المقالات
السياسة
تجمع المهنيين و توجس المنتفعين
تجمع المهنيين و توجس المنتفعين
03-29-2019 12:15 AM

عندما اندلعت شرارة التاسع عشر من ديسمبرفي خواتيم العام الماضي , طفق المشككون يثيرون الرأي العام بموضوع عدم وجود القيادة الفاعلة للحراك الشعبي حين انفجاره , وبعدما أخذ تجمع المهنيين زمام المبادرة و نظم التظاهرات والاحتجاجات بجداول زمنية مرتبة , عزف المشككون على وتر ماهية الشخوص الذين يقومون على إدارة مؤسسة تجمع المهنيين , و حينما أعلن التجمع عن بعض قادته شككك المشككون في خلفيات هؤلاء القادة الفكرية والحزبية , وأخيراً انكشفت أقنعة بعض النفعيين القدامى الذين يطلق عليهم رجال كل حكومة , بعد أن بدأوا يجندون الأقلام الرمادية التي لم يعرف عنها مناطحة للنظام الاخواني المناطحة الثورية التي تليق به , فالثقة الشعبية التي نالها تجمع المهنيين أوغرت صدور قدامى النفعيين هؤلاء بالغيرة و الحسد , و قذفت الرعب و التوجس و الخوف في قلوب الانتهازيين , الذين قال عنهم ظرفاء المدينة , أن الواحد منهم يعشق أن يكون محمولاً على أكتاف الحشود الشعبية , حتى لو كان جنازة مسجية على نعشٍ يرتكز على ذات الكتوف.

إنّ الذين حاموا حول حمى النظام باحثين عن هبوطٍ ناعم , لن يتحملوا وطأة التضامن الشعبي الكبير الذي حظي به تجمع المهنيين , لأنهم يعلمون أن حسابات السياسة يحسمها التأييد الجماهيري , وأن الكلمة المفصلية في أي اطروحة سياسية تستهدف المواطن , تكون هي الكلمة التي يدلي بها هذا المواطن , لذلك سوف يسعى المعتادون على التكسب والاستطعام من موائد الدكتاتوريات العسكرية بمحاولاتهم اليائسة , إلى اغتيال شخصية من أعلنهم تجمع المهنيين متحدثين باسمه , فاصحاب العقول القديمة لم يتعلموا من فنون السياسة الا فن التآمر و التشكيك و التخوين , و الانكفاء على الصراعات البينية مع نفس القوى الديمقراطية , الطامحة الى تخليص الوطن من أنياب الحكم الاسلامي الأحادي الفكرة و الاتجاه.

لقد طال انتظار شعوب السودان المنتهكة الحرية و الكرامة , حتى وصلت الى هذا الانجاز الثوري المشهود , والذي جاء نتيجة لتضحيات غالية قدمها شيب وشباب و طلاب السودان , وإنها المرة الأولى منذ مجيء نظام الجبهة الاسلامية إلى الحكم , أن توحدت جميع الفئات و الكيانات الشعبية تحت راية إسقاط النظام , ولم يشغلها أي أمر آخر سوى إسقاطه , حتى اكتملت (بحمد الله) عملية الاسقاط المعنوي , و ما يزال حبل جرار الثوار الشعبيين يكابد مشقة جر النظام , ليلقي به الرمية الأخيرة في قاع بئر الخلاص , فهذه الشعوب المقهورة لا تنظر الى وجه من يخرجها من جحيم (الانقاذ) , بقدر نظرها إلى الفعل و البيان العملي للابداع في التنسيق و التنظيم و الإدارة لهذا العمل الثوري , فقد أضاع قدامى النفعيين كل الفرص و السوانح التي جاءتهم على طبق من ذهب , وفشلوا في الاستجابة الفورية لصوت الشارع , فاليوم , ما عليهم الا أن يمدوا يد المساهمة لجموع المتظاهرين ولتجمع المهنيين , لكي يشاركوا المشاركة الفاعلة في عملية الاسقاط حتى تأتي كاملة غير منقوصة.

إنّ بلاد السودان على اعتاب حقبة جديدة من تاريخها السياسي , وتعايش مخاض ولادة جيل جديد له أدوات جديدة في صراعه مع تحديات الحياة و ضرورات الوجود , يصعب على جيل الأجداد استيعابها والالمام بمفاتيح ابوابها , و هؤلاء الاجداد هم من في سن المشير و الامام و السيد , فحقيقة هبة ديسمبر أنها لا علاقة تجمعها بمطالب الخبز و الرغيف و المواد التموينية , بقدر ما هي عملية مصيرية وكونية محتومة , ماضية لتحقيق خلافة جيل لجيل آخر , وانه لمن عجائب الزمان أن لا يتعظ الاسلاميون الذين يحملون الكتاب , ويقرؤونه ليل نهار و يخاطبون الناس بنصوصه , بما ذكر في ذات الكتاب من كثير من علامات التأكيد على عدمية الديمومة للأشخاص وللأشياء , و واقعية وحقيقة حدوث خلافة الانسان لأخيه الانسان في الأرض , وهذه الخلافة ليست بالشكل (التدجيلي) الذي رسمه هؤلاء الاسلاميون لأنفسهم وغسلوا به عقول وأدمغة النشأ , من أنهم هم المستخلفون في الأرض ولا احد سواهم , فالحقيقة أن المستخلف هو (الجيل) وليس الحزب ولا حملة الأفكار المنبعثة من الكتب الصفراء.

فالشعوب هي من يصنع الثورات , وهي من يؤسس الأحزاب و يقيم الكيانات , وليس العكس , وكل من يتقاعس عن دوره في مواكبة التطور الطبيعي لوعي هذه الشعوب أو لم يرتقي بفكره و قراءاته للواقع , لن تسعفه فكرته الواحدة ورؤيته الجامدة في مسايرة الناس ومعرفة احتياجاتهم , فالملاحظ أن الوضع في البلاد قبل الانتفاضة الشعبية الديسمبرية , كان راكناً ركون قادة الفعل السياسي في المعارضة جمعاء , مع وجود حالة من اليأس دفعت ببعضهم الى الاستجابة لخارطة طريق النظام , و الرضوخ لآليات الوساطة الاقليمية التي وضعت شروط و متطلبات بعينها , لاستكمال عملية السلام مع تحالف شقين من المعارضتين المدنية و المسلحة , ذات التحالف الذي نادى برحيل النظام من باريس قبل أيام , مترجماً معنى ومدلول اسم وعنوان الفيلم المصري (زوج تحت الطلب).

ما يقوم به تجمع المهنيين من حسن تدبير وجميل تنسيق مع الحراك الشعبي , وما يحدث من تناغم بينه وبين المواطنين , يجب أن لا يوقفه توجس منتفع ولا حرص حريص , فالعبرة تكون بنتائج الأعمال و ليست بما تثيره الظنون و الهواجس , أما وقد وجد الحراك القاصد الى اسقاط نظام البطش و التنكيل الدليل و المرمشد , ما على الذين تأخروا عن الأخذ بزمام المبادرة الا المباركة و السير في درب شعار(تسقط بس).

إسماعيل عبد الله
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 427

خدمات المحتوى


اسماعيل عبد الله
اسماعيل عبد الله

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة