حزبية خانقة.
لذلك يمكننا القول بان العامل الحاسم في الثورات دائما ما يكون هو الجيش، نتفق على امر هام بان الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة وهذا الامر مهماً للغاية لنعرف المسافة ما بين الجيش والشعب فالجيش ليس جهازاً او أداة بأمره السلطة حتى ولو كان ذلك ظاهرً لدي البعض الجيش مؤسسة للامة وليس للنظام الحاكم مثله مثل بقية الوزارات الخدمية.
ولكن مع ما سبق الإشارة اليه في طبيعة التخلق الجيني الاولي لدولة السودان والانحياز استلاباً الي الاسلاموعروبي كانت ولادة اغلب تلك المؤسسات في دولة السودان بعد مخاض عسير افضت الى تحمل كثيراً من التشوهات وتلك المؤسسات وعلى علاتها هي التي ساقت الجلاء والاستقلال ، فكان من الطبيعي في مثل تلك الظروف غير السليمة بعد ذهاب المستعمر ان تسقط الحكومة المنتخبة الاولي بعد ستة اشهر وان يقوم رئيس الوزراء عبدالله بك خليل بتسليم البلد للقيادة العامة للجيش باتفاق اقل ما يقال عنه كيد سياسي كل تلك الممارسات وما بعدها أدت الي ذوبان الفرق ما بين الدولة والسلطة والجيش وساعدت بصورة او باخري على تعميق هذه الصورة .
جاء استقلال السودان من رحم مخاض الصراع مع الاستعمار البريطاني الذي عمل على زراعة العنصرية والطائفية في جذور المجتمع السوداني كما وجه سلم التعليم العروبي لأبناء السودان توجيها واضح.
ولكل هذا يمكننا القول بان نواة الجيش الاولي في مراحل التخلق الجنيني لها كانت عبارة عن فرقة بناءها الاستعمار الإنجليزي فالإرث العسكري الان ارث قديم قائم على الولاء والطاعة للقيادة التنفيذ بدون سؤال.
وكانت مرحلة تشكل اخري في العام الذي سبق ثورة اللواء الأبيض واتجاه الهوية شمالاً كتابع، عموما أن سلوك افراد الجيش اتجاه المجتمع دائماً ما يكون منعكساً على طريقة تعاملهم معه فى الماضي فاذا كانت المؤسسة العسكرية متورطة في قمع المواطنين ولها يد في انتهاك حقوق الانسان في الماضي القريب، فان كل هذا يجعلهم يقفون ألف مرة في مساندة أي تغيير قادم وبالأخص ان كان من الشعب فالخوف ان يؤدي هذا التغيير الي محاكمتهم على تلك الجرائم التي لا تسقط بالتقادم
ان المؤسسة العسكرية في السودان حظيت بحرية التصرف والرضاء الشعبي الذي يمنحها مشروعية التحكم بالسلطة بحجة الحرب الاهلية في فترة الإنقاذ والعدو الوهمي والقوي الرجعية الطائفية في فترة مايو ، وفي الحقبة الأخيرة تلك ولطبيعة التنظيم الحاكم فهو شمولي عقائدي ضرب سوس الجبهة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية بصورة مباشرة فكانت قوي موازية للجيش داخل المؤسسة العسكرية هي التي تم تعينها بفروض الحسبة والولاء فنمت سلطة عسكريتارية شديدة الوطأة كرست عملياً على الغاء الاخر وقامت بالتآمر مع النظام بضرب المخالفين وابعاد المناهضين بالعرق والجنس والمنطقة وفرضت أفكار النظام الاسلاموعروبي بأبعاد عرقية وكانت المؤسسة العسكرية جزء من اليد الباطشة على المواطنين السودانيين طيلة فترة 30 سنة الماضية فكبت الحريات وتعطيل العمل بأحكام القانون وتفعيل احكام الطوارئ فاصبحنا امام حقيقة واحدة شاخصة هي الانتقال من بناء جيش الدولة السودانية الي دولة الجيش في المشهد السياسي لذلك لم يكن مستغرباً ان تكون سيادة الوطن مستباحة من دول الجوار وتحتل اغلب تلك الدول أجزاء عده والجيش يقف عاجزاً الدفاع عن سيادة البلاد ولكن نفس الجيش يشد الرحال بالطائرات لضرب شعبة في دارفور وجنوب السودان سابقاً .
ومن حكم المؤكد بان المؤسسة العسكرية السودانية كانت ولادتها غير طبيعية فوجودها سبق الوجود الطبيعي للسودان كدولة فكان الجيش محصلة التركيب السياسي الهجين للاحتلال البريطاني المصري فهو يعبر في تلك المرحلة عن تطلعات المستعمر الغربي ولا ادلل على ذلك بأكثر مما ذكره تشرشل في كتابة حرب النهر عن معركة كرري التي خاضها المستعمر ضد الدولة المهدية وما كان من قبل الكتيبة السودانية التي قاتلت من ضم صفوف المحتل.
ومع كثرة خيبات المؤسسة العسكرية في دول العالم الثالث وبالأخص السودان أصبح شائعاً ذلك الرأي الذي ينادي باستقلالية وحياد الجيش عن السياسية وللتأكيد فان هذا الرأي خاطئ حتى في الدول الغربية فالمؤسسة العسكرية لم تكن تقف موقفاً محايد تجاه العمل السياسي فحياد الجيش لأغلب الأنلتجنسيا السودانية في الفهم التقليدي يساهم في تعزيز وترسيخ هذا المفهوم اتجاه المجتمع السوداني المدني ويساهم في تثبيط قيادة وجنرالات الجيش في تبوأ السلطة قلنا ان هذا التقدير خاطئ بالطبع فمعظم الدول المتقدمة نجد فيها تدخلاً سافراً من قبل القوات المسلحة بل يمكن ان يتعدى هذا التدخل الي فرض النفوذ المتزايد علي السلطة السياسية ويكون هذا بصورة مباشرة خلال الازمات او فترات الحرب او عبر ممثليها وحلفائها في المجتمعات الصناعية الحربية ومشتقاتها المالية والنفطية التي ترعي مصالح السلطة السياسية فمثلا الولايات المتحدة الامريكية نجد ان تدخل الجسم العسكري والأمني شاخصاً بصورة سافرة في الهيكل البيروقراطي لها معززاً بضمان مخصصات وميزانية مفتوحة بأرقام فلكية .
الحقيقة الغائبة عنا بان العالم الغربي المدني اتقن فن تحريك مفاتيح اللعبة السياسية بصورة واضحة لدرجة انهم لا يحتاجون فيها الي القبض على زمام السلطة السياسية بطريقة مكشوفة كما هو الحال في السودان وبقية دول العالم الثالث او الدول النامية فالعسكر هناك يفضلون المكوث خلف الواجهة المدنية والتي تتحرك وفقاً لمشيئتهم اذن فان حياد الجيش عن الممارسة السياسية غير وارد اطلاقاً.





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 441

خدمات المحتوى


التعليقات
#1819925 [الكيك]
0.00/5 (0 صوت)

03-31-2019 04:11 AM
الجيش الجزائري ما فاهم دوره ووضعه بالضبط يريد أن يساهم في الحل خارج مهمته الأساسية وهي حماية الشعب من تول السلطة المدنية واستخدامها للعنف مع الشعب. أما اذا كان الشعب لايريد الحكومة المدنية فقط فلا غبار على اقتراح الجيش الجزائري الحل وفق نصوص الدستور وهو حل كان ممكنا أن يتقدم به الحزب الحاكم إذا ان سيضمن نتائج الانتخابات التي تعقب عزل رئيسه لعدم اللياقة والعجز بموجب المادة 102 من الدستور. كما ليس من مصلحةأي حزب معارض أن يفعل ذلك إلا إذا كان واثقاً من نتيجة الانتخابات، وفعلاً لم يتقدم أي حزب معارض بذلك ربما خشية من دولة الحزب الحاكم العميقة حتى وإن لم يكتسح الأخير الانتخابات من غير بوتفليقة.
أما وأن الشعب الجزائري قد خرج الآن عن بكرة أبيه فإنه حتماً يريد إسقاط النظام بدستوره مثل الشعب السوداني، وهذا ما لم يفهمه الجيش الجزائري الذي يريد أن يتحاكم إلى الدستور القائم ولذلك فقد رد عليه الشعب في مظاهرته الأخيرة يوم الجمعة بأنه أي الشعب هو مصدر السلطة وأن صاحب السلطة في إلغاء الدساتير التي صنعها ولا قيد على إرادة الشعب التي عبر عنها عملياً حتى لا يقول متنطع يجب إلغاء الدستور بالإصتفتاء وليس المظاهرات، إا أن مظاهرات بهذا الحجم لو قامت بالتوقيع على مطلب إلغاء الدستور وكافة المؤسسات القائمة عليه لبلغت توقيعاتهم ثلاثة أرباع السكان على أقل تقدير...


أكرم إبراهيم البكري
أكرم إبراهيم البكري

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة