المقالات
السياسة
فشل الانقاذ … فشل الفكرة
فشل الانقاذ … فشل الفكرة
03-29-2019 03:45 PM

فشل الانقاذ … فشل الفكرة

يسعى البشير لانقاذ مايمكن انقاذه من نظامه الذى سقط بالفعل .وقد كانت آخر مظاهر سقوطه حكومة الدكتور ايلا الذى " يعاين الفيل ولا يطعن الا ظله ". يبدو ان لديه نظر طويل المدى ، فالفساد بجانبه ليل نهار ومع ذلك يذهب بعيدأ فى حربه حتى بورتسودان . لقد قلت فى مقالات سابقة ان اسطورة محاربة الفساد تظل غير قابلة للتصديق الا اذا بدأت بالبيت وآله !
دليل آخر على السقوط الفعلى هو المواقف المتباينة لمنتسبى النظام ، فمنهم من تسمعه فى مداخلات اعلامية فلا تصدق انه نفس الشخص الذى لم يكن يقول الا ما يرضى السيد ، ومنهم من لايستقر على موقف فهو يسير مع مسير الريح المتغير للثورة ، فاذا خرجت مظاهرات قوية أو وجد موقف مؤيد للشارع من بعض القوى الخارجية ، يصبح الحديث عن الحق الذى مع الشارع أو على الاقل الشباب ، واذا توقف الشارع للحظات لاسترداد الانفاس او للأعداد لجولة جديدة ، جاءت احاديث ال 98% ..الخ .وهناك ايضا من يقر حقا بفشل المشروع الحضاري بأكمله ولكنه يرى ان السبب يرجع الى سوء الادارة والقليلون من يقولون بأن المشكلة فى الفكرة نفسها .
على أى حال ، الذى أود تأكيده هنا ، هو ان الثورة ماضية الى نتائجها المرجوة دون شك وليس أدل على ذلك من استمرار جذوتها بل وبمزيد من الاتقاد فى كل يوم لمدة تقارب الشهور الاربعة والانجازات التى سجلتها وليس آخرها حل حكومة الوحدة وظهور حكومة " الكفاءات !". وأكثر من ذلك ، فان الثورة تدل على كمال دسمها بأنها لا تسعى لتغيير شكلى أو تغيير نظام بنظام مماثل وانما لنظام يعالج كل قضايا ما بعد الاستقلال ، اذ أن بقاء تلك القضايا المعبر عنها في شعارات " سلام .. حرية .. عدالة " و " يا عنصري يا مغرور .. كل البلد دارفور " وغيرها من الشعارات المعبرة بصدق عن المطلوب لما بعد الانتصار المحتوم ، هو السبب فى مجئ الانقاذ وأمثالها في الأصل . ولذلك ، فان أى مواقف لاتعبر عن التأييد الشامل والكامل لهذا المطلوب لن تنجى اصحابها ، حتى أولئك الذين ينتقدون نظام العقود الثلاثة الفاشلة بأرجاع أسبابه لفساد الادارة وليس لفساد الفكرة ، وبالتالى يطلبون فرصة أخرى لتعلم الحلاقة فوق رؤوسنا التي لم تتبق فيها شعرة ! الواقع ، الذي صدقته التجربة السودانية وتصدقه التجربة المصرية قصيرة الامد ، بل وحتى التجربة التركية طويلة الامد ، يقول بفساد الفكرة ، ذلك ان هذه التجارب التى كانت والكائنة حتى الآن تأتي من نفس المصدر الفكرى، الذى لايمكن ان ينتج غير مثل هذه التجارب .
الفكرة :
الفكرة المعروفة الآن بمسمى " الأسلام السياسى " ، بدأت بالادعاء انها حركة دعوية وهى كاذبة فى هذا الادعاء لأن انشاءها تم بمعاونة البريطانيين فى مصر بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ونهاية الامبراطورية الاسلامية تفاديا لما كان الاستعمار يتوقعه من مشاعر سالبه نحو أوروبا لدى المسلمين جراء فقد" الخلافة الاسلامية " الاخيرة ! وقد حاولت الجماعة من البداية اخفاء توجهها نحو السياسة وذلك بالقول أنها "جماعة دعوية وثقافية ورياضية و… و… " وكل مايخطر على البال لأن الأسلام يعني كل مافي الحياة ، بما فى ذلك ، بالطبع ، السياسة ! وبدأ الدخول فى هذا المجال قليلا قليلا ، خصوصا بعد أن اشتد العود ، وظهرت الجماعة أولا بابداء الرأى عن الحكومات المختلفة ، ثم انتقلت من ذلك الى الفعل الذى شمل استخدام التنظيم السرى فى قتل من لا يوافق سياستهم .وبالطبع فان فترة السادات ثم مبارك ثم مابعد الثورة فى 2011 ، قد أظهرت الجماعة كلاعب أساس فى السياسة المصرية لدرجة الةصةل الى السلطة. وقد اتضحت معالم سياسة الجماعة ، رغم قصر المدة التي قضوها في الحكم ، وذلك فى أهم معلم كما سنرى ألا وهو الاحتكار الكامل لشئون الحكم . فقد خرج المستشارون المعينون من طرف الحليف "حزب النور " حتى آخر فرد قائلا فى مؤتمر صحفى انهم - أى المستشارين من حزب النور - لم يكونوا يستشارون بل وذهب الى أبعد من ذلك بقوله أنه شخصيا قدم للرئيس مرسى قائمة بحوالي ثلاثة عشر ألف فردا من الجماعة ،عينوا بدون مؤهلات كافية فى وظائف حكومية وان الرئيس لم يفعل شيئا حيال ذلك الأمر الذى يعتبره أمرا جللا ، وكأنه لايعلم ، بل ربما لم يكن يعلم حقا ، بأن الجماعة فى جنوب الوادى لم يتركوا وظيفة ولا عمل يجلب مغنما الا اصبح لهم أو لمن يؤيدهم ! وذلك تحت لواء "التمكين " .
هذا المثال البسيط يلخص قضية الاسلام السياسي في سطور : فهؤلاء القوم الذين قال منظرهم الاكبر ، سيد قطب ، بانه لا يوجد مسلمين على وجه الأرض غير الجماعة ، طالبا من مدعى الاسلام ،من خارج الجماعة، الى اعلان اسلامهم من جديد ، وطبعا على يد الجماعة . وعلى هذا الاساس يصبح مبررا للجماعة ، الممثلة الوحيدة للاسلام ، وبالتالى للرب ، ليس فقط ان يحددوا الارزاق فى الحياة الدنيا ، وانما تزكية من يدخل الجنة ربما . فاذا كان الامر كذلك فان كل مايفعلون يجد التبرير الكافي للنفس فى الجماعة . وحتى عندما تصحو بعض النفوس من غفوتها قليلا ، فأنها تجد من حولها من يهدهدها لمواصلة الغفوة مثلما حدث للسيد الرئيس عندما تحدث عن قتل النفس التي حرم الله والتي لا فكاك من عقوبتها فظننا أنه سيتوب بعد هذا الاعتقاد الفصل .. ولكن ، ربما يكون قد وجد تبريرا بأنى ذلك القتل كان ، أيضا ، لله كما هو الحال فى بقية الفساد الذى عم القرى والحضر . وأن لم يكن الأمر كذلك، فكيف تأتى للرئيس أن يستمر فى ممارسة نفس الجرم ولم يتبق له من العمر غير القليل !
الأمر الأكثر وضوحا وتوضيحا ، هوما يقوم به من يصنفون على أنهم متشددون من امثال القاعديين والدواعش ، فهؤلاء يرتكبون كل الفواحش التي ينهي عنها الدين بشكل قاطع بضمير مرتاح لنفس المبررات .
فاذا أخذنا النموذج الذى يعتبره الاسلاميون الامثل ، نموذج تركيا ، فاننا لانجد غير عنصر الأساس الذى اشرنا اليه ، الا وهو الاحتكار. فالسيد اردوجان يستغل ما قدم لتركيا من تقدم اقتصادى ليكون سببا فى عمل الذى يجوز والذى لايجوز للاستمرار فى السلطة وبنفس مبرر ضرورة احتكار السلطة ومايليها لتطبيق شرع الله حسب تصوره فحسب .
فاذا كان الامر كذلك من الناحية النظرية وهو مااثبتته التجربة السودانية ، التي جعلت كل من لا يصدر عن مصلحة خاصة يقول بالفشل التام للتجربة ، فقد أصبح من غير المعقول ان يطلب أحد استمرار التجربة أو أعادتها ، ذلك انها تقوم على الفكرة التى اثبتت فشلها ،ليس فقط فى مضمون الأسلام السياسي وأنما فى كل فكر يظن أنه يحتكر الحقيقة .

عبدالمنعم عثمان
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 491

خدمات المحتوى


عبدالمنعم عثمان
عبدالمنعم عثمان

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة