المقالات
السياسة
ثورة السودان والإسلام
ثورة السودان والإسلام
04-17-2019 07:03 PM



المعز عوض احمدانه

الذي اضطرني إلى كتابة هذا المقال؛ تلك الحملة الشعواء، التي تشنها أقلام وألسنة خبيثة أو مُغفلة، لا تقدح في الثورة مباشرة، لأنها الآن لن تجرؤ على ذلك، وإنما سبيلها الوحيد أن تلجأ إلى التخويف والتشكيك، وإشاعة الهواجس، وخلق أجواء من عدم الثقة.. وكل ذلك لتثبيط الهمم، وتوهين العزائم، ولإخماد هذا الفوران الجامح، والسيل الهادر المنهمر.
وأهم وأمضى سلاح يرفعه هؤلاء المشككون المثبطون؛ هو ما يشيعونه بأنّ البديل لنظام الإنقاذ سيكون نظاماً مُعادياً للدين.. ودليلهم على هذه الفرية؛ أنّ من يقود اليوم ثورة الشعب وحراكه، حسب زعمهم، هم فقط من الشيوعيين والعلمانيين المبغضين لكل ما يَمُتّ إلى الدين والإسلام بصلة.. ولا شك أنّ هذا من أعظم الفرى وأكذب الكذب.. وليس خافٍ أنّ الهدف والقصد من راء هذا التضليل، هو الوصول بهذه الجماهير الثائرة إلى قناعة أنّه لا مجال للمفاضلة أمام خيارين.. إما الإسلام والدين مع الصبر على بلاء الإنقاذ والفساد والإستبداد.. وإما الكفر والإلحاد.. وبالتالي فإنّ النتيجة مُحدّدة سلفاً والطريق مرسوم.
ولكنا اذا طردنا عنا هذا الدخان، وصفينا أجواءنا من هذه الأتربة المثارة، وجلسنا في الهواء الطلق، ومع قليل من التأمل والتفكير، سنصل إلى أنّ هذه الشبهة من أسخف ما يكون وأنّ الرد عليها سهل للغاية ولا يحتاج إلى عناء ولا إلى عنت.
لنفترض بالفعل أنّ قادة هذه الثورة فقط من الشيوعيين والعلمانيين والملاحدة.. ما هي المشكلة اذا كان مطلبهم وسعيهم هو لأجل التحول الديمقراطي والتعددية والحريات؟.. وهل هذه الجماهير الهادرة كلها، منقادة بلا وعي، ودون أن تدري، ومخدوعة، لإقامة ديكتاتورية إلحادية تسلطية، وفقط الأذكياء من الأوصياء هم الذين اكتشفوا هذه اللعبة وهذه الخديعة؟.. وهل الهدف من كل هذه التضحيات التي بُذلت والدماء التي سالت هو استبدال ديكتاتورية بديكتاتورية واستبداد بإستبداد؟.. أيها الناس ما لكم كيف تحكمون.. وطالما الإجابة الأكيدة من العقلاء هي لا كبيرة، فلماذا التخويف والتشكيك والحملات المضللة المسعورة؟.
وليس خافٍ على أحد، وليس بسر أنّ الإجماع منعقد الآن من كل الأطياف، يميناً ويساراً، شمالاً وجنوباً، شرقاً غرباً، عدا زمرة المستبد وعصابته، أنّ من أهم أهداف هذه الثورة إقامة نظام ديمقراطي تعددي، كامل الدسم، تكون فيه السلطة للشعب فقط، على الحقيقة لا على الخديعة.. ولا مجال لأحدٍ، ولا حزب، ولا مجموعة، أن تفرض وصياتها على هذا الشعب، فتوجهه قسراً وفق أهوائها.. واذن طالما هذا هو هدف هذه الثورة، فلماذا الخوف والتخويف، والشك والتشكيك؟.. كل انسان.. كل جماعة.. كل حزب ستُتاح له الفرصة كاملة وبكل حرية لطرح أفكاره أمام الشعب.. والشعب بعد ذلك حر في رفضها، أو قبولها وتبنيها.. لا أحد يحجر على أحد.. لا أحد يُقصي أحد.. ولا أحد يفرض وصايته على أحد.
وأنت يا أيها الغيور على الإسلام والدين تعال وقتها وانشر دعوتك، وبثّ أفكارك، وبكل وسائلك الممكنة والمتاحة، ولتجتهد في ذلك ما وسعك الإجتهاد.. فإذا اقنتع الشعب بدعوتك وبرنامجك حملك عبر صناديق الإقتراع إلى كرسي السلطة.. وفي المقابل إذا لم يقتنع بطرحك ولم يرق له برنامجك فلا ريب سيقصيك وسيجلسك على مقاعد المتفرجين.. وحينها عليك أن تتقبّل الهزيمة بصدر رحب وتلوم نفسك وحدها على الفشل.. ولك أن تعاود الكرّة مرّة أخرى بأساليب جديدة وببرنامج وأفكار وأطروحات جديدة.. وهكذا وعلى هذا المنوال يستمر الحال، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.. ولا ينبغي ولا يجوز لأحد أن يعيب الإسلام، أو أن يلصق به الفشل.. فالفشل فشلك أنت وحدك، والعيب عيبك وحدك.. ولا مجال اذا لم تنل ما تطمح إليه أن تلجأ إلى العنف لتفرض على الناس وصياتك.. لأنّ هذا هو سبيل العاجزين.
وأنا على يقين تام بأنّ الإسلام قد جاء يوم جاء لصلاح وفلاح البشرية.. لكننا للأسف قد عجزنا وفشلنا أن نرتقي بأفكارنا، قبل فعلنا وسلوكنا، إلى المستوى الذي يطمح إليه.. وأكبر مثال أنّ الإسلام يوم جاء وبزغت أنواره في الدنيا، كان أكبر ثورة تحررية في العالم وقتها.. وهو لا يزال كذلك.. لكن البعض للأسف انحط بأفكاره الى الحضيض فرفع شعار الإسلام زوراً وبهتاناً لخدمة الإستبداد والطغيان، واستخدم كلمة الله لتبرير الظلم والركون إليه.. ثم هو لم يكتف بذلك، فقام بإعلان الحرب، وشن الحملات تلو الحملات، ضد الثورة والثوّار والحرية والأحرار.
يا أدعياء الغيرة على الإسلام والدين، طالما أنتم تُبدون اليوم هذا الحماس الطاغي الكذوب للدفاع عن الإسلام وبيضة الدين، وكأنه مُهدَّد بالإستئصال، لماذا لم تقودوا أنتم هذا الحراك وهذه الجماهير وتدفعوها إلى الثورة والإنتفاض ضد الطغيان؟.. لماذا أخليتم الساحة ليتصدرها غيركم؟.. ولماذا لم تتمعَّر وجوهكم ازاء الظلم وسفك الدماء و انتهاك الأعراض والقهر والإستبداد؟.. هل هذه المساوئ والفظائع من أركان الدين والإسلام؟.. والآن بلا خجل ولا حياء تُطلقون ألسنتكم حداداً وتسلونها.. هذا شيوعي.. هذا علماني.. هذا ملحد.. وكأنّ الدعوة إلى الحرية والتحرر كفر وإلحاد.. والخنوع والذل تحت نير القهر والإستعباد ديانة وتقوى وإسلام.. أيها الأدعياء تَعَلَّمُوا أولاً وقبل كل شئ أنّ الحياء من الإيمان.


[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 336

خدمات المحتوى


المعز عوض احمدانه
المعز عوض احمدانه

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة