المقالات
السياسة
نظارة الرزيقات وتهنئة المجلس العسكرى ما بين مؤيد ومستاء
نظارة الرزيقات وتهنئة المجلس العسكرى ما بين مؤيد ومستاء
04-18-2019 01:27 PM



أوردت جريدة الصيحة السودانية الصادرة فى 15/4/2019 تهنئة بإسم الإدارة الأهلية لنظارة الرزيقات ممثلة فى الناظر محمود موسى مادبو، يهنئ فيها المجلس العسكرى الإنتقالى ورئيسه الفريق أول البرهان ونائبه الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتى".

لا يختلف أثنان فى أن نظارة الرزيقات بقيادة آل مادبو لعبت وما تزال تلعب دوراً ريادياً ومحورياً فى ترسيخ السلم الأهلى ورتق النسيج الإجتماعى على إمتداد الأقليم بل والوطن كله خاصة إبان المحنة التى ألمت بدارفور طوال حكم الجبهة الإسلامية، إذ كانت مواقفها حكيمة وعقلانية ووطنية شهد لها القاصى قبل الدانى.

وإذ نؤكد ذلك، نشير من جهة أخرى الى أن هذه التهنئة أثارت – فى وسائل التواصل الإجتماعى الخاصة بأبناء دارفور – نقاشاً واسعاً حيث وجدت الإستحسان والتأييد من قطاع عريض بينما تحفظت وربما إستهجنتها قطاعات أخرى.

إذا تجاوزنا منطق وحجج المستحسنين بإعتبار إنها معروفة بداهة، نجد أن من تحفظوا أو إستهجنوا قد أثاروا شبهة العرقية السياسية Ethno political فى مقدمة التهم التى دمغت بها التهنئة حيث اعتبروا أنها – اى التهنئة - تختزن فى طياتها إبعاداً أثنية وتسقط بشكل صارخ منطق القبيلة فى حقل السياسة كما أنها إنحيازاً وإنتصاراً واضحاً لإبن القبيلة الفريق حميدتى، وفى ذلك خروج عن التقاليد الراسخة للإدارات الأهلية التى درجت على عدم التدخل المباشر أوالعلنى فى القضايا السياسية.

تكمن المفارقة فى أن منطق المستحسنين أتى من جنس منطق المستهجنين بمعنى أن محددات وأطر تفكير كلاهما تعود الى الثقافة السياسية القميئة التى تبلورت وترسخت خلال حكم الكيزان والقائمة على جذرى الجهوية الإثنية من جهة ورفض الآخر وإقصاؤه من جهة أخرى لذا فقد إستحضر الجميع – وبكثافة - القبلية.

ولأن الجدال المتبادل قد إنطلق من هذه المنصة غدت سيرورتها النهائية فى الإنتقال والعودة بنا جميعاً الى المربع الأول، أى مربع الزرقة والعرب، الثوار والجنجويد، السكان الأصليين والمستوطنين الجدد وغيرها من الثنائيات التى سادت إبان الحرب وعجزنا حتى اللحظة عن تجاوزها.

هنا أستحضر مبدأ قانونى فى علم الإثبات مفاده أن الأشياء تتحدث عن نفسها أو تنطق بما فيها res Ipas loquitur وتفسيره أنه إذا وقع أمر لا يعقل وقوعه من دون إهمال/عجز، أغنى إثبات وقوعه عن إثبات الإهمال/العجز بإعتبار أن حدوثه فى حد ذاته ينطق بالإهمال/العجز.

تأسيساً على هذا المبدأ يمكن القول – من دون إستدعاء أى إثبات - أن إجترار منطق الثنائيات فى حد ذاته ينطق بعدم قدرة الأطراف على تجاوز هذه المحطة وفى ذلك ما يقدح مخيلتنا وقدرتنا على تجاوز العقبات وتطويع الصعاب.

الذى أثار إنتباهى أن الجدال قد إنحرف منذ مراحله المبكرة عن موضوعه الأساسى – أى تهنئة نظارة الرزيقات – ليتحول ويسترسل فى العلاقات البينية والأفقية لمكونات دارفور حيث إستخدام الأطراف خطاباً مخيفاً وإلقيت التهم ونبشت النوايا وحوكمت الخلفيات وأقصيت شخصيات ، كل ذلك فى الوقت الذى يتوحد فيه الشعب السودانى بكل أطيافه أمام القيادة العامة متطلعاً لصناعة مستقبل جديد قائم على الحرية والسلام والعدالة.

بالطبع لكل واحد من أبنائنا وأخواننا فى الحكومة والجيش والأمن والحركات والدعم السريع والجنجويد والمؤتمرجية والإحزاب والمستقلين والمتاوقين ماض وحاضر، ولو سمحنا لأنفسنا – فى هذه اللحظة المفصلية من تاريخ السودان - بفتح معارك بين ماضينا وحاضرنا فلا محالة من أن نخسر جميعاً المستقبل. نعم لقد أرتكبت فظائع تقشعر لها الأبدان وهناك آلاف الضحايا واليتامى والأرامل ينتظرون إنصافهم ومن واجبنا أن نبتدع مقاربة ما لكفكفة دموعهم وسيأتى - عاجلاً أو آجلاً – ذلك اليوم الذى يتم فيه إنصافهم ويقينى أننا لسنا أقل حنكة من رواندا التى قتل فيها خلال مائة يوم فقط مليون قتيل كأسرع إبادة جماعية فى تاريخ البشرية ولكنها اليوم تعافت لتصبح أنظف وإجمل دولة فى أفريقيا.

هناك قول مأثور للفقيه القانونى – غلوكون – يقول فيه أن الأنسان يطبق العدل حينما لا يستطيع أن يظلم فما العدالة إلا نتيجة لعجز الإنسان عن ممارسة الظلم، وإذا كان ذلك صحيحاً فإن سودان ما بعد الإنقاذ لا يستطيع أحد أن يظلم احداً وبالتالى ستسود العدالة ربوع الوطن وترد المظالم شاء من شاء وأبى من أبى وبالتالى لما العجلة؟ .

إذن، أقول لمن يراهنون على حسم مطالبنا وخلافاتنا عبر العنف وإثارة الضغائن: أنتم مخطئون، فالخسارة عندئذ لا يمكن تعويضها بأى كسب أو إنتصار يحققها أى طرف، والحال فى دارفور اليوم أكبر شاهد على ذلك ولكن البعض لا يود أن يتعلم الدرس ويصر على السير فى طريق واحد ثبت بانه لا يقود إلا الى الكوراث مع أن القليل من حكمة ناظر الرزيقات سيوفر الكثير من العنف فى الغد.

المطلوب يا سادتى، تغيير أدواتنا المفاهيمية ومناهج تفكيرنا بعد ان أثبتت التجربة إنها كانت خاطئة. عوضاً عن ذلك علينا الخروج من ثوب الضحية والإنخراط فى العمل الجماهيرى العام والسعى نحو إكتشاف الجانب الإيجابى للآخر ومعرفة القواسم المشتركة حتى نتمكن من بناء مشروع وطنى يخاطب واقعنا بكل تجلياته وتشعباته فكلنا نعيش فوق شجرة واحدة وإن إختلفت الفصول.


محام ومستشار قانونى





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 716

خدمات المحتوى


التعليقات
#1824368 [الجلابي]
2.19/5 (5 صوت)

04-19-2019 03:45 AM
ياخي مقالك درر
لو بيدي اعينك الرييس طواااااااااااالي
الناس لو مااتقدمو خطوة من المفاهيم القديمة عمرو البلد ماحيكون فيها امن وسلم اجتماعي


عبدالرحمن حسين دوسة
عبدالرحمن حسين دوسة

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة