المقالات
السياسة
هل "سقطت بس"؟؟
هل "سقطت بس"؟؟
04-15-2019 06:52 PM

أودُّ في البداية أن أذكِّر بقاعدة وهي أن الكل أكبر من مجموع أجزائه، ما يعني مثلاً لتقريب المعنى أن الصورة الممزقة ليست هي مجموع القطع التي آلت اليها بعد التمزيق وإنما ترتيب هذه القطع ليعطي الصورة. لقد بدأ المشهد الثوري في السودان بمطالب محددة، الغلاء، السيولة النقدية في البنوك، إنعدام الوقود وصفوف السيارات أمام المحطات. وقوبل هذا الحراك في بدايته بعنجهية الكيزان المعهودة وصلفهم وكل ما اكتسبوه من صفات العنجهية والصلف والتعالي في التعامل مع المواطن السوداني المسالم المسلِّم أمره الى الله ثم ما لبث أن تحول الاستهتار والتقليل من شأن الثورة و الثوار من لفظي الى عنف جسدي وقمع وقتل، بدخول تجمّع المهنيين في المشهد الثوري صعّد الثوار مطالبهم 'سِنّة' وصارت الهتافات حرية سلام وعدالة ومع زيادة القمع وسقوط الشهداء والتنكيل والموت تحت التعذيب أتى أخيراً التطور المنطقي وهو إرتفاع سقف المطالبة إلى كلمة جامعة مانعة ومعبرة ”تسقط بس“ وهي هذا الكل الذي هو أكبر من مجموع أجزائه هي الكل الذي لا يقبل التجزيء والتبضيع وأنصاف الحلول.
وقد نجحت الثورة في اسقاط نظام القمع والتقتيل معنوياً وأخلاقياً ونزعت عنه آخر ورقة توت كان يواري خلفها عوراته وسوءاته وتركته عارياً أمام العالم كله، وتناثرت شرعيته الزائفة أمام حشود الشعب الهادرة والهاتفة ”تسقط بس“ والرافضة للدخول معه في أي حوار. ثم بدأت بعدها في ٦٤ حصاره والقبض بتلابيبه وتضييق الخناق عليه وأصبح زواله حتمياً. الحلول الأمنية لم تجدي نفعاً والقمع والتقتيل والضرب والتعذيب وأبشع الجرائم ضد المتظاهرين السلميين لم تنقذه بل كشفت ضعفه وخواره ونخرت في مشروعية بقائه، وأكسبت الثوار تعاطفاً دولياً بدأ خجولاً ثم رُفعت له القبعات تبجيلاً.
طبقة النبلاء التي كوّنها الكيزان وأرسوا أركانها بمساجدهم ورجال دينهم وحارقي بخورهم ومغنِّييهم وفلاسفتهم وأثريائهم بدأت تفكِّر وتعيد التفكير في الحل، فتذكروا حيلة شيخهم الذي ذهب حبيساً الى السجن وأرسل السفاح رئيساً في القصر فلجأوا الي اساليب الخداع والكذب والنفاق التي تمرّسوا عليها وأجادوها. في لحظة الزنقة والورطة أعلنوا بداية المسرحية السمجة التي بدأها أبنعوف، ولم يبذل كثير جهد في إجادة دوره إذ جاء بيانه الأول رتيباً فارغاً من الحماس، فالمشاهدون حسب إعتقادهم الراسخ أغبياء عندهم قنابير وهي قناعة أوصلهم اليها بقاءهم ثلاث عقود جاثمين على على صدر هذا الشعب. لم يخمد خطابه بركان الثورة الذي تفجر في صدور الملايين ثم أُضطر بعدها الكيزان الثعالبة الى السير قدماً في المسرحية وبإخراج جديد فجاءوا بالبرهان.
نجح ابناء الأفاعي في تغيير المشهد الثوري وتحويله لسويعات من مواكب أفراح بالنصر وانعتاق من رهق المظاهرات والإعتصمات وعندما رُفض ابنعوف أتوا بالبرهان لتحدث الخديعة الكبرى وتنطلي على قادة الثورة من التجمع وقوى التحرير والتغيير فأهدروا أهم شعارات الثورة التي لا تقبل التجزيء والتبعيض وحصل الكيزان على التفاوض الذي يريدونه حول الجزئيات مثل حل جهاز الأمن وغيره من البديهيات الثورية، لم يطالب المفاوضون بضم ولو واحد من الضباط الشجعان الذين وقفوا مع الشعب وقت الحارة في عضوية المجلس العسكري بعد ترقيته، وهي خطوة كان يجب أن تأتي من رفاقهم في المجلس العسكري اذا افترضنا أن ليس في الموضوع خدعة وأنّهم ينظرون اليهم كأبطال ويثمنون موقفهم كما يفعل الثوار، ولم يعدالمطلب فعلياً ”تسقط بس“. استلمت قوى التغيير و التحرير مطالب الثورة صمّة ورجعوها ليهم فكّة. وأتوقف هنا لأن متابعة هذا التفكير سوف تؤدي نتائجه المنطقية الى التشكيك في قدرة المفاوضين على استيعاب الموقف أو استعجالهم الوصول الى اتفاق لشيء في نفس يعقوب.
”تسقط بس“ هو شعار المرحلة من تاريخ السودان الحديث. فهو لا يعني فقط سقوط حكم الكيزان وإنما أوسع من ذلك بكثير وأشمل ويمكن تشبيهه من أوجه عديدة بالثورة الطلابية في أوربا وخاصة في ألمانيا. فكما كانت الحرب العالمية الثانية وأجيال الآباء التي انصاعت لديكتاتوية النازيين وخاضت الحرب تحت لوائها فهي هنا أيضاً الحروب التي خاضتها الأجيال السابقة ضد أبناء الشعب الواحد وزرعت الضغينة والحقد والعنصرية البغيضة بين مكوناته الإثنية والقبلية وهي أيضاً ثورة ضد البنيات الإجتماعية المتحجرة وضد النفاق والقيم الأخلاقية الزائفة وضد الفشل المزمن في السياسة والتعليم والإعمار والإبقاء بهم في مؤخرة شعوب العالم. هذه النقطة تحتاج لدراسة موسّعة وفائضة.
إنها ثورة الشباب وقد انطلقت ولا توجد قوة تستطيع أن توقفها ولو أستطاعت تأجيلها لبعض الوقت.
قد يعتبر البعض أنّ هذا تغريداً خارج السرب وأن التطورات قد تجاوزته ولكن إن غداً لناظره قريب.





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 363

خدمات المحتوى


عبد المنعم طه
عبد المنعم طه

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة