المقالات
السياسة
أزهري محمد علي أوكسجين الوطن الَّذِي يرْوِي عروق المنافي اليباس
أزهري محمد علي أوكسجين الوطن الَّذِي يرْوِي عروق المنافي اليباس
04-04-2019 01:15 PM




خالد عبدالحميد عثمان محجوب

مليئةٌ هي الكتب والأسافير بقِصص وتفاصيل ومنابر اعتلاها أزهري محمد علي ومعابر ارتقاها في رحلته المدهشة إلي أعلي قمم النجومية الشاهقات كأحد أبرع شعراء السودان الحديث، حتّى أنّها ما تركتْ مزيداً لمستزيد. بَيْد أنّ هذا المكتوب هو محاولة لتوثيق محطّة جديدة في مسيرة شاعرنا الكبير، توقّف إزاءها ذات شتاء، ينثر الشِعر المنسوج بخيوطٍ من النيل وإبرٍ من النخيل علي أقمشة من محبّة مساحتها مليون ميل مربّع يُغنّي للحرية وللثورة وللحنين وللحبيبة الوطن.

هي أولي زيارات شاعرنا للولايات المتّحدة الأمريكيّة. في البدء كانت الكلمة، وفي البدء كانت نيوجيرسي البديعة الوديعة، نالت شرف أن كانت أول أرض يطؤها أزهري في رحلته (للأراضي الجديدة). ترقّب الناس مَقْدِمه عبر الولايات، أشواق المريدين تعربد، ترنّ الهواتف تتبعها الوسائط والسؤال الحائر يُشكِّل هاجساً، هل سُمح له بالخروج؟ هل وصل البلاد؟ وبينما الناس في جَلْبتهم يحطُّ فارسنا الرحال.

استقبلته نيوجيرسي بزخّات جليد طازج واكتست الأرض طبقة رقيقة شديدة البياض، كانت وكأنّها تعانق سحاباً أو تشُدّ علي يدِ غيمة، هل جرّبتَ أن تصافح غيمة؟ هي فعلت. هو احتفال العشب بالندى، واحتفاء صقيع الشتات بشمس من شموس بلادي.

قبل اكتمال يومه الأوّل ورغم طول الطريق ووعثاء السفر وبرودة الجو، لكن لأنّ المسافة بين القول والفعل عنده معدومة هُرع شاعرنا إليّ تمثال الحرية في اتّساق طبيعي مع مُغنِّي الحرية، هنالك تحديداً قرأ أوّل أبياتٍ من شِعره، تلك الزيارة والرسالة الرمزية كان لزاماً حدوثُها فالحرية قيمة ظل شاعرنا ينافح لأجّلها ويغنّي لها بلا هوادة وبجسارة أكسبته حب الملايين.

وحان موعد أولي أماسي الشِعِر الموسيقي والقصيد الأُغنيات، كان الجو معبّأً ببرودة آواخر الشتاء وكأنّه يتنزّل برْداً وسلاماً ليعادل من حرارة ولهب أشواق الحضور الأنيق، وانساب الشِعِر كما جدول من نور أو هو لوحة رائعة الجمال بديعة الألوان، ينداح من ذاك الصوت الأليف، فلا تجد غير الابتهاج والحبور وهمهمات الإعجاب وصمت السامعين في حضرة هذا الجلال.

كان الوطن حضوراً في كامل الشموخ وكذا كانت الثورة في تمام العنفوان، أمّا وإن تأملت في الجالسين وأنت في تلك الحضرة الشفيفة، لرأيت مصطفي يتجادل مع حُمّيد عن معني مفردة والقدّال ينصت بهدوء، أمّا محجوب فقد كان يلوّح للدوش المُسرع، كان الأستاذ محمود هنالك بذات الإبتسامة الّتي حيَّرت الجلّاد يوماً يستمع في صمت، ويتشارك في طاولة بعيدة شيئاً ما، مظفّر وبدر شاكر والأبنودي، ومن عجب كان ماركيز يتقاسم معهم الطاولة وبعينيه الفاحصتين يطبع في ذاكرته أصغر التفاصيل وهو شديد الإعجاب بهذا الشاعر الَّذِي يشاركه ذات الخصال.

كانت النساء نصف الحضور بالتمام، وإن أوتيت بصيرة وبصر زرقاء اليمامة في تلك الحضرة فلعلّك تري نِعْمَة أو إن شئت سمِّها نورة صويحبات الْحُلْم الخالد بعوالم كما رؤي الأطفال حوالم، وكذا نورة الأخري الأبنوسية التي ذهبت مع نصف الوطن العزيز، وتري عازّة الغارقة في الهوي أبداً، وتري أيضاً فاطمة أُمِّي وأختك بِطلّتِها الملائكية وكانت الجميلة المتفرّدة وضّاحة كما شمس نهارٍ مشرقة كعادتها، وأُخر كثيرات بالغات العذوبة.

وهمي الشِعر غيثاً علي أرضنا الجدباء فاهتزّت وربت ورقّت القلوب وتحوّر عشق الوطن -الاعتيادي ذاك- من إحساس مبهم إليّ حُلُم محسوس، هي كلمات تقال فتطرب العقول وتنتشي الأرواح فيتسامي الحضور، الكلمْ النضيد والصوت الودود والصدق الساطع والمفردة العامّية البليغة المترفة، كل ذا يضع أزهري علي أعلي قمم الشِعر والإبداع الأصيل في بلادي.

تم توزيع ديوان شاعرنا الثاني( طُوبـي للغرباء ) ومُقدِّمته وحدها تصْلُح أن تكون مدخلاً لعلم يُدرَّس في فن العلاقات الإنسانية وعن كيفية تطبيق المودّة والرحمة عملياً، مُلوَّنة في تماهي كامل كأبهي ما يكون ما بين الأخضر والأبيض، تغوص في الأسطر القليلات فتجد نفسك ترُدّ السلام باحترام علي هندا، وتُقرئ إمتثال في عليائها ذات السلام. ومن لم يدرِ من اللؤلؤتين المذكورتين في المُقَدّمة البليغة معنيً ومبني فعليه الرجوع لسيرة الشاعر المبذولة كيفما بحثت، وتزداد كيلاً غير يسير في ذات الشأن إن أنت قرأت (صالحة) إحدي درر أزهري المُطوَّلات.

وما بين فواصل الشِعر غنّانا للوطن الرائع عمر بانّقا، شدواً بصوته العذب مضيفاً وسامة بهيجة للأمسية. اعتلي المنبر كثيرون تحيةً للشاعر الكبير بجميل الحديث، كان من اللافت ويستحق الإشارة وكثير متابعة، الطرح التحدّي والدعوة المفتوحة للمهتمّين والمترجمين، أنْ قد آنَ آوان البدء في ترجمة شِعر أزهري وغيره من كبار الشعراء السودانيين إلي اللُّغَات الحيّة، فهذا الشِعر جدير بأن يُنقل للآخرين، ما ينْظمه مبدعونا أحد أهم مُكوّنات الثقافة السودانية ولنا أن نعتزّ بها اعتزازاً كبيراً، وشِعر أزهري من الإبداع والضخامة ما يؤهّله لأن تتسع مواعين ثقافات ولغات أُخري لاستيعابه.

فهلّا تصدي وانْبري لهذا المَهمّة المجيدة أهلُها؟

كان من غير المستغرب خلو القاعة من الشباب صغار السن من الأجيال الّتي وُلدت أو نشأت في المهاجر والشتات في إشارة موجعة وتذكير صريح أنّ هناك من صغارنا من بدأ يتسرب من بين أيدينا (فكرياً) فإن كانت مقولة أعطني، ثقافةً، مسرحاً، شِعراً، أعطِك أُمَّة، لازالت صالحة لزمان الناس هذا، فنحن نحتاج أن نتدارس هذا الأمر عاجلاً ليس آجلاً. الحلول ليست سهلة لكنها غير مستحيلة في عصر العولمة، وحضور قامة كأزهري بعض من الحل لا ريب. وعلي السودان الجديد الَّذِي يتشكّل الآن إضافة هذا الأمر للمطلوبات.

وفي الختام، وبحقِ الإبداع إذ همي، لهباً على الحراك الَّذي حَمى، وبحق الفجر الَّذي لاحت بشائره وبحق الوطن العزيز الذي هبّت حرائره، شكرنا الغزير لصانع الفرح، ناسج الملاحم الوطنية رسول الحرية ونبي الثورة، أزهري محمد علي أوكسجين الوطن الَّذي رَوَي عروق المنافي اليباس حين ترنّم شِعْراً ذات ليلة آواخر شتاء علي مقربة من تمثالٍ للحريّة في ولاية اسمها نيوجيرسي.






تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 635

خدمات المحتوى


التعليقات
#1820973 [الكاهلي]
0.00/5 (0 صوت)

04-04-2019 04:24 PM
انتى واحد فرحان ساي يا كاتب الموضوع الخارم بارم
فرحان بأراضيك الجديده وزخات الجليد ولعلك فرحان بالحسناوات العاريات ملط في بارات الأرض الجديدة
أزهري الذي تهلل له في مقالك الركيك كان متماهياً ومتعاوناً مع الحكومة حتى النخاع
وخدم وتمرمغ في خيراتها وصحفها وشركاتها وخدم مع صلاح ادريس بتسهيلات حكومية لم يكن يحلم بها
ثم نصب نفسه هذا الازهري في زمن الخواء المعرفي نصيراً للمظلومين وللشعر المظلوم في زمن الهترشات وغياب المثقفين والشعراء الحقيقيين الذين يصمت الىخرون حين يكتبون فجاءت كتابات ازهري لتزيد بؤس الشعر بؤساً.
هي الحقيقة
من هو ازهري في صف وقائمة الشعراء يا هؤلاء.


خالد عبدالحميد عثمان محجوب
خالد عبدالحميد عثمان محجوب

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة