المقالات
السياسة
هل التعاون مع محور السعودية/ الإمارات/ مصر هو خيار اللحظة وضرورة المرحلة؟؟
هل التعاون مع محور السعودية/ الإمارات/ مصر هو خيار اللحظة وضرورة المرحلة؟؟
04-22-2019 04:57 PM

علي العثمان



أكتب هذا المقال وأعلم أن الكثيرين يختلفون مع مبدأ طرح تساؤله أعلاه من الأساس، مفضلين إنتهاج سياسة النأيْ بالنفس، والبعد عن المحاور، لأن تلك السياسة – كما يقولون – لم يُقصِّر النظام البائد في إتباعها، ولم تجلب لنا سوى الويلات، وجعلت منا شعباً متسولاً يمد يده للجميع، وجعلت من جيشناً مرتزقاً - مع الأسف الشديد - لأول مرة في تاريخه. كما أن تلك الدول ليست جمعيات خيرية تقدم دعمها من دون مقابل، بل تقدمه لكي يصطف السودان معها في مواجهة المحور الآخر المناوئ لها ولسياساتها في المنطقة، أقصد محور [قطر/تركيا/الأخوان]، مما سَيُحوِّل السودان لليبيا أخرى، ولساحة مواجهة بالوكالة، يكون وقودها الشعب السوداني، في تقاتل بين المحورين على النفوذ لا ناقة لنا فيه ولا جمل.
كل ما ورد أعلاه صحيح، وهو ما يتبدَّى للناظر للأمر عند الوهلة الأولى، ولكن عند إرجاع البصر كرتين، وإمعانه بشدة، ودراسة حقائق الصراع على الأرض، وموازين القوى التي تتحكم فيه، تظهر حقائق أخرى، لا يلتفت لها الكثيرون، تجعل من مبدأ الوقوف على الحياد مبدأ غير عملي، وغير ممكن، وذلك للأسباب التالية:
1- هذه الدول الآن تخوض حرب نفوذٍ طاحنة، ومعارك كسْر عظم فيما بينها، للدرجة التي جعلت الآن محور [قطر/تركيا/الأخوان] أشد خطراً بالنسبة لمحور [الأمارات/السعودية/مصر] من إيران ومحورها !! هل تصدقوا؟؟!!، كما أن هذه الدول أنفقت الكثير من الأموال والموارد في تلك الحروب، مما يجعل فكرة أن ينأى السودان بنفسه عن ذلكم الصراع فكرة غير مقبولة ومرفوضة تماماً من قِـبَل كلا المحورين، حتى لو أراد السودان لنفسه ذلك، لأن هذه الدول لن تدعنا وشأننا.
2- الموقع الجيوسياسي للسودان يجعله متداخلاً في صراع المحاور هذا حتى أذنيه، حتى لو أراد لنفسه الإبتعاد والوقوف على الحياد. فمثلاً البحر الأحمر أصبح ساحة مواجهة لتلك الدول، ولابد لها أن تعرف الضفة التي سيقف عليها السودان حتى تطمئن على مصالحها. كما أن نظام السيسي في مصر – كمثال آخر – يخوض معركة بقاء أو فناء مع تيار الأخوان المسلمين، ولابد له أن يطمئن أن النظام القادم في السودان لن يقف في خندق أعدائه. كما أن نظام المخلوع البشير كان يستخدم ضد نظام السيسي ملف سد النهضة رداً على ما يقوم به الأخير من إحتلال وتمصير في حلايب، لذا لابد للسيسي من معرفة موقف الحكومة القادمة من هذه المسألة الحساسة جداً بالنسبة إليه. أيضاً تركيا وقعت إتفاقيات تعاون إقتصادي وسياسي مع حكومة المخلوع البشير، تريد هي بدورها معرفة مصير تلك الإتفاقيات مع الحكومة القادمة. كما أن دعمها لإخوان مصر وليبيا يجعل السودان مفيداً جداً لها لو قرر الإصطفاف بجانبها في تلك النزاعات. وهكذا، نجد أن السودان لا يستطيع النأي بنفسه عن تلكم الصراعات مهما حاول الإبتعاد عنها.
3- المرحلة القادمة بالنسبة للمجلس العسكري الإنتقالي أو للحكومة الإنتقالية ستكون بالغة التعقيد، ومليئة بالتحديات والأزمات. لأن هذه الحكومة الجديدة ورثت خزينة خاوية تماماً، والمشاكل الاقتصادية المختلفة وأزمات الوقود والدقيق والدواء وغيرها من السلع الأساسية سرعان ما ستطل برأسها، لذا ستكون هذه الحكومة في حاجة لدعم خارجي. كما أن الملفات الداخلية الملحة مثل تفكيك مؤسسات الدولة العميقة، ستفرض نفسها هي الأخرى، من خلال ما ستقوم به فلول الدولة العميقة من محاولات مختلفة لإعادة عقارب الساعة للوراء، ولعرقلة مسيرة التغيير والإنتقال للنظام الديمقراطي. وهنا سنحتاج للدعم الخارجي من قبل محور [الأمارات/السعودية/مصر] تحديداً، لأن تفكيك مراكز قوى فلول النظام السابق هو مصلحة مشتركة لنا مع دول ذلك المحور، بإعتبار أن تلك الفلول محسوبة على جماعة الأخوان المسلمين وفكرها. وهنا تجدر ملاحظة أن الإعلان عن دعم الثلاث مليارات دولار الذي قدمته المملكة السعودية بالأمس جاء مباشرة عقب إعتقال رموز النظام وإيداعهم سجن كوبر. وبالتالي محور [الأمارات/السعودية/مصر] في ظني هو الأقرب في مساعدتنا بصدق في تحقيق ذلك الهدف. والدعم المقصود هنا دعم أمني ودبلوماسي لتوصيل حقيقة ما يحدث للعالم الخارجي، فضلاً عن الدعم الإقتصادي.
4- أكثر ما يهم السودان بعد تشكيل الحكومة الإنتقالية في ظني هو رفع إسمه من قائمة الدول التي ترعى الإرهاب، تمهيداً لتطبيع علاقاته مع الولايات المتحدة والدول الأوربية وصناديق التمويل الدولية المختلفة، حتى يتسنى له الإستفادة من إعفاءات الديون وقروض التمويل، وتعامل بنوكه مع القطاع المصرفي العالمي. وفي هذا الصدد نجد أن دول محور [الأمارات/السعودية/مصر] هي الوحيدة القادرة على المساعدة في هذا الأمر، بعكس دول قطر/تركيا.
5- ثبت طوال سنوات الإنقاذ أن الدعم المادي الذي كانت تقدمه قطر وتركيا للسودان كان يذهب في معظمه لدعم التنظيم وليس لدعم المواطن. وهذا السبب وحده كافٍ ليجعل الحكومة القادمة في غنىً عن الدعم القطري/التركي. كما أن محور قطر/تركيا قد يرضى بإعادة إنتاج النظام البائد، ولكنه لن يرضى بأي حال من الأحوال كنسه وتفكيكه بالكامل. وهذا في ظني سبب آخر يجعلنا نصطف بجانب المحور المقابل له.
6- أثيوبيا هي دولة جوار هامة جداً للسودان، وحكومة آبي أحمد الجديدة فيها لديها علاقات ممتازة حالياً مع دولة الأمارات، وإندفاعها في تنفيذ سد النهضة قلَّ كثيراً مقارنة بحكومة ملس زيناوي السابقة لها، مما يجعل التلويح بورقة سد النهضة في وجه السيسي بواسطة حكومة السودان غير ذي جدوى. كما أن دول محور [الأمارات/السعودية/مصر] تستطيع تحريك أثيوبيا وأريتريا للإضرار بمصالح السودان وتهديد أمنه الداخلي بصورة كبيرة في حال رفضه الإصطفاف بجانبها.
7- أيضاً الحرب الدائرة الآن في ليبيا بين قوات المشير خليفة حفتر المدعومة من محور [الأمارات/السعودية/مصر]، وقوات فايز السراج المدعومة من محور [قطر/تركيا]، هذه الحرب ستلقي بظلالها وتأثيراتها الكبيرة على السودان خصوصاً في دارفور. ومن الواضح أن قوات المشير حفتر، ومن خلفه الدول الداعمة له، تُـلقِي بثقلها الآن لحسم مصير طرابلس (آخر بقعة جغرافية هامة خارجة عن سيطرة المشير)، وهي مدعومة أيضاً – ويا للغرابة – من روسيا وأمريكا معاً فضلا عن فرنساً، ومتوقع أن تنتهي هذه الحرب لصالح المشير، بالرغم من التعثر الحاصل له الآن، لأن مصر والسعودية متوقع لسلاحها الجوِّي التدخل مباشرة في هذه الحرب في حال إستمرار تعثر المشير عن الحسم بمفرده. وفي حال إنتصار محور [الأمارات/السعودية/مصر/حفتر] في ليبيا سيجد السودان نفسه مضطراً للتعاون من أطراف ذلك المحور خوفاً من تدهور الأوضاع في دارفور إلى ما لا يحمد عقباه. كما أن السيد فايز السراج نفوذه الآن في ليبيا محصور فقط في مدينتي طرابلس ومصراتة، ولا يستطيع التأثير على الأوضاع في دارفور حتى لو هو أراد ذلك، لذا من الخير للسودان في ظني الإصطفاف بجانب محور [الأمارات/السعودية/مصر].
عليه، ومن كل ما تقدم، أستطيع أن أقول وبكل ثقة أن محور [الأمارات/السعودية/مصر] هو المحور القادر، في هذا الوقت وفي هذه الظروف، على نفع السودان أو الضرر به، ولا مناص للسودان من "التعاون" معه، أقول التعاون وليس "الإرتماء في أحضانه" ووضع بيضنا بالكامل في سلته. لأنه يجب على السودان الإحتفاظ لنفسه بقدر من الإستقلالية، وأن يستطيع قول "لا" وبصوته العالي حال طُلِب منه التدخل المباشر ضد قطر أو تركيا، وأن يكون تعاونه مع دول محور [الأمارات/السعودية/مصر] منحصراً فقط في تفكيك بؤر تنظيم الأخوان المسلمين داخل السودان، والتعهد الكامل لدول ذلك المحور بعدم الإضرار بها بأي شكل من الأشكال، أو المساس بمصالحها في المنطقة. أما مسألة تواجد الجيش السوداني في اليمن، وإنخراطه في الحرب هناك، فلا أظن أن القائمين على الأمر في السودان الآن يستطيعون سحبه دفعة واحدة، لذا يجب العمل على وضع جدول زمني وتهيئة ظروف أفضل لذلك.
تبقى نقطة هامة جداً أختم بها مقالي هذا، وهي عدم الركون والثقة المطلقة في الوعود من أي جهة كانت، كما يجب التنبه أن محور [الأمارات/السعودية/مصر] ما يهمه بالدرجة الأولى في هذه المرحلة من السودان هو تفكيك كل تواجد وخلايا نائمة لتنظيم الأخوان المسلمين وإضعاف نفوذه في السودان، ومواجهة نفوذ تركيا في منطقة البحر الأحمر، والإصطفاف بجانب مصر في مسألة سد النهضة، ومتى ما تحقق له كل ذلك، يفقد السودان أهميته بالنسبة إليه. لذا على السودان لعب ما لديه من أوراق بمهارةٍ وتريث، وعدم الرمي بها مرةً واحدة. كما أن عليه تنويع إصطفافاته وتنشيط علاقاته مع الدول الأخرى مثل روسيا والصين وأثيوبيا.. والسلام.





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 482

خدمات المحتوى


التعليقات
#1825938 [امراء الحرب]
0.00/5 (0 صوت)

04-23-2019 08:58 PM
ده الكلام المهم بعد تغكيك الانقاذ التالته وقيادة البلد بذكاء سباسي وليس كحكومة طلاب وشعارات فارغه من اليسار المتخفي او اليمين المتسفي فعلا تحتاج لتكنوقراط يقود سفينة السودان بمهنية اكتر من قيادة الثورة الرائعة !!فقد كانت الثورة جيده في مجملها لان الانقاذ كانت فاسدة منخورة من الداخل!!!والسياسة الآن تحتاج المسرطن عضلات و وتمنيات!!!


علي العثمان
علي العثمان

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة