المقالات
السياسة
إعلاء المصلحة العامة (آن اون التأسيس)
إعلاء المصلحة العامة (آن اون التأسيس)
04-17-2019 10:25 AM

عبدالله مكاوي

لم يكن السودان بحاجة لتغليب المصلحة العامة وتحرير النفوس من الغل والغضب والاحتكام للعقلانية، مثلما حاجته لها في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ الامة السودانية بمختلف مكوناتها. وهذا في الحقيقة اقل ما يمكن تقديمه لهذه الجموع الثائرة التي ملأت الشوارع وصمدت في ساحات الاعتصام، وقبلها قدمت ارواحها الغالية مهرا لهذه المرحلة، التي مالت فيها كفة الصراع المرير لاول مرة لصالح الجماهير. خصوصا وان الخصم مجرد من كل اسباب المسؤولية والوطنية ولو في حدها الادني (كما سلف الاشارة له بتوسع في مادة لم تتح لها الفرصة للظهور؟).
وسبب ما ذكر اعلاه هو، بوادر الخلاف التي تسللت الي مكونات قوي إعلان الحرية والـتغيير (ولو ان الخلاف صحي ولكن توقيته غير صحي ولا مسؤول بالمرة!) وهو ما ينذر بالخطر ليس علي إضاعة فرصة مهرها معمَد بالدماء والتضحيات الجسيمة، ولكن الاسوا إعادة لانتاج امراض النخبة السياسة السودانية التي لازمتها منذ الاستقلال، وكانها رهينة لمتلازمة علل الطفولة. ولكن الاكثر سوء من كل هذا السوء، هو الخلط المريع للاولويات والالتباس بين الاستراتيجي والتاكتيكي والمطلوبات والاجراءات..الخ وهو ما لا يدعو للاطمئنان علي مدي كفاءة هذه النخبة في القدرة علي اخراجنا من هذا المطب المصيري، وهذا في حال لم تعرض الشعب للخطر والدولة للتشظي. ولكل ذلك يجب الانتباه الي ان النظام لم يكن في حاجة الي الاستثمار في خلافات المعارضة، اكثر مما هو الآن وهو يواجه خطر الفناء. ولقطع الطريق عليه يستحسن:
اولا، إعلان اعتذار كل مكونات قوي إعلان الحرية والـتغيير عن تصرفاتها بصورة منفردة، و الاعتراف برداة التنسيق بينها، وكانها تعيش في جزر منفصلة. والاسراع بمعالجة هذا الخلل، خاصة وهي في حلف اقل ما يعبر عنه الاتفاق علي الحد الادني، وهو إزالة كافة مكونات المنظومة الاسلاموية التي اختطفت الدولة وتصفية تركتها والترتيب لفترة انتقالية تفضي لمرحلة ديمقراطية مستقرة. وهذا الاعتذار يجب ان يكون مغلظ من الاستاذ عمر الدقير والوفد المرافق له، الذي التقي المجلس العسكري بصورة منفردة او غير خاضعة للتشاور والاتفاق علي المطلوبات والاولويات. وغير ان هكذا مسلك مستعجل وطائش يعبر عن قلة الخبرة، ومن ثم التشرذم للجبهة المعارضة، وتاليا ضياع كل هذه الجهود والتضحيات هباءً منثورا، إلا انه وللاسف يعودة بنا قهقريا الي اوضاع اكثر تعقيد ان لم يتم تداركها بصورة عاجلة. والاسوا من ذلك كما قيل، انه اكسب المجلس العسكري نوع من شرعية الامر الواقع، وذلك ليس علي مستوي الوصاية فقط، ولكن عبر اتاحة المجال امامه للمنح والمنع والقبول والرفض. ولا اعتقد انه يطمح في اكثر من ذلك في ظل الظروف الطاغة عليه، الشئ الذي ستكون عواقبه وخيمة خلال مقبل الايام. ومن المهم ايضا ان يعلم تجمع المهنيين رغم اعجابي الشديد بجهوده وتجربته الفريدة ولمزيد من التواضع والتجويد، ان العامل الحاسم في نجاح هذه الاحتجاجات حتي وصولها بر الاعتصام، هو الشروط الموضوعية المتوافرة، كالتردي العام او الانحطاط علي كافة المستويات والاذلال الممنهج للكرامة العامة وانسداد الافق السياسي والاقتصادي، واصرار المنظومة الحاكمة علي السير تجاه الحائط او المجهول. وكما ان النجاح في قيادة الحراك لا يعني بالضرورة النجاح في قيادة جبهة التفاوض، بمعني التفاوض مع واجهة نظام يجيد المرواغة وبذل الوعود المجانية والالتفاف علي المطالب الاساسية ولعبة شراء الوقت، يحتاج لمن يخبر اساليبه اضافة للمهنية والحذر الشديد او التشكيك في كل ما لا توفر له ضمانات. والاهم من كل ذلك ان يعلم الجميع ان المسألة ليست ثمار يتم قطفها او حيازة اي نوع من الامتيازات مادية كانت ام معنوية، ولكنها تتعلق بمصير شعب وتماسك دولة. اي العمل الوطني تكليف قبل ان يكون تشريف، لان هذا في حد ذاته ما يؤسس لثقافة مغايرة لما ظللنا نشاهده من ابتذال للعممل الوطني وانتهاز للسياسة وتشبث بالسلطة يثير الغثيان.
ثانيا، يجب ان يكون الهدف الاساس واضحا للجميع وهو كما سلف التخلص حكم العسكر ومن خلفه المنظومة الحاكمة، والشروع مباشرة في معالجة القضايا الضاغطة كالحرب والاقتصاد وتقديم كافة الخدمات، والاعداد السليم لتاسيس نظام ديمقراطي كامل الدسم. ونعلم ان الامر شاق والطريق طويل ولكن شكل البداية وطبيعتها هي ما يحدد ملامح المستقبل. وهو ما يستدعي:
1/ تكوين وفد مفاوض موحد من كل مكونات قوي إعلان الحرية والـتغيير، وتعيين اسم المتحدث حتي لا تحدث بلبلة وتناقضات بين مختلف قوي التحالف، الشئ الذي يقلل من جديتها وصدقيتها. ويستحسن ان يزود الوفد المفاوض بمكون استشاري من الخبراء القانونيين والسياسيين المخضرميين والمشهود لهم بالكفاءة والوطنية مثل الاستاذ نبيل اديب وعبدالله ادم خاطر ومحجوب محمد صالح وغيرهم، والاهم ان يكون هنالك تمثيل وازن للشباب وبالاخص الشابات. ويجب كذلك ان يملك وفد التفاوض عدد من السيناريوهات والبدائل ولكن دون المساس بسلامة الهدف .
2/ هذا الهدف (ازاحة المنظومة الفاسدة بكل متعلقاتها وانجاز البديل المغاير) يستدعي بدوره عدم التسرع وحرق المراحل او خلط الاجراءات بالرغبات او ربط الانجازات بمجرد الحصول علي بعض المكتسبات الانية. بمعني آخر، يجب عدم اثارة مواضيع كالمحاسبة والقصاص في هذا التوقيت او قبل قنص الصيد (واعلم مسبقا ان هكذا مطلب قد يستفز البعض ويثير شكوك البعض الآخر ممن ناله من هذا النظام الكثير ولكن من لم يصبه هذا النظام الهمجي في عزيز لديه) ولكن القصد اننا امام نظام مأفون وذو طبيعة اجرامية ويملك كل ادوات الفتن وتفجير الموقف، وبما انه الآن محشور في الزاوية، فليس من المستغرب ان يقوم باي تصرف احمق او يشيع الفوضي كطريق لخلاصه، وسجله حافل بهذه السيناريوات. ولذا في هذه المرحلة من الصراع يجب التركيز علي الهدف الاساس والوصول اليه باقل كلفة وفي اقصر زمن، وهذا ما يتطلب التسامي علي الجراحات والتفكير في الحاضر ومستقبل الاجيال القادمة، خاصة وان نجاح هذه الثورة يتخطي الداخل ليفتح باب الامل لكل الشعوب المقهورة. لانه بكل المقاييس لا يوجد نظام يداني نظام الانقاذ لا من ناحية مستوي الفشل والفساد او البطش والاجرام او من ناحية القبضة الامنية والاقتصادية او السيطرة علي كل فضاء الدولة. ومن بعدها لكل حادث حديث ولنا في العدالة الانتقالية او غيرها متسع لرد الاعتبار للضحايا واسرهم والبلاد وسمعتها. المهم لن نستطع تجاوز الماضي واستشراف المستقبل دون التخلص من تركة الماضي بصورة عقلانية ومن ثم تهيئة المناخ لكي تنتصر ارادة البناء. وهذا ما يحفظه التاريخ لابطالها.
3/ كبادرة جدية من المجلس العسكري غير الجاد (لقاء قاعة الصداقة نموذجا واسوا ما فيه رؤية ابتسامة الطيب مصطفي الصفراء وكذلك اعادة صحاف الجيش السابق الكذاب الاشر الشامي في ترتيبات عبدالفتاح برهة علي وزن عبدالفتاح بلحة الاخيرة للجيش!) يجب الضغط عليه للاعلان عن اسماء المحتجزين واماكن وظروف احتجازهم، وان يكون ذلك علانية امام جميع شركاء الوطن وبحجم الضرر الذي لم يستثنِ احدا. بمعني هل هنالك وجه للعدالة ان يعتقل ويعذب ويقتل الشرفاء داخل زنازين جهاز الامن، ويعلن ان المجرمين معتقلون في اماكن خاصة وهل هي معتقلات vip ام ماذا في الامر؟ وهذا اذا صح ان هنالك اعتقالات اصلا، في هذا الفصل البايخ من مسرحية هزلية استمرت طوال ثلاثة عقود.
4/ يجب الحذر من الاعيب ومزايدات الاسلامويين والاحزاب الكرتونية وحديثهم الباهت عن الاقصاء. ومن ثم إتاحة الفرصة لهم خلال الفترة الانتقالية وهم لم يجردو من كل الثروات والوثائق والسجلات وغيرها من وسائل نفوذهم، لا يعني اكثر من الـتهديد المستمر لها! والسبب بسيط فهم دون اجراء مراجعات جذرية لطرحهم وتجربتهم العدمية علي محك المصداقية، لا تعني مشاركنهم اكثر من خميرة عكننة او لغم او سكين في خاصرة الفترة الانتقالية.
ونفس الحال ينطبق علي الانظمة الاقليمية، فيجب الحذر من اصابعها القذرة ومنع استخباراتها من التدخل في الشان السوداني او التلاعب بتناقضاته، خاصة وهي حريصة وقبل كل شئ علي اجهاض اي تجربة ديمقراطية، تشكل خطورة علي طبيعتها الاستبدادية و سيطرتها التامة علي شعوبها. خصوصا وهي تملك الكثير من ادوات التاثير سواء بالمال او الرجال، وما فاجعة العميل طه عثمان عنا ببعيد.
ولكن هذا لا يمنع وفي ظل انعدام الثقة المستحكم بين المجلس العسكري وممثلي قوي إعلان الحرية والـتغيير، ان تتم دعوة ممثل للامم المتحدة والاتحاد الاوروبي والافريقي وبعض الدول الكبري، وهذا ليس من باب الدعوة للتدويل او عن ثقة في هذه التكوينات، التي ظلت دائمة الخذلان لقضايانا ومعاناتنا مع الاستبداد والاصح اسوا نسخه المجسدة في الدولة الثيوقراطية التي ابتلينا بها كاشقي شعوب الارض، ولكن فقط كمراقبين وشهود ولضمان التحول الديمقراطي سواء من خلال تقديم الدعم المادي او الفني، خاصة ونحن نعيش في عالم ليس لنا فيه خيارات او هوامش مناورات كبيرة او قدرة التاثير علي ادارة دفته او نظمه وقوانينه، اقلاه الي حين. ومن الاهمية بمكان عدم الاستجابة لاي محاولة لتطويل امد المفاوضات او شق الصف بين المعارضين او التهديدات المبطنة او الابتزاز والمزايدات بالوطنية او افضال مدعاة للمجلس العسكري.
5/ وهنالك تساؤل في حال تعنت المجلس العسكري هل هنالك امكانية لتكوين حكومة مستقلة او كاملة السيادة في استغلال تام عن المجلس العسكري وفي تنافس ضده، وتخاطب الخارج من اجل الاعتراف بها، كما في حالة كولومبيا مثلا؟ ام في هذا تعقيد للمسالة واحتمال اتاحة الفرصة للمجلس لاستجماع انصاره من الفلول ومن ثم ضياع كل تلك الجهود والتضحيات، وهذا ما نخشاه في كل الاحوال.
واخيرا لا سبيل للخلاص وتكريم ارواح الشهداء وضحايا النظام وإتاحة الفرصة امام مستقبل حقيقي للاجيال القادمة إلا بانجاز التحول الديمقراطي، وفي هذا وهذا فقط ما يكافئ كل هذه التضحيات والعناء. ودمتم في رعاية الله.






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 258

خدمات المحتوى


عبدالله مكاوي
عبدالله مكاوي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة