المقالات
السياسة
مفهوم الدولة وظاهرة الثورة
مفهوم الدولة وظاهرة الثورة
04-20-2019 11:13 PM



ما اعقد مفهوم الدولة، فبما ان التتبع التاريخي لرصد معنى الكلمة (ذردمتها الكورنولجيا)، يحدثنا عن ظاهرة تتعلق بالتجاور المديني لجماعات مختلفة واحتكامها لصيغة قانونية واحدة (دستور). فإن مصطلح الدولة يشار به الي هيئة سياسية ذات بناء تعاقدي، يصار بها الي تحقيق خير الجميع. الجميع هنا بمعنى الجماعات المختلفة، التي احتكمت الي صيغة قانونية متفق عليها، تنظم عمليات انتفاعهم الايكولوجي (البيئي او النفعوي من خيرات الارض والبحار والانهار). تغدو الدولة بالمعنى الاخير، بنية تجميعية اجتماعية، فرضها منطق الحاجة الي العيش في سلام، والانتفاع من خيرات الارض دون الخوف من الاخرين. سيما ان حالة ما قبل الدولة لطالما كانت تعتريها الصراعات الوجودية المستمرة بين القبائل والوحدات الاجتماعية المتباينة. فالدولة جهاز مؤسسي، يضطلع بدور تنظيم العلاقات البينية والمنفعية لمختلف الوحدات الاجتماعية داخل حيز مكاني معين. عبر مؤسسات مختصة، ووحدات تأسيسية عملية، مهمتها، تأطير العمل ووضع الاستراتيجيات اللازمة لتحقيق امن ورفاه جماعات الدولة فقط لا غير. بذا، فالسيرورة الطبيعية للدولة ان تنحى بهذا المنحى، والا تبتعد قيد انملة، عن مسار تحقيق امن وخير الجماعات ككل. فالشرعية الدستورية، او مسألة قانونية الدولة، او الاعتراف بالسلطة القائمة او الحكومة المدنية، هي مسائل سياسية تنهض على عنصر شعور الافراد والجماعات بالانتماء الواعي، لهذه الهيئة السياسية (الدولة)، والرضا بمبادئ دستورها وقوانينها، وإستشعار تشابه المصائر ووحدة المهددات والفرص (الوجدان المشترك) بين التشكيلات الاجتماعية المختلفة. ما دون ذلك، فالصراعات البينية والاحترابات الداخلية والثورات الاجتماعية والاضطرابات السياسية. هذا بديهي، فالجماعات والافراد في حالة ما قبل الدولة، كانوا احرارا ومعنين بتحقيق حاجاتهم بصورة مستقلة عن اية قوى او سلطة خارجية. غير ان عنصر الحركة المنفعية غير الطبيعية لبعض الجماعات والافراد كانت تضر بالاخرين وتمنع عملية استفادتهم من حقهم في الطبيعة. وبالتالي اوجدت المجتمعات مقولة (الدولة) كصيغة تفاهم افضت الي، هدنة مفتوحة وصيغة لسلام دائم بين مجتمعات متمايزة داخل حيز وزمان معين. وذلك من اجل تقنين الحراك المنفعي للجماعات، وهندسة العلائق الاجتماعية بما يفضي الي تحقيق الخير العام. وبالتالي، كان ان تنازل الافراد والجماعات، لنفر قليل منهم لادارة شؤونهم بما يصلح شأنهم (سياستهم او رياستهم). مشكلين بذلك اداة سميت ثقافيا (بالسلطة) . والسلطة بوصفها مرتكز بناء الدولة، تطبعها الجماعات على فئات قليلة منها، لتأخذ امرها بمقتضى الحكمة وليس بمقتضى الهوى. ما يعني ان انحرافا قليلا عن المسار الطبيعي للدولة، مثل ان تصبح اداة لتحقيق حاجات جماعات او فئات معينة، تصبح الدولة معها تلقائيا في مهب ريح الاضطرابات الداخلية ودوامات الحروب اليينية والانتفاضات الشعبية. سيما ان الجماعات او الفئات التي تستشعر عدم عمل مؤسسات الدولة على تحقيق حاجاتها، ستجنح الي التمرد والانتفاض، على مؤسسات الدولة بشكل ميك****ي، ولن يوقفها شئ سوى تحقيق حاجاتها تلك. بإعتبار مشروعية هذه الحاجات، بوصفها حق من حقوق الجماعات على الدولة. فإذا ما احس او وعي نفر من الشعب او الامة، بإختلال، سير دولاب الدولة، ستحركهم اوعيتهم واحساساتهم، تجاه نزع التفويض الشعبي للسلطة، والتعبير عن فقدان الثقة في قدرات الفئة المفوضة على ادارة شؤون الامة او الجماعات. وذلك من منطلق ميل الفئة المفوضة للانحراف عن المسار المتوافق عليه. فالسلطة او الحكومة المدنية، خلقتها الجماعات، كأداة لتدبير شؤونها، وتحقيق حاجات امنها ورفاهها. فإذا ما تعذر على السلطة او الحكومة تحقيق هذه الاهداف، سقط عنها صفة الشرعية. بإعتبار عن مشروعية واخلاقية الدولة نفسها قائمة على نحقيق هذه الحاجات. وتأخذ طرائق المجتمعات والشعوب في نزع شرعية السلطات القائمة عليها، مسارات مختلفة. وتتباين ادواتها بتباين طبيعة السلطات القائمة نفسها. فتتمرد وتثور وتنتفض، وتعصي مدنيا وتضرب سياسيا. تمارس الشعوب والجماعات وعبر مبدأ الحراك الجماعي الغاضب، نوعا من التململ والتزحزح، وتبدي نوعا من الاعتراض على عمل السلطة والحكومة القائمة. وبالتالي فإن كل وسيلة في هذه الوسائل تعتبر شكل من اشكال نزع التفويض الشعبي عن السلطة. وهي طريقة سياسواجتماعية واخلاقية، تعبر ضمنيا، عن ان مصدر الشرعية الوحيد لاية (سلطة)، هو الشعب _ والشعب فقط لا غير_. ففي وجود خلل بنيوي ووظيفي، يتعلق بممارسة السلطة وتسيير دولاب الدولة تنزع الشعوب والمجتمعات الي الحراك المجتمعي المنظم لنزع التفويض واسقاط الشرعية عن الحكومات والسلطات. عبر حراك مجتمعي مطلبي، يرتفع في شكل موجة عاتية، ويأخذ طابع الحدة في التعامل مع قرارات الدولة وسلطاتها ومؤسساتها بشكل مصادم. اي بمعنى الانتفاض او التحرك عكس صيغ قرارات الدولة وعمل مؤسساتها، التي تصبح بذلك، لا تعني الجماعات الثائرة، او تصبح مهترئة وغير مقبولة ومقصد للتغيير. والثورة والانتفاض، هما شكلان من اشكال ابراز عنصر الرفض الشعبي، ووسيلة، واقعية لتغيير طريقة عمل الحكومات، واعادة صياغة ديناميكية المؤسسات، وتغيير شامل في بنية الوعي المجتمعي، فيما يتعلق بمفاهيم السلطة والسياسة والحكومة. وكذلك هي اداة، شعبية، لتكريس قيم العدالة والمساواة واقرار الحريات. بذا نجد ان الثورة تتولد عن جدلية انحراف مسار الدولة، ومحاولة الشعوب والجماهير، لإرجاعها الي مسارها الصحيح، ما معناه ان الثورة هي ظاهرة دولتية بإمتياز، تتعلق بتقويم السلطة كأداة لتسيير شؤون الناس والمجتمعات.
فما احوجنا اليوم الي اعادة الدولة الي مسارها الصحيح، واعادة تقويم السلطة.





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 564

خدمات المحتوى


متوكل دقاش
متوكل دقاش

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة