المقالات
السياسة
بعد الثورة: سيعود القانون وتعود الأخلاق
بعد الثورة: سيعود القانون وتعود الأخلاق
04-19-2019 08:23 AM

ياسر عبد الكريم


الواقعة الأولى : إشتكت شابة سودانية على الفيس البوك إنها خريجة جامعة محترمة موظفة في شركة حكومية سودانية إن المدير لم يصرف لها حافز ولقد تجاوزها في الترقيات السنوية وهنالك من توظف بعدها صرف الحافز وتمت ترقيته وزيادة راتبه وقالت إنها مجتهدة في عملها ولم تغب عن عملها الا للظروف القاهرة وإشتكت هذه الموظفة بكل مرارة من هذا المدير الظالم وطلبت من متابعي الصفحة أن يقترحوا عليها ماذا تفعل ثم سألت هل إذا تقدمت بشكوى الى مكتب العمل سينصفني؟ : من بين عشرات الإقتراحات تقدم بها متابعو الصفحة، كان هناك اقتراحان فقط بأن تلجأ الشاكية إلى مكتب العمل بعد أن تتظلم للمدير . أما أغلبية الاقتراحات فكانت أفكارا عنيفة وأما الأعنف إقترح عليها أحد المتابعين بأن تسلط عليه أشقائها .في المجمل لا أحد نصحها على القانون
هذه الواقعة على فيس بوك تدل أولا على أن السودانيين لا يثقون في قدرة السلطات (أو رغبتها) في تنفيذ القانون كما تدل على انتشار العنف في حياتنا اليومية.. هذا العنف الزائد يتجلى في سلوكنا الاجتماعي

الواقعة الثانية : في بداية حياتي العملية في نهاية التسعينيات كانت أول وظيفة لي بأجر في شركة محترمة وكنت حريصا بالإستمرار فيها كانت ساعات الدوام مريحة حيث كانت تسمح لي بالعمل كمتعاون في مجلة وكان مديري المباشر في هذه الشركة إسمه (ديفيد) إيطالي الجنسية كان متعصب جدا لا يحب العرب والمسلمين وكان معي في القسم الذي أعمل فيه هنود وبعض الاسيويين وكان نظام الشركة نهاية كل عام يقيّم المدير مرؤوسيه ويحدد المدير المكافأة التي يستحقها وهذا حسب النسبة التي تحصلت عليها وبالرغم من إجتهادي وعملي الدؤوب إلا أنه بعد تقييمي أوصى بصرف نصف الراتب كحافز لأن تقديري لم يكن ممتاز الذي أستحقه أحسست بالإهانة والظلم شكوت ما حدث الى مدير شئون الموظفين فنصحني بقراءة لائحة الشركة
قرأت لائحة الشركة التي تنص من حق الموظف إذا أحس بظلم مديره المباشر أن يتقدم بشكوى الى المدير العام وفي هذه الحالة يتم التقييم من أكثر من قسم بمدي تفاعلك وتعاملك مع الآخرين فإذا كان الموظف مخطئاً لن يحدث اليه أي شئ سوى خطاب إنذار أما المدير ان ثبت ظلمه للموظف سينظر في عدم تجديد عقده . ثم ذهبت للمدير المتعصب وناقشته في هذه النتيجة وإستأذنته بأن يعطني صورة من التقييم لإنني سأتقدم بشكوى تظلم للمدير العام هذه الجملة كان لها سحرها العظيم فقال لي : الملف مع السكرتير ثم إنصرفت وعند إتصالي بالسكرتير فإذا به يخبرني بأنه تم تعديل التقييم الخاص بك بعد مراجعة بعض البنود وأوصى مستر (ديفد) بصرف راتبك كاملا

فكرت في هاتين الواقعتين : المدير الإيطالي (الخواجة) المتعصب ظالم تماما مثل المدير السوداني الذي ظلم الموظفة السودانية لكنه فشل في ممارسة هذا الظلم ضدي لأن هناك قانون في الشركة يراقب حقوق الموظفين ويحميهم من الظلم أما القانون في الشركة السودانية يمنح المدير الحق وسلطات تجعله يفعل في مرؤوسيه ما يشاء بغير حساب. الظلم موجود في كل مكان لكن الذي يحقق العدل هو القانون الذي يطبق على الجميع الكبير والصغير المدير والغفير والذي حدث لهذه الشابة حدث ويحدث كل يوم في السودان
إن القانون في السودان يطبق غالباً على الضعفاء الذين يصعب عليهم الإفلات منه فنذكر الموظف الذي سرق مروحة تمت محاكمته بسرعة فائقة وتم حبسه ولكن الذي سرق الدولة وأخد العمولات من الشركات البترولية والذي باع مشروع الجزيرة فلا أحد يستطيع الإقتراب منه إن سلوك السودانيين الآن بعد أن كان الأعنف من أي وقت الآن بدأ يتغير والسؤال هنا: هل ينشأ سلوكنا فقط من تربيتنا وقيمنا الأخلاقية أم تمليه الظروف الاجتماعية التي نعيش فيها..؟ تربيتنا الأخلاقية بلا شك تشكل سلوكنا لكن الظروف الاجتماعية قادرة على إخراج أفضل أو أسوأ ما لدينا من تصرفات. كلنا رأينا تلك الحالة من التسامح والتهذيب التي سادت السودان بعد انتصار ثورة أبريل والإطاحة بالنظام الفاشي الدكتاتوري ، عندئذ نزل عشرات الألوف من الشبان والشابات في كل مدن السودان وفي ميادين الإعتصام ليكنسوا ويغسلوا الشوارع بأنفسهم ويعيدوا طلاء الأرصفة على نفقتهم. كانت رسالتهم: إننا لم نكن نهتم بنظافة الدولة لأننا لم نشعر قط أنها بلدنا، أما الآن بعدما استعدناها من الديكتاتور فسنكون أحرص الناس على نظافتها.
إن التاريخ يعلمنا أن الثورة لن تموت وتحاول القوى المضادة قتلها وإفشالها لكن يستحيل على من إمتلك وعي الثورة أن يتخلى عنها وطريق الثورة طويل إذا حدثت لابد أن تستمر لأن كل شيء في المجتمع يتغير ولا يعود أبدا كما كان الثورة قد تتعثر وقد تتأخر نتائجها لكنها أبدا لا تنهزم ومستمرة وستنتصر حتما .وستعود إلينا أخلاقنا في دولة القانون





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 320

خدمات المحتوى


التعليقات
#1824422 [sudanfree]
1.94/5 (5 صوت)

04-19-2019 10:46 AM
هل ينشأ سلوكنا فقط من تربيتنا وقيمنا الأخلاقية أم تمليه الظروف الاجتماعية التي نعيش فيها..؟ اجابتي تأثير التربيه 45% و الظروف الاجتماعيه 55%


ياسر عبد الكريم
ياسر عبد الكريم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة